وقفات عرفان مع صحابة النبي العدنان 14

الدرس في وقفات عرفان مع صحابة النبي العدنان 14، الدرس الرابع عشر:( فضائل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما ). ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مكانة عبد الله بن عباس وفضائله

عبد الله بن عباس هو ابن عم النبي محمد، ودعا له النبي بالفقه في الدين والعلم بالتأويل، فأصبح إماما في التفسير والفقه والمغازي واللغة. كان حبر الأمة وترجمان القرآن، وشهادات الصحابة له بالإمامة والفضل تبرز مكانته العلمية.

شهادات الصحابة والتابعين لعبد الله بن عباس

شهد عمر بن الخطاب لعبد الله بن عباس بمكانته العلمية، وتولى الناس في موسم الحج وإفتائهم. كما أرسله علي بن أبي طالب لمناظرة الخوارج، وقوة حجته في إبطال شبههم تبرز علمه وإمامة.

التعصب المذهبي وذم تقديم أقوال الرجال على قول الرسول

تعليق ابن عباس على تقديم أقوال الرجال على قول الرسول يذم التعصب المذهبي، وهذه الظاهرة أصبحت واضحة في العصر الحديث حيث يفضل الناس أقوال المذاهب على قول الرسول، مما يعد انتقاصا لسنة رسول الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاهم. ما بعد، فهذه وقفة من وقفات العرفان مع صحابة النبي العدنان عليه الصلاة والسلام، وعليهم الرضوان، مع ترجمان القرآن، حبر الأمة، عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما. فهو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، حبر الأمة وترجمان القرآن، أحد كبار علماء الصحابة، وأحد المكثرين الرواية عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الفقهاء من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي سنة ثمان وستين للهجرة، عن إحدى وسبعين سنة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وأما فضائله فهي كثيرة. فمن فضائل عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، من حيث النسب، فهو من آل البيت، قد خصوا بفضائل، فابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أوائل أولئك الذين نالوا تلك الفضائل في آل البيت الطاهرين، لما كان عليه من الدين العظيم والدفاع العظيم والاستقامة والصراط المستقيم، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهو كذلك ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهذا فضل له من جهة القرابة. قرابة ابن عباس من النبي عليه الصلاة والسلام، فهو ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا من فضائل عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان ممن يدخل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيشهد ما لا يشهد غيره، ويرى ما لا يرى غيره، ويحضر ما لا يحضر غيره. وذلك لأن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم خالة ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فكان يبيت في بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام عند خالته ميمونة. ولذلك نقل علما لم ينقله غيره. ففي الصحيحين، من حديث عبد الله بن عباس، أنه بات ذات الليلة عند خالته ميمونة، فرأى النبي عليه الصلاة والسلام قام يصلي. أتت ميمونة له بوضوء، فقال ابن عباس: فقمت عن يساره، فاجعلني عن يمينه. فهذا من فضائل عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما دخوله على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفي بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومن فضائل عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه حضي بتربية خاصة من رسول الله عليه الصلاة والسلام منذ صغره. فابن عباس رضي الله تعالى عنهما نال وحضي بتربية رسول الله عليه الصلاة والسلام منذ صغره، فقد وجهه التوجهات العظيمة، وأوصاه بالوصايا الكريمة. ومن ذلك ما ثبت عند الترمذي، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو في الصحيح المسند للشيخنا العلامة الوادعي، وقال: صحيح لغيره، وهذا صحيح العلامة الألباني رحمه الله تعالى عليه. فكان ابن عباس خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم، قال: فقال لي: «يا غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». فهذه الوصايا العظيمة، وهذه التوجيهات الكريمة، وجهها رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى عبد الله بن عباس وهو في هذه السن المبكرة. وكان يركض خلفه عليه الصلاة والسلام، مما يدل على