الجواب الكافي 72

الدرس في الجواب الكافي 72، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الصلاة والسلام على النبي وآله وصحبه

يستهل المتحدث الدرس بالصلاة والتسليم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين. وهي سنة مستحبة عند بداية الحديث أو الدرس لطلب البركة.

تعدي ضرر الذنوب والمعاصي إلى البهائم والدواب

يبيّن المقطع أن أثر المعاصي لا يقتصر على العاصي بل يتعدى ليشمل البهائم والدواب، فتموت الطيور جوعاً ويمتنع القطر. كما أن طاعة معلم الخير تنفع الحيوانات فتدعو له الحيتان والنمل لتعليمه الناس الإحسان إليها.

آثار المعاصي: لعنة البهائم ووراثة الذل

يوضح المقطع أن المعاصي تجعل البهائم والدواب تلعن العاصي فيتحمل وزر لعنها وإثمها. كما أن الذنوب تورث الذل والصغار، والعزة الحقيقية لا تكون إلا بطاعة الله.

آثار الذنوب والمعاصي على القلب والعقل

يوضح المقطع أن العزة الحقيقية تكمن في طاعة الله لا في المظاهر الدنيوية، وأن المعاصي تميت القلوب وتورث الذل. كما تطفئ نور العقل وتؤدي إلى فساده وضعفه، وقد تذهب بالعقل بالكلية مع إدمان الذنوب.

