الجواب الكافي 19

الدرس في الجواب الكافي 19، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مفهوم الفرار من القدر إلى القدر

يشرح المفهوم وكيفية رد القدر بالقدر بالوسائل الشرعية. يجب على الإنسان استخدام الأسباب الشرعية لتحقيق ذلك.

أهمية معرفة الأسباب

يؤكد على أهمية معرفة أسباب الخير والشر لتحقيق السعادة والفلاح. تأتي هذه المعرفة من الشرع والواقع والتجربة.

الاعتبار من الأحداث والوقائع

يشرح كيف أن الله جعل في ملكوته وقائع وأحداثا تترتب على أفعال الناس. نتعظ من هذه الأحداث ومن أخبار الأمم الماضية.

الانتهاء إلى الله على الصراط المستقيم

يجب على الإنسان تصحيح مسيرته ليصل إلى الله على الصراط المستقيم. نسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا وأن يهدينا الطريق الصحيح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد كان آخر الكلام في الدرس الماضي عند ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى حقيقة ما يتعلق بالقدر، وأن من فقه فقه هذه المسألة فقد حاز خيرا كثيرا. وهو أنه يعلم أنه في هذه الدنيا تمر به الأقدار، تمر به الأقدار، وعليه أن يرد تلك الأقدار بالأقدار، يرد تلك الأقدار بالأقدار. فالقدر يرد بالقدر، قدر الجوع يرد بقدر الأكل، وقدر الضمى يرد بقدر الري، الشرب، وهكذا. فالله جل وعلا جعل هذه الأقدار، ويجعل لها أسبابا ترد بها تلك الأقدار أو تحصل بها. فمن رد القدر بالقدر فكان على خير عظيم، وعلى سعادة، وعلى فلاح. بل لا تتم السعادة في هذه الدنيا إلا بفقه هذه المسألة. الذي فقه فقه هذه المسألة، فهو الذي يسعد في هذه الدنيا، فيرد القدر بالقدر. ورضي الله تعالى عن عمر بن الخطاب، كما جاء في البخاري، حين قال له أبو عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه حين أراد الرجوع بالجيش من الشام؛ لأنه كان بها الطاعون، فقال: أفرارا من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ فقال له: لو أن غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، نفر من قدر الله إلى قدر الله. فأنت هكذا في الدنيا، عليك أن تفر من قدر الله إلى قدر الله، من قدر الجوع إلى قدر الشبع، ومن قدر العطش إلى قدر الري، بما حل الله جل وعلا، لا بالحرام. لا تفر من قدر إلى قدر بالحرام، وإنما فر من القدر إلى قدر، لكن بالحلال وبالأسباب الشرعية. فلا يفر من الأقدار إلى أقدار أخرى بالحرام، ولا بالأسباب المحرمة، وإنما بالأسباب الشرعية، لا إفراط ولا تفريط. حتى الفرار من الأقدار لا يظن يكون بالضوابط الشرعية، لا إفراط ولا تفريط؛ لأن الناس على ثلاثة أمور في هذا، وعلى ثلاثة أحوال. منهم من يفر من قدر الله إلى قدر الله، وعنده غلو في هذا، إفراط. ومن الناس من يفر من قدر الله إلى قدر الله، وعنده تفريط. فلا إفراط ولا تفريط، وإنما يكون بالضوابط الشرعية، وبالأسباب الشرعية، وبما أحل الله جل وعلا. لا تفر من قدر الفقر بالسرقة، أصيب الإنسان بقدر الفقر، فقير يريد أن يفر من هذا القدر، من قدر الفقر. لا يفر من قدر الفقر بالسرقة، يذهب يسرق، يقول: أريد أن أفر من قدر الفقر. لا، فر من هذا القدر إلى القدر الذي تريد بالحلال، تكسب، اعمل لكي تكتسب مالا، فتدفع هذا الفقر، وترد هذا القدر بالحلال. تريد أن تفر من قدر، مثلا، المرض، والهم، والهموم، والأحزان، بسماع الأغاني، بسماع الأغاني، وبالغيبة، والنميمة، وبغير ذلك. ما لك يا فلان تسمع الغناء؟ قال: عندي هموم، وعندي أحزان، وعندي غم. هذا قدر من أقدار الله، الهموم والأحزان والمصائب والآلام من أقدار الله جل وعلا، ولها أقدار تدفع بها. أقدار قدرها الله جل وعلا تدفع هذه الأقدار، وجعل لدفع تلك الأقدار بهذه الأقدار أسبابا شرعية، لضوابط شرعية. فأنت تدفع قدر المصائب، وقدر الهموم، وقدر الآلام، بهذه الأقدار، بالأخذ بأسبابها الشرعية، لا بالغناء، ولا بغير ذلك من المحرمات، ولا بتعاطي إلحاد، ولا بتعاطي المخدرات. لا، وإنما تدفع هذه الأقدار، الهموم، والألام، والمصائب، بطاعة الله جل وعلا، بقراءة القرآن، بالرجوع إلى الله جل وعلا، وغير ذلك. والأسباب بحمد الله جل وعلا كثيرة ومتنوعة، حتى لا يمل الإنسان. خذ ما شئت من الأسباب، ليست هي مقصورة في سبب أو سببين، لا، أسباب كثيرة ومتنوعة، وأعمال كثيرة: صيام، قراءة قرآن، ذكر، طاعة، جهاد في سبيل الله، طلب علم، دعوة إلى الله. أبواب كثيرة تدفع بها تلك الأقدار. قال رحمه الله تعالى: فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قدرها ورعاها حق رعايتها. والله المستعان. لكن يبقى عليه أمران بهما تتم سعادته وفلاحه. أحدهما أن يعرف تفاصيل أسباب الشر والخير، ويكون له بصيرة في ذلك، بما شهده العالم، وما جربه في نفسه، وغيره، وما سمعه من أخبار الأمم قديما وحديثا. فقال: التاريخ تفصيل لما جاء عن الله. يعني: عليك يا عبد الله أن تفقه هذين الأمرين، تفقه هذين الأمرين المهمين، بفقههما تتم السعادة، ويتم الفلاح لك في الدنيا والآخرة. الأول أن تعرف تفاصيل أسباب الشر والخير. للخير أسباب، وللشر أسباب. عليك أن تبحث، وأن تعرف، وأن تسأل، وأن تعلم أسباب الخير لتأتي بها، فيتحقق لك الخير والفلاح. وأسباب الشر لتتقيها. عرفت الشر لا للشر، ولكن لتوقيه. من لا يعرف الخير من الشر، أو الشر من الخير، يقع فيه. أنت حين تسأل عن أسباب الشر لماذا؟ لتتقي هذه الأسباب. ولله، قال حذيفة: كان الناس يسألون رسول الله عليه الصلاة والسلام عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. لا بد أن تعرف أسباب الخير، وأسباب الشر. كيف تتقي الشر؟ وكيف تتجنب الشر؟ وكيف تترك المنكر؟ وكيف تترك الباطل؟ وكيف تترك الربا؟ وكيف تترك الرشوة؟ وكيف تترك الحرام وأنت جاهل؟ ما تعرف الحق من الباطل، ولا المعروف من المنكر، ولا الحلال من الحرام، ولا المكسب الحلال من المكسب الربوي، وأنت جاهل. ولا تسأل عن دينك، ولا تتفقه، فتقع فيه الشرور. فلا يتم لك الفلاح، ولا تتم لك السعادة؛ لماذا؟ لأنك جهلت أسباب الخير، أو جهلت أسباب الشر. جهلت أسباب الخير، ولذلك لم توفق للخير. لا يمكن للإنسان أن يصل إلى الخير وهو جاهل بالطريق الموصل إلى الخير. كما أنه لا يمكن للإنسان أن ينجو من الغرق وهو لم يركب السفينة. كيف ينجو؟ ولم يركب؟ ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها؟ إن السفينة لا تجري على اليبس. تريد السلامة، وتريد النجاة، وتريد الخير، وتريد الأمن. أين الأسباب؟ أين الأخذ بالأسباب؟ لا تتحقق لك هذه الأمور إلا بمعرفة الطرق الموصلة إلى هذا الخير. وتريد النجاة من الشرور، ومن الفتن، فلا تتحقق إلا بمعرفة الطريق التي توصل إلى ذلك، فلذلك تبتعد عنها، تبتعد عن هذه الطرق، وتفر منها. قال: ويكون له بصيرة في ذلك بما شهده العالم، وما يجربه في نفسه هو وغيره، وما سمع من أخبار الأمم قديما وحديثا. وهذا لا يعرف إلا بطريق الشرع. يعني: أسباب الخير وأسباب الشر لا يمكن أن تسأل عنها طبيبا يداوي المرضى، وتقول له: ما هي أسباب الخير؟ وما هي أسباب الشر؟ وتقول له: ما هي أعراض؟ لكن ما يعني كل طبيب؟ نعم، وإلا هناك الحمد لله من الأطباء من هو طبيب الأبدان، وطبيب للقلوب، وطبيب شرعي. الإمام ابن القيم عالم، نعم، من علماء المسلمين، وهو من أعظم الأطباء. ما تجد طبيبا اليوم في العالم مثل ابن القيم رحمه الله، مع تطور الطب، ومع نعم. فالشاهد المراد من هذا الكلام أن تفاصيل الخير والشر، وأسباب الخير، نعم، إنما يتحصل عليها من الشرع، من كتاب الله، سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا تعرف من الواقع. الله جل وعلا جعل في ملكوته من الوقائع والأحداث التي حصلت، وأنها حصلت بسبب أمور وقعت من الناس، جربوها في حياتهم، أنهم لما فعلوها تسبب من ورائها، وتسبب من جراء فعلها، هذه الأشياء التي حدثت لهم في واقعهم، نعم. والله يقول: بعضها العلم، مثلا، عاقبة الربا وخيمة، وهذا مجرب. عاقبة الربا وخيمة، وهذا شيء مجرب، يعني: ليس فقط أنه جاء في الشرع، لا، هذا شيء جربه الناس، شيء جربه الناس في حياتهم. فكم كانت لهم كم كانت من المصائب التي حدثت لهم بسبب الربا، وغير ذلك، وغير ذلك. كذلك من المخالفات جربها الناس في واقعهم، جربها الناس في واقعهم، كالظلم مثلا. انظروا من يحتاج أن يذكر دليلا من الواقع على نهاية الظالمين؟ لا يحتاج، حدث ولا حرج، كما يقال: ما من ظالم إلا ونهايته كانت وخيمة، وهذا شيء جربه الناس. فإذا تعرف هذه الأمور، وهذه التفاصيل، عن طريق الشرع، وهكذا عما رآه الناس، وجربوه في واقعهم، وهكذا ما نقل في كتاب الله، سنة النبي عليه الصلاة والسلام، من أخبار الأمم، من أخبار الأمم الماضية. فالقرآن كم قص علينا من أمم فعلوا أمورا، فكانت عاقبتها خسرة. وكم قص علينا نبي عليه الصلاة والسلام من هؤلاء السالفين الذين مضوا؟ كل ذلك لأجل أن نعتبر. وهكذا في نفسك أنت يا عبد الله قد جربت حين تقع في بعض الأمور، نعم، بعض المخالفات، كيف تستعصى عليك الأمور؟ أنت جربت هذا. لذلك كان بعض السلف قال: أعرف -يعني- جرم مخالفتي، أو ما حصل مني من تقصير في خلق دابة. سبحان الله، حتى الدابة وهي دابة، نعم، ليست كالحال مثل كل يوم. حين تكون فيها على طاعة، وعلى إتيان بما أمر الله، حين يحصل منك التقصير والتفريط، تجد ذلك في واقعك، في نفسك، في أهلك، حتى في دابتك، حتى في سيارتك، حتى في سيارة، حتى في دراجتك. سبحان الله، الأمور مرتبطة، الأمور مرتبطة، الأمور مرتبطة. هذا شيء يجده الناس في واقعهم حين يفعلون شيئا من الشر، وكيف يكون لهذا الفعل -فعل الشر- الأثر عليهم في العاجل قبل الأجل، حتى في هذه الأمور البسيطة. وهذا لأن الله جل وعلا راد بعبده الخير، وراد بعباده الخير. هذه الأمور كالمذكرات لهم، وكالعظات؛ لأن الإنسان إذا لم يذكر تمادى، الأمور تمشي على ما يرام، هو يقع في التقصير، وفي التفريط، والأمور ماشية على الوفاء والتمام، كما يقال: لا دابته تعاكسه، ولا سيارته، ولا أموره، كل شيء ماشي على الوفاء والتمام. هذا ليس به الخير للعبد. فمن رحمة الله عز وجل جعل هذه الأمور، وهذه الآثار المترتبة على فعل السيئة، ولو واحدة، تحصل هذه الأشياء؛ لتذكرك يا عبد الله، لعلك تدارك نفسك، وتصحح، وتعلم أن سيرك اليوم ليس كسيرك بالأمس. السير الذي تسير عليه اليوم أنت ليس كسيرك بالأمس. وهذا يا إخوان، والله شيء واضح، والله محسوس. انظروا اليوم الذي يتأخر به الإنسان عن صلاة الفجر، مثلا، نعم، بل ربما يكون معذورا، يكون معذورا، يعني: أخذته نومة، فضلا عن أن يكون قد تكاسل، تكاسل حتى خرج على الوقت. لكن إذا نام عن عذر، أخذته النومة، مع أنه معذور عند الله، معذور إذا كان غير مفرط. ومع هذا لا يشعر أن هذا اليوم كأمس الذي صلى فيه صلاة الفجر، وما عليه من الانشراح، والأمور، وسبحان الله، الأمور بيسرة، الأمور مرتبطة. فلابد للعبد أن يعتبر، يعتبر من كتاب الله حين يقرأ، يعتبر من الواقع حين يرى، يعتبر الأمم الماضية. كل هذا يجعله دائما التصحيح لسيره، حتى يصل إلى الله جل وعلا وهو على خط وصراط مستقيم. نسأل الله أن ينفعنا لما سمعنا، والحمد لله رب العالمين.