فضله، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهذه من فضائل عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه حضي بدعاء رسول الله عليه الصلاة والسلام، ودعوات النبي عليه الصلاة والسلام العظيمة بأن يفقه الله جل وعلا في الدين، وأن يعلمه التأويل. فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام ضمه إلى صدره، وقال عليه الصلاة والسلام: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». وفي لفظ قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم علمه الكتاب». وفي لفظ قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم علمه الحكمة». فدعا له النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الدعوات المباركة العظيمة، بالفقه في الدين والعلم بالتأويل وبالحكمة. ومن فضائل عبد الله بن عباس أنه كان حريصا رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لم يكتفي بهذه الدعوات المباركات من رسول الله عليه الصلاة والسلام بالفقه في الدين والعلم بالتأويل. وإنما كان حريصا رضي الله تعالى عنه حرصا عظيما على تحصيل العلم من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من علماء الصحابة. وخير شاهد لذلك تلك القصة العظيمة المشهورة، قصته رضي الله تعالى عنه مع الفتى من الأنصار. حين قبض رسول الله عليه الصلاة والسلام، جاء عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إلى فتى من الأنصار، فقال له: هلم نطلب العلم من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنهم اليوم كثير. فقال له الأنصاري: عجبا لك يا ابن عباس، أترى الأمة يفتقرون إليك، وفيهم من ترى من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قال: فترك. قال: فذهبت إلى أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام أطلب العلم، حتى أني آتي إلى بيتي الرجل وهو في القائلة في الظهيرة، يعني في وقت القيلولة، وأجلس تحت بابه، أتوسد ردائي، حتى يخرج من بيته. فيقول ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام: ألا بقيت في بيتك وأتيناك؟ فقال: لا، أنت أحب أن أسعى إليك. فيأخذ منهم علما غزيرا عظيما، تلقوه من رسول الله عليه الصلاة والسلام. وما أثر هذه الدعوات المباركات من رسول الله عليه الصلاة والسلام لابن عباس؟ وما أثر هذا الحرص العظيم من عبد الله بن عباس؟ الأثر الإمامة في الدين، الإمامة في الدين. فكان عبد الله بن عباس ترجمان القرآن، وحبر الأمة، كان إماما في التفسير، كان إماما في الفقه، كان إماما في المغازي، كان إماما في اللغة. فكانت إمامته في علوم شتى من علوم أهل الإسلام، وذلك لحرصه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وبركة دعاء رسول الله عليه الصلاة والسلام له. شهد له بهذه الإمامة كبار علماء الصحابة الذين هم مشايخه، رضي الله تعالى عنهم. ومع هذا شهدوا لعبد الله بن عباس بالإمامة وبالفضل. فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه يقول: «لو أدرك ابن عباس أسناننا ما فاقه من أحد». لو أدرك ابن عباس أعمارنا وسننا ما فاقه من أحد، أي ما وصل فاقه أحد. وهذا يقوله عمر رضي الله تعالى عنه لابن عباس في ذلكم الزمان، وقد عاش ابن عباس بعد عمر زمنا طويلا، والسنين كثيرة. فما عسى أن يحصل في هذه السنين، مع ما حصل في تلك السنين التي قال فيها الفاروق هذه الشهادة العظيمة لعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما؟ ولذلك كان عمر رضي الله تعالى عنه، شهادة منه، وبيانا لفضل ابن عباس ومكانة ابن عباس في العلم والدين، أنه كان يدخله مع أشياخ بدر، كبار أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من العلماء وأهل الدين وأهل الرسوخ وأهل الحل والعقد وأهل المشورة. ومع هذا كان ابن عباس صغيرا، ومع ذلك كان عمر يدخل عبد الله بن عباس مع مشيخة أهل بدر، كما ثبت في البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما. حتى وجد كبار الصحابة في أنفسهم شيئا، فقالوا لعمر: «يا أمير المؤمنين، إن لنا أبناء، لما لا تدخلهم كما تدخل ابن عباس؟» فقال لهم: «قد علمتم من هو». فقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: فدعاني ذات يوم ودعاهم، قال: فما علمت من ذلك إلا أنه يريد أن يريهم. قال: فقال عمر رضي الله تعالى عنه: «ما تقولون في قول الله جل وعلا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾» فقال بعضهم: هذا معنى أن الله جل وعلا أمرنا أن نحمده وأن نستغفره جل وعلا إذا فتح الله جل وعلا علينا. وقال: وسكت البعض الآخر. فقال عمر: «وماذا تقول يا ابن عباس في هذا؟» فقال: «هذه السورة فيها بيان أجل رسول الله عليه الصلاة والسلام، وبيان أجله، وأنه إذا نزل عليه ذلك عليه أن يكثر من الاستغفار والتحميد لله جل وعلا والتسبيح». وذلك قول عائشة. وهذه زيادة، يعني ليست من كلام ابن عباس الآن، أقول: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «فكان عليه الصلاة والسلام يتأول القرآن، يعني في جهره، في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». فجواب ابن عباس: «هذه السورة فيها أجل رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعليه أن يكثر من التسبيح والتحميد والاستغفار لله جل وعلا». فقال عمر رضي الله تعالى عنه: «ما أعلم إلا ما علمت». أو «ما تعلم». فهذه شهادة من عمر لعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه السورة فيها هذا الذي أخبر به عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما. فعرف أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام لماذا كان عمر يدخل عبد الله بن عباس في هذا المجلس العظيم. وهكذا شهد له بالإمامة في العلم والدين كذلك كبار أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فعثمان رضي الله عنه وأرضاه جعله على الناس في موسم الحج. وقيل: علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وهذا يدل على مكانة ابن عباس أنه يتولى الناس في موسم الحج، يرجعون إليه فيسألونه فيفتيهم، ويبين لهم مناسك الحج، ويبين لهم ما يحتاجون له من أمر الدين، ومن أمر هذه العبادة العظيمة. وهكذا ما يدل على فضله رضي الله عنه وأرضاه أن عليا رضي الله عنه وأرضاه قد ولاه على البصرة، قد ولاه على البصرة، وجعله واليا على البصرة. وهذه شهادة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لابن عباس رضي الله عنهما، حيث جعله واليا على أهل البصرة. إن دل على شيء، إنما يدل على فضله ومكانته، رضي الله عنهما. وهكذا شهد له علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه بالعلم وقوة الحجة. فقد أرسله إلى الخوارج، فقد أرسل علي رضي الله عنه عبد الله بن عباس إلى الخوارج، مع عظيم شبههم، ومع ذلك أرسل علي رضي الله عنه عبد الله بن عباس إلى الخوارج. فقد ثبت عند النسائي وعند عبد الرزاق في المصنف، وعند الطبراني وغيرهم، من حديث عبد الله بن عباس، وهو في الصحيح المسند لشيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في مسند عبد الله بن عباس، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى عليه. قال عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: «لما خرجت الحرورية وكانوا ستة آلاف، فاعتزلوا في دار، فقلت: يا أمير المؤمنين، أبرد بالصلاة لعلي آتي هؤلاء القوم». فقال علي رضي الله تعالى عنه لابن عباس: «إني أخافهم عليك». فقال ابن عباس: «كلا». قال ابن عباس: «فلبست وترجلت، فأتيت القوم في النهار، وفي وسط النهار، وهم في دارهم يأكلون». فلما رأوني قالوا: «مرحبا يا ابن عباس، فما جاء بك؟» وفي رواية أنهم قالوا: «يا ابن عباس، أتلبس هذا؟» لأن ابن عباس قد لبس من حلل اليمن، لبس ابن عباس من حلل اليمن. فقال لهم ابن عباس: «قد لبس النبي عليه الصلاة والسلام أفضل من هذه الحلل». فلما قالوا له: «مرحبا بك يا ابن عباس، فما جاء بك؟» قال لهم: «جئتكم من عند أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصهره، الذين نزل عليهم القرآن، وهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد، أبلغكم ما يقولون، وأبلغهم ما تقولون». فقال ابن عباس: «فانتحى لي نفر منهم»، يعني تنحى لي نفر منهم. «فقلت لهم: ما تنقمون من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن ابن عمه؟» فقالوا: «ننقم منه ثلاثا». قال: «قولوا ما تنقمون منه». فقالوا: «إنه حكم الرجال في أمر الله جل وعلا، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ فما شأن الرجال والحكم؟» قال: «هذه واحدة، قولوا الثانية». قالوا: «إنه قاتل، ولم يسب، ولم يغنم، إن كانوا كفارا فقد حل سبيهم، وإن كانوا مؤمنين لم يحل سبيهم، ولا قتالهم». فقالوا: «قولوا الثالثة». قالوا: «بعد ذلك لابن عباس: إنه محى نفسه من أمير المؤمنين، أنه محى نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، فإن لم يكن هو أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين». قال: «عندكم غير هذا؟» قالوا: «حسبنا هذا». قال: «أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام ما يرد قولكم، أترجعون؟» قالوا: «نعم». قال: «أما قولكم: إنه حكم الرجال في كتاب الله جل وعلا، فأقرأ لكم من كتاب الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾». «أنشدتكم بالله، أحكم الرجال أحكم الرجال في ثمن ربع درهم، أعظم وأفضل أم حكم الرجال في حق دمائهم وإصلاح ذات بينهم؟» قالوا: «ذلك أفضل». قال لهم: «أقرأ لكم من كتاب الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقًا بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾». «أنشدتكم بالله، أحكم الرجال أحكم الرجال في إصلاح ذات بينهم، وحق دمائهم، أفضل أم في بضع امرأة؟» قالوا: «ذلك أفضل». قال لهم: «أخرجت من هذا؟» قالوا: «خرجت». فقال لهم رضي الله تعالى عنهما وأرضاه: «وأما قولكم: إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم، أتسبون أمكم عائشة؟ أتسبون أمكم عائشة وتستحلون منها ما تستحلون من غيرها، وهي أمكم؟ فإن قلتم: نستحل منها ما نستحل من غيرها، فقد كفرتم، وإن قلتم: لستم بأمنا، فقد كفرتم، لأن الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾». فقالوا بعد ذلك: «خرجت من هذا». قال لهم: «أخرجت من هذا؟» قالوا: «خرجت». قال لهم بعد ذلك: «أما قولكم: إنه محى نفسه من أمير المؤمنين، فأذكر لكم ما ترضون، فإن النبي عليه الصلاة والسلام صالح المشركين يوم الحديبية، فقال لعلي رضي الله تعالى عنه: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله المشركين». فقالوا: «لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك». فقال النبي عليه الصلاة والسلام لعلي: «امحوا رسول الله، واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله». فقال ابن عباس: «ورسول الله عليه الصلاة والسلام أفضل من علي، ورسول الله عليه الصلاة والسلام أفضل من علي، فمحوه لرسول الله جل وعلا لم يكن محوا لرسالته». «أخرجت من هذه؟» قالوا: «خرجت». فرجع منهم ألفان، وأما الآخرون فبقوا على ضلالتهم، فقاتلهم المهاجرون والأنصار. فهذا يدلنا على فضل ابن عباس ومكانة ابن عباس، وقوة حجة عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، كيف زعزع عروش الخوارج، وأبطل هذه الشبه التي ليست بالهينة، فهي شبه عظيمة وشبه خطيرة. لكن العلم والحرص على تحصيله، والفقه بكتاب الله جل وعلا وسنة سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، يدمر الشبه، وكذلك يزلزل عروش المبطلين. وهكذا من شهادة الصحابة رضي الله تعالى عنهم لابن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه، شهادة عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فكان يقول: «نعم ترجمان القرآن، عبد الله بن عباس». نعم ترجمان القرآن، عبد الله بن عباس. فهذه شهادة عظيمة لابن عباس من ابن مسعود، من كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه من الشهادات لابن عباس بالإمام والفضل والرسوخ في الدين، شهادة زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقد ثبت في الصحيح المسند لشيخ العلامة مقبل الهادي الوادعي رحمه الله، والحديث في مسند الإمام أحمد، عن طاوس، عن طاوس، قال: «كنت مع عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، فجاء زيد بن ثابت، فجاء زيد بن ثابت، فقال: يا ابن عباس، أنت تفتي المرأة بأن تنفر قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟» فقال ابن عباس: «نعم»، يعني: يد المرأة الحائض. فقال له زيد بن ثابت: «لا تفتي بذلك». فقال ابن عباس لزيد بن ثابت: «اسأل المرأة الأنصارية، اسأل المرأة الأنصارية التي سألت رسول الله عليه الصلاة والسلام». فذهب زيد بن ثابت، وسأل تلك المرأة، فأخبرته بما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أن المرأة الحائض تنفر، ولو ماذا كانت على حيط»، ولا يكون آخر عهدها بالبيت الطواف، لأنه خفف عليها في ذلك، كما في حديث عبد الله بن عباس. إلا أنه خفف على المرأة الحائض، فرجع زيد بن ثابت إلى عبد الله بن عباس، وهو يضحك، ورجع زيد بن ثابت إلى عبد الله بن عباس، وهو يضحك، ويقول له: «صدقت، ما القول إلا قولك». فشهد له رضي الله تعالى عنه بالعلم. وهكذا من شهادات كبار التابعين لعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما بالإمامة والفضل، شهادة أبي وائل. فقد ذكر ابن جريج وغيره، في مقدمة تفسيره، هذا الأثر، أثر أبي وائل رحمه الله تعالى، قال: «خطب ابن عباس الناس في الموسم»، أي في موسم الحج، قال: «فقرأ سورة النور، وفسرها، فما سمعت كلاما مثله». حتى قال رحمه الله تعالى: «لو سمع بذلك الفرس والروم والترك لأسلموا»، يعني: إذا سمعوا ذلك الكلام العظيم، وذلك التفسير العظيم من عبد الله بن عباس لسورة النور. وهذا يدل على فضله، وغزارة علم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالقرآن، وأحكام القرآن، وتأويل القرآن. وهكذا من شهادات التابعين، شهادة عطاء، شهادة عطاء، من كبار تلامذة عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: «ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عباس، فإن فيه الفقهاء، وفيه أهل المغازي، وفيه أهل الشعر، وفيه أهل اللغة، وفيه أهل الفقه». قال: «وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يصدرهم جميعا من واد واحد». وكان ابن عباس رضي الله عنهما يصدرهم من واد واحد، يعني: أنه كان يفتي أهل الفقه في فقههم، ويفتي كذلك أهل اللغة في اللغة، وفي كذلك القرآن، بل حتى اللغة، وأشعار السابقين، أشعار الجاهليين، التي يستفاد منها في لغة العرب، وغير ذلك. شواهد كل ذلك، كان يأتي أصحابه إلى عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وابن عباس يعطيهم من علمه الغزير العظيم، مما يدل على جلالته، وعلى عظيم علمه، وفقهه بدين الله سبحانه وتعالى. ومن فضائل عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما ما ثبت أيضا في الصحيح المسند لشيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى، عند أحمد وغيره، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «أنه كان وأبوه العباس عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، دخلوا على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال ابن عباس، والرسول عليه الصلاة والسلام كالمعرض، ورسول الله عليه السلام كالمعرض، فخرجوا». فقال العباس لعبد الله بن عباس: «أرأيت ابن عمك، دخلت عليه وهو كالمعرض عني؟» فقال له ابن عباس: «أما رأيت ذلك الرجل الذي يناجيه؟» فرجع العباس مع عبد الله بن عباس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «يا رسول الله، إن عبد الله يقول: قد وجد عندك رجلا، هل كان عندك أحد؟» فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الله بن عباس: «أو قد رأيت ذلك الرجل؟» فقال عبد الله بن عباس: «نعم». فقال: «ذلك جبريل، وذلك جبريل، وهو الذي شغلني عنك»، يعني عن عمه العباس. الشاهد من قبل ابن عباس، حيث رأى ذلك الرجل، وهو جبريل، والعباس لم ير ذلك الرجل، أبوه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ففيه منقبة لعبد الله بن عباس. ونختم هذا المقام بفضل ابن عباس، وقد طال بنا المقام، بذكر شيء من دفاعه وغيرته على سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعلى تعظيم قول الرسول عليه الصلاة والسلام، وتقديمه على قول كل أحد. فقد جاء عند أحمد في المسند، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: «أراهم سيهلكون، أقول: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويقولون: قال أبو بكر وعمر». وهذا الأثر صححه شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي في كتابه مشروعية الصلاة في النعال. فهذا الأثر في إنكار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على من يقدم أقوال الرجال على قول رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفيها ذم للتعصب المذهبي، والتعصب لأقوال الرجال. فكيف ابن عباس لو رأى في مثل يومنا هذا، هذا يقال له: «قال رسول الله عليه الصلاة والسلام»، يقول: «لكن أنا شافعي». وهذا يقال له: «قال رسول الله عليه الصلاة والسلام»، لكن يقول: «أنا حنبلي». وآخر يقول: «لكن أنا مالكي». وآخر يقول: «لكن أنا حنفي». ولا يبالي حين يقال له: «قال رسول الله عليه الصلاة والسلام». فضائل ابن عباس كثيرة، حسبنا ما ذكرنا. نسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بما سمعنا. وإلى وقفة أخرى من وقفات العرفان مع الصحابة رضي الله عنهم، مع راوية الإسلام، وحافظ الأمة، أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، في درس لاحق إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.