  • 14 جمادى الآخرة 1434هـ - 24/04/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ومنها أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه، فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم. قال أبو هريرة: «إن الحبارة لتموت في وكرها من ظلم الظالم». وقال مجاهد: «إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة وأمسك المطر، وتقول: هذا بشؤم معصية بني آدم». وقال عكرمة: «دواب الأرض وهوامها، حتى الخنافس والعقارب، يقولون: منعنا القطر لذنوب بني آدم، فلا يكفيه عقاب ذنبه حتى يبوء بلعنة من لا ذنب له». ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع من آثار الذنوب والمعاصي وشؤم الذنوب والمعاصي على أصحابها، أن الذنوب والمعاصي ليس أثرها فقط على العاصي، فالمعصية والذنب لا يضر العاصي وحده، وإنما يضر غيره، يضر العباد، بل وحتى يضر البهائم. فالبهائم والدواب تتضرر لمعاصي بني آدم، إذا عصى العبد فإنه أضر دواب الأرض وأضر البهائم بهذا الذنب وهذه المعصية. كما أن الطاعة تنفع الطائع ولها أثر على غيره، فأثر الطاعة على العباد وعلى البهائم والدواب: تنتفع البهائم والدواب بطاعة بني آدم، وتتضرر بمعصية بني آدم. لذلك كانت الحيتان في البحر والنملة في جحرها تدعو لمعلم الناس الخير، الذي يعلم الناس الخير الحلال والحرام، الطاعة والمعصية، والخير والشر. تدعو له الحيتان في البحر والنملة في جحرها، لماذا؟ لأن هذه الدعوة من هذا العبد تنفع الخلائق، تنتفع بها الحيوانات، لا يعتدى عليها. معلم الناس الخير يعلم الناس حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: الأمر بالإحسان إلى البهائم في ذبحها، وحد السكين، وسوقها سوقاً جميلاً. تدعو له لأنه يعلم الناس حق الحيوان. حتى وهكذا النملة، ذكرهم بحديث النبي عليه السلام: النهي عن قتل النمل. تدعو له النملة في جحرها لأن الناس إذا لم يعلموا حق النمل قتلوه وحرقوه، لكن معلم الناس الخير يعلم الناس النهي عن قتل النمل، النهي عن قتل النحل، النهي عن قتل الضفدع، النهي عن قتل كذا إلى آخر ذلك، فتنتفع هذه البهائم بهذه الدعوة العظيمة. الحيتان في البحر، يعلم حديث النبي عليه السلام: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». فالحيتان إذا كانت في الساحل أكلها الناس، ولو كانت ميتة فهي في حياتها وفي موتها سواء حلال. معلم الناس الخير يعلم الناس هذا، فيحصل الانتفاع العظيم. والذنوب والمعاصي تضر البهائم وتضر الدواب. ولذلك ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى ما جاء عن السلف في هذا المعنى، فنقل عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: «إن الحبارة لتموت في وكرها من ظلم الظالم». لتموت في وكرها من ظلم الظالم. الحبارة أو الحبارة: نوع من أنواع الطيور، طائر طويل العنق، أكبر من الدجاج قليلاً. هذا الطائر يقال له الحبارة، تموت في وكرها من ظلم الظالم، لماذا؟ لأنها تضرر بالجذب والقحط، وكذلك قلة المطر وغير ذلك، فتموت هذه الطيور بسبب ظلم الظالم، بسبب ذنوب أهل الذنوب والمعاصي، يمتنع القطر من السماء، يخرج الطائر يريد الأكل، ما يجد ما يجد الأكل، لماذا؟ بسبب الذنوب المعاصي. الآن طيور البحر في القمامة، ما كنا نرى الطيور في القمامة، ما نراها إلا في الساحل. نرى طيور البحر في الساحل تأكل في الساحل، وعلى هذا الكثيب ما شاء الله، ترى على مد البصر على الأكل. لكن الآن تخرج ما تجد شيئاً، ما تجد شيئاً، وإن تذهب تذهب إلى القمامة. البحر هنا وطيور البحر هناك، الله المستعان. لماذا؟ ذنوب والمعاصي. طيب، هذه الطيور تضررت، الآن كانت تجد الصيد وتجد هذا سهلاً، الآن تضررت، تذهب إلى القمامة تجد شيئاً أو لا تجد، يعني ما تجد إلا الخرق، إيش تأكل الخرق؟ الخرق والبلاستيك وغير ذلك، الله المستعان. كانت تأتي تجد الأكل وتجد الوزيف وتجد كذا وتجد كذا، ما يريدون الطيور حتى تأكل الوزيف، جعلوا الشباك، جعلوا الشباك، ما يريدون الطيور تأكل، الله المستعان. وين الآن كانت الطيور تأكل والخير ملأ الحمد لله، والآن جاءت الشباك والمزارع عليها الحيطان وعليها السور، ما تستطيع أن تدخل، والطيور الله المستعان. في هذه الجهة على شكل رجل أو على شكل امرأة عليها قميص أو عليه ثوب، محاربة، سبحان الله! هذا رزق ساقه الله لهذه الطيور، لا تمنعها من رزقها، ما يضرك، اعتبر ذلك صدقة، اعتبر ذلك صدقة منك بهذه الطيور. فالطيور كما يقول أبو هريرة: «إن الحبارة لتموت في وكرها من ظلم الظالم»، وبعدها تضرر، فالطيور تتضرر بمعاصي العاصي وبذنوب المذنبين. فليست الذنوب والمعاصي تضر بأصحابها فقط، بل يتعدى ضررها حتى على الدواب. وهكذا ذكر عن مجاهد رحمه الله: «إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة»، يعني المجاعة، اشتد الجذب، اشتد القحط، وأمسك المطر، تقول: «هذا بشؤم معصية ابن آدم». هي ما تقول ذلك باللسان المقال، لكن تقول ذلك باللسان الحال، لأن هذه وإن كانت بهائم وإن كانت دواباً إلا أن لها عقلاً تعقل به، كما أخبر نبينا سلم: النملة تدعو لمعلم الناس الخير. طيب، هل تدعو بلسان مقالها؟ يعني تقول هذا؟ والحيتان في البحر تدعو لمعلم الناس الخير، كما أنها تدعو بالخير، تتدعو لمن ضرها، تدعو لمن ضرها وتسبب في ضررها، والمذنبون والعاصون يضرون البهائم، يضرون البهائم، فتلعنهم. وذكر عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: «دواب الأرض وهوامها، حتى الخنافس والعقارب، يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم، فلا يكفي عقاب ذنبه حتى يبوء بلعنة ما لا ذنب له». يعني أنه يتحمل وزر المعصية، وزر الذنب الذي فعله، وهكذا يتحمل أوزار الآخرين، أوزار الآخرين الذين تسبب، الذين تسبب في لعنه لهم، في لعنهم لهم، الذين تسبب في لعنهم لهم. فالذين يلعنون من الدواب والبهائم، من الذي تسبب في كونهم يلعنون؟ هو. ولذلك يبوء بدم هؤلاء وبإثم هؤلاء. فالبهائم والدواب تلعن، ولا إثم عليها، إنما الإثم على المذنب وعلى العاصي، لأنه هو الذي تسبب في لعنها له. كما أن ذلك الرجل الذي أمره النبي عليه الصلاة أن يجعل متاعه على الطريق، إما كان ذلك الجار يؤذيه، فكل من مر لعن، كل من مر لعن، وهذا اللعن يعود إثمه على هذا الشخص الذي الذي تسبب في لعن هؤلاء له بسبب أذيته لجاره. فإذا كل من لعن من البهائم والدواب بني آدم، ذلك العاصي يتحمل هو هذه الآثام وهذه الأوزار. وهذا يدلنا على عظيم وخطر الذنوب والمعاصي على أصحابها، كم يتحمل، كم يتحمل من الأوزار! يتحمل وزره وإثمه وإثم من يتضرر من البهائم بسبب ذنبه ومعصيته، فيلعنه لأنه ضره، وهو مما لا يكتب عليه الإثم، فيرجع إثمه على المتسبب له في ذلك، وهو العاصي والمذنب. قال رحمه الله تعالى: ومنها أن المعصية تورث الذل ولابد، فإن العزة كل العز في طاعة الله تعالى. قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: 10]، أي فليطلبها بطاعة الله، فإنه لا يجدها إلا في طاعة الله. وكان من دعاء بعض السلف: «اللهم أعزني بطاعتك، ولا تذلني بمعصيتك». وقال الحسن البصري: «إنهم إن تقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه». وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: «رأيت الذنوب تميت القلوب، وقد يورث الذل إدمانها، وترك الذنوب حياة القلوب، وخير لنفسك عصيانها، وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها». ذكر ابن القيم تعالى أيضاً من آثار الذنوب والمعاصي على أهلها وأصحابها أنها تورث الذل، فما من عاصي إلا وهو ذليل، لأن المعاصي ذل، ذل وصغار، كما خبر النبي عليه الصلاة والسلام: «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري». فمن