التعليق على منظومة التائية 4

الدرس في التعليق على منظومة التائية 4، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

التحذير من عدم تطبيق العلم

يوصي الشيخ العلامة الإلبيري الأندلسي بالاستعداد لسؤال الله عن العلم يوم القيامة والعمل به، ويحذر من عدم تطبيق العلم مثل اليهود، ويشدد على أهمية العمل بالعلم لتجنب غضب الله ولعنته.

تطبيق العلم ومخالفة القول للفعل

يُناقش أهمية تطبيق العلم في الحياة اليومية، ويحذر من مخالفة الأفعال للأقوال، مستشهدًا بأمثلة من السلف الصالح الذين طبقوا ما تعلموه وعملوا به، ويؤكد على أهمية العمل بالعلم لتجنب العواقب الوخيمة يوم القيامة.

الدعاء والصلاة على النبي

يتضمن المقطع دعاء لله تعالى بالتوفيق لما يحب ويرضى، والصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويختتم بهذا الدعاء والصلاة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ العلامة الإلبيري الأندلسي رحمه الله تعالى في منظومته التائية: «وإن عطيت فيه طول باع وقال الناس إنك قد علمت، فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ، علمت فهل عملت؟ فرأس العلم تقوى الله حقا، وليس بأن يقال لقد رؤست». ذكر رحمه الله تعالى في هذه الأبيات هذه الوصايا وهذه النصائح العظيمة التي وجهها لابنه، وهي وصايا للأمة كلها. وصايا ثلاث ذكرها رحمه الله تعالى وأوصى بها. الوصية الأولى: العلم، أولا الاستعداد لسؤال الله جل وعلا عن هذا العلم. فالإنسان إذا علم علمًا من كتاب الله جل وعلا علومًا كثيرة ومسائل، وهكذا علم من سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمورًا، فهو سيسأل يوم القيامة عن هذا العلم فيما عمل به. كما جاء النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا تزل قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أثنى، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه فيما عمل فيه، وعن شبابه فيما أبله». فسنسأل عن هذا العلم يوم القيامة: ماذا عملنا فيه؟ هل عملنا بهذا العلم أو لم نعمل؟ أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه كان يقول: «لا آمن سؤال الله جل وعلا يوم القيامة: قد علمت فما عملت فيما علمت؟ قد علمت فما عملت فيما علمت؟» أنت علمت، ماذا عملت فيما علمت مما علمك الله جل وعلا؟ فيوصي رحمه الله تعالى بالاستعداد لسؤال الله جل وعلا عن هذا العلم فيما عملت فيه، وعن علمه فيما عمله. ماذا عملت بهذا العلم؟ وهذا فيه الوصية بالعمل بالعلم، وصية منه رحمه الله بالعمل بالعلم؛ لأن عدم العمل بالعلم مضرته عظيمة، ولا فائدة من علم من غير عمل. العلم من غير عمل كالشجرة بلا ثمر، فالعمل هو ثمرة العلم، ثمرة العلوم العمل بالمعلوم، هذه الثمرة. أما من يعلم ولا يعمل، فقد جاء في حقه الوعيد العظيم في كتاب الله وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام. الله جل وعلا ذم اليهود لأنهم علموا ولم يعملوا، فلعنهم الله جل وعلا كما قال جل وعلا: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، غضب الله جل وعلا عليهم ولعنهم الله جل وعلا لأنهم علموا ولم يعملوا. وكما قال جل وعلا في وصفهم: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾، قال بعضهم للتفسير: أي لم يعملوا به، لم يعملوا بهذا العلم الذي علمهم الله جل وعلا. قال سفيان بن عيين رحمه الله تعالى: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود»، ففيه شبه باليهود. من فسد من علمائنا بماذا؟ لأنه عنده علم وعالم، لكن لا يعمل كعلماء اليهود الأحبار، الأحبار الذين عندهم العلم ولم يعملوا به. فقال سفيان بن عيين: «من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى». النصارى فيهم عباد، لكن عبدوا الله جل وعلا بغير علم، ولذلك كانوا ضالين كما وصفهم ربنا جل وعلا. فإذن هذا فيه التحذير من عدم العمل بالعلم. قد قال جل وعلا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، تأمر الناس بالبر اعملوا وافعلوا، وتنسون أنفسكم، وأين أنتم من هذا العلم؟ وأين أنتم من هذا البر الذي علمتموه وأنه من البر؟ أين العمل به؟ تدعون الناس وتعلمون الناس هذا البر، وأين أنتم من هذا البر ومن هذا العلم؟ فحذر الله جل وعلا. وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، أعظم ذنب أن يقول الإنسان ما لا يفعل، يقول العلم عنده علم، فيقول العلم المسألة كذا وكذا، هذا حلال وهذا حرام، وهذا وهذا يقول، تكلم يقول، العلم عنده علم ويقبل هذا العلم للناس، لكن لا يعمل بهذا العلم. ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، لا يفعلون هذا العلم ولا يعملون بهذا العلم. لعنهم الله سبحانه وتعالى. وحديث الثلاثة حديث أبي هريرة في أول من تسعر بهم النار يوم القيامة: عالم لكن لم يعمل بعلمه، وعالم قارئ للقرآن لكن لم يعمل بهذا العلم. حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين. هنا ذكر لبراءة سمرة ذلك الرجل الذي يدور في النار بروحه، أي بأمعائه، كما يدور الحمار برحاه، يجتمع عليها النار يعرفونه: فلان بن فلان في الدنيا عالم. يا فلان، كان يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. يا فلان ما لك؟ ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه. فإن خالف عمله قوله، خالف عمله قوله، فكان هذا وعيده الوعيد العظيم الذي أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام. وصدق القائل الذي قال: «يا أيها المعلم غيره، هلا لنفسك ذا التعليم؟ تصف الدواء للاستقامة وأنت سقيم، ابدأ بنفسك فنهى عار عليك إذا فعلت عظيم». وقال آخر: «عجبت لشيخ يا أمر الناس بالتقى، وما راقب الرحمن يوما وما التقى، يرى جائزا أكل الحشيشة والربا، ومن نظر في الحق ومن نظر في الوحيين حقا تزندقا». وغير طبيب طبيب، نداء الناس وهو مريض، نعم غير طبيب، ويدعو أنه طبيب، والحق أنه ليس بطبيب، هو مريض يظن نفسه طبيبا وهو مريض. كيف أنت طبيب وتصف للناس الدواء وأنت لا تستخدم هذا الدواء؟ إذن أنت مريض. مثل هؤلاء الناس المرضى الذين تصف لهم الدواء، الدواء. بعض الأطباء اليوم تجدهم ينصح الناس من التدخين أو من القات أو من هذا، هذا مضر، هذا يضر بالشرايين ويضر بالقلب ويضر بالرئتين، وهو يدخل سيجارة بعد سيجارة. وتنصح الناس أن هذا مضر، كيف تتعاطى على الأقل استتر في بيتك، هذه مصيبة. يعني يكون الطبيب يدخن أمام الناس، هذه مصيبة. لماذا؟ لأن الناس يقولون: هذا طبيب، لو كان فيه شيء ما يمكن طبيب يعرف، كان فيه مضر، فيكون قدوة سيئة ويفتح للناس التساهل في هذا الباب. بعض الناس تنصحهم من التدخين، يقول لك: فلان الطبيب يدخن، فلان الطبيب يستدر الآن بالطبيب. لماذا؟ لأنه كأنه يقول: الطبيب أحرص الناس على الامتناع عن التدخين، لو كان فيه مرض لأنه أعلم الناس بالطب وأعلم الناس بالأمراض التي تلحق بالشرايين أو بالقلب أو إلى آخر ذلك أو بالسرطان. فمعناه أن هذا إنما هو فيه مبالغة أو كذا أو كذا. فيوصي رحمه الله بالعمل بالعلم، ولا يخالف الإنسان قوله فعله. قوله مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول: «تلقى الرجل ولا يلحن حرفا واحدا، وعمله لحن كله». تلقى الرجل لا يلحن حرفا واحدا، يعني تتكلم باللغة العربية ما يلحن، ما ينصب الفاعل ولا يرفع المفعول، يتكلم كلاما ما فيه لحن، كلام عربي صحيح لا لحن فيه، لا مخالفة، لا خطأ في الحركات ولا إلى آخر ذلك. لكن قال: «عمله لحن كله»، العمل كله لحن مائل، فيه أخلاق سيئة. كيف تحرص على هذا ولا تحرص على هذا؟ المهم الفائدة من هذا الذي أنت حريص عليه هو العمل. فبعض الناس إذا تكلم ما شاء الله يحرص أن لا يقع في الخطأ النحوي ولا في اللحن، لكن لا يحرص أن يجعل عمله خالصا من اللحن. عمله كله لحن، يعني فيه مخالفات حتى في سيره، حتى في نظراته، حتى في... وهذا كلام عظيم من هذا الإمام السلف الصالح، قد ضربوا أروع الأمثلة في العمل بالعلم. عبد الله بن عمر قال: «لو نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل». فما ترك عبد الله قيام الليل، كان لا يثبت أن من شهد الجنازة له قراط، ومن شهدها حتى يجيء له قراطان، حتى سمع ذلك من عائشة، قال: «فررنا في قراريط كثيرة»، ولم يترك ذلك بعد ذلك. حكيم بن حزام عهد النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يسأل الناس شيئا، فكان لا يسأل الناس حتى يأتيه العطاء من الخليفة، ولا يقبله حتى يشهد الخليفة الناس يقول: «اشهدوا أيها الناس أني أعطيت حكيما حقه»، ولا يقبله ولا يأخذه. وهكذا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه كان عاملا بالأذكار، بأذكار الصباح وأذكار المساء وأذكار النوم. سألوه: «هل تركت ذلك؟» قال: «لا، ولا يوم صفين»، ولا يوم صفين معركة عظيمة، قالها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ما ترك أذكار النوم حتى يوم صفين، يعني يعمل بهذا الذكر ويستمر عليه. أم حبيبة رضي الله تعالى عنها سمعت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى في اليوم والليلة اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتا في الجنة». قالت: «ما تركت ذلك منذ سمعته من رسول الله عليه الصلاة والسلام». قال الراوي عنها: «ما تركت ذلك منذ سمعت ذلك من أم حبيبة». الراوي عنه قال: «ما تركت ذلك». وهكذا رواة السند كلهم من أول السند إلى آخره كلهم يقول: «ما تركنا ذلك». عمل بالعلم. أبو الخير أحد الرواة سمع حديث الصدقة، فكان لا يترك الصدقة كل يوم، ما يمر عليه يوم إلا يتصدق، ما معه شيء تصدق ببصلة، هذا إلا ما معه حبة بصل وتصدق بها. المهم يتصدق، ما يمر عليه يوم إلا يتصدق. عقبة بن