وقع في مخالفة الشرع ووقع في الذنوب والمعاصي فإنه يكون ذليلاً وصغيراً، لأن المعصية تورث الذل، والطاعة عز. فمن أراد العزة فلا تتحقق العزة إلا بالطاعة، فالطاعة عزيز، والعاصي ذليل وحقير. هذا هو الميزان. الحقير من أراد العزة فعليه بطاعة الله وترك الذنوب والمعاصي، لأن الإنسان إذا لم يتحرر من الذنوب والمعاصي فهو في ذل وصغار وهوان. العزة من الله وعند الله جل وعلا، ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾، فالعزة لله جل وعلا، وهو جل وعلا الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء سبحانه وتعالى. فإذا كانت العزة من الله جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى لا يعز إلا أهل طاعته، يعز أهل طاعته، أما من كان من أهل معصيته فكيف يريد العزة وهو قد عصى الله جل وعلا؟ لا عزة إلا بالطاعة، ولا عزة إلا بالإسلام، كما قال عمر رضي الله عنه: «كنا أذلة فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله». وما وقع الأمة اليوم فيما وقعت فيه إلا الذنوب والمعاصي والإعراض والركون إلى الدنيا وغير ذلك، فصارت ذليلة، تسلط عليها أعداء الإسلام من كل حدب وصوب. ولو أن هذه الأمة طاعت ربها جل وعلا واعتزت بدينها لأعزها الله سبحانه وتعالى، لكن نزع الله المهابة من صدور أعداء الإسلام، ومن قلوب أعداء الإسلام من هذه الأمة، وقد ألقى في قلوب هذه الأمة، أي العاصين، الوهن، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «لَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ الْمَهَابَةَ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ مِنْكُمْ، وَيُلْقِي فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ». قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَّةُ الْمَوْتِ». فإذن من أراد العزة فبالطاعة وبالاستقامة وبالتقوى وبالتمسك بدين الله وبتعاليم الإسلام، لا بالهواء ولا بالشعارات القومية ولا بالمظاهرات ولا بالانقلابات ولا بكذا وكذا من التجمعات أبداً. العزة بالتمسك بتعاليم الإسلام وتطبيق تعاليم الإسلام، بهذا تتحقق العزة. ولذلك ذكر رحمه الله تعالى أن من دعاء بعض السلف أنه يقول: «اللهم أعزني بطاعتك»، يعني يطلب العزة بطاعة الله جل وعلا، لأن السلف قد علموا أن العزة بطاعة الله، فمن أطاع الله أعزه الله سبحانه وتعالى، ومن عصى الله أذله الله، ومن عصى الله أذله الله سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ [الحج: 18]، أي من أهان الله، ومن صار هيناً عند الله جل وعلا وصغيراً بسبب ذنوبه ومعاصيه، فمن هذا الذي يكرمه؟ فلا مكرم له، فلا مكرم له إذا لم يكرمه الكريم الأكرم جل وعلا، فمن هذا الذي يكرمه؟ قال الحسن، وقال حسن البصري: «إنهم إن تقطقت بهم البغال» - تقطق: صوت حوافر البغال، فالبغال إذا ثارت بحوافرها صدر صوت، صدر صوت تلك الحوافر، هذا الصوت الذي يصدر عند مشي هذه البغال وضرب البغال حوافرها بالأرض - «وهملجت بهم البراذين»، والبراذين: نوع من الخيل، نوع من أنواع الخيل، وإن هملجت بهم يعني أسرعت وتبخترت بهم هذه الخيول، هذه علامات الترف والبذخ في الدنيا. قال: «فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم». يعني هم وإن تقطقت بهم البغال وتبختروا فيها وساروا فيها، وهكذا الخيول، نعم، إلا أن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم. هم وإن كانوا في هذا الظاهر يظنهم الناس على عزة، حقيقة أمرهم أنهم في ذل، حقيقة أمرهم أنهم في ذل. النبي عليه الصلاة والسلام لما مر الرجل على دابة فارهة قال: «ماذا تقولون في هذا؟» قالوا: هذا رجل إذا نكح حري أن يُنكح، وإذا استأذن حري أن يؤذن له، وإذا شفع حري أن يُشفع، يعني كلامه ما يرد، مقبول في كل مكان، يتزوج أي مكان ما أحد يرده، رجل «هاي هاي» كما يقال عندنا، أبه طيب. وإذا نكح وإذا شفع. وما الرجل الآخر ليس على تلك الهيئة؟ رجل مسكين. قالوا: ماذا تقولون في هذا؟ قال: «هذا إذا نكح حري أن لا يُنكح، ما أحد يقبله، وإذا استأذن حري أن لا يؤذن له، وإذا شفع لا يُشفع، مدفوع بالأبواب، مردود، لكنه عند الله عظيم». هذا هو العزيز حقاً، هذا هو عزيز حقاً. كما خبر رسول الله عليه الصلاة والسلام: «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره». لو أقسم قال: «قَسَمٌ مِنَ اللهِ لا يَكُونُ كَذَا لأَبَرَّهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى». وكما قال أنس بالنظر: «يا رسول الله، والله لا تُقطع ثنية الربيع». قال: «يا أنس، حكم الله القصاص». قال: «والله لا تُقطع ثنية الربيع». فجاء أهل تلك المرأة التي كسرت الربيع سنها، تنازلوا. قال بأبي هو وأمي: «إن من الناس من لو أقسم على الله لأبره». فقال بأبي هو وأمي: «إن هذا أفضل من ملء الأرض من مثل هذا»، ما هو أفضل مثله، لا ملء الأرض مثل هؤلاء. أصحاب الدواب الفارهة والسيارات الفارهة الفاخرة، هذا أفضل من ملء الأرض من مثل هذا. هذه العزة الحقيقية، عزة بالطاعة، ما هي بالمظاهر، ما هو بالمظاهر. فلذلك هؤلاء وإن ركبوا الدواب الفارهة وتبخترت بهم البراذين، وهملجت بهم البراذين، وتقطقت بهم البغال، وسارت بهم، وطارت بهم الطائرات، نعم وهكذا، ما دام على معصية فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، فهم على ذل، على ذل وعلى مهانة بسبب الذنوب والمعاصي. وذلك ذكر عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: آثار الذنوب والمعاصي على أهلها، ومن أعظم هذه الآثار موت القلوب. «رأيت الذنوب تميت القلوب، وقد يورث الذل إدمانها، وترك الذنوب حياة القلوب». إذن القلوب تحيا بطاعة الله وترك الذنوب، وخير لنفسك عصيانها، وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها. ثم ذكر رحمة تعالى: قالوا: ومنها أن المعاصي تفسد العقل، فإن للعقل نوراً، والمعصية تطفئ نور العقل ولابد، وإذا طفئ نوره ضعف ونقص. وقال بعض السلف: «ما عصى الله أحد حتى يغيب عقله». وهذا ظاهر، فإنه لو حضره عقله لحجزه عن المعصية، وفي قبضة الرب تعالى وتحت قهره، وهو مطلع عليه، وفي داره، وعلى بساطه، وملائكته شهود عليه ناظرون إليه، وواعظ القرآن ينهى، وواعظ الموت ينهى، وواعظ النار ينهى، والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله والاستخفاف به ذو عقل سليم؟ يعني أن من آثار الذنوب والمعاصي فساد العقل، فالعقول تفسد بالمعاصي، النور الذي جعله الله جل وعلا في العقل ينطفئ بتلك الذنوب والمعاصي، وينقص، وربما بعد ذلك يذهب العقل، يذهب العقل بالكلية. الإنسان يعصي ويعصي ويعصي ويعصي ويعصي، فربما بعد ذلك يذهب عقله، يسير بل عقل، والعياذ بالله، بسبب إدمان الذنوب والمعاصي. من الناس من يدمن المخدرات، ويدمن في كذا وكذا، ويذهب عقله. لا تظنوا أن المخدرات هي فقط تذهب العقل، حتى الذنوب والمعاصي لها أثر على العقل، تضعف العقل، فربما يكثر الإقدام من الذنوب والمعاصي، ويدمن في الذنوب والمعاصي حتى يصير مجنوناً، يذهب عقله، يذهب عقله، لأن النور في هذا العقل الذي يبصر به، ويتصرف التصرف الصحيح، ويتعامل مع الناس التعامل الصحيح، ويؤدي حقوق لأهلها، يختل عنده بسبب الذنوب والمعاصي، ينطفي هذا النور، يضعف، ويصير لا يستطيع أن يتعامل مع الناس التعامل الشرعي، فربما حتى لو ظن نفسه أنه على عقل وعلى كذا، الناس يرون مجنوناً، يقول هذا سفيه، هذا تصرف المجانين، لماذا؟ لأن أفعاله ليست في محلها، التصرفات تصرفات سخيفة، المواقف مواقف لا تدل على عقل، لا تدل على رزانة، وهذا من آثار الذنوب والمعاصي. نسأل الله العافية والسلامة. نقف هنا ونواصل في درس قادم. صلى الله عليه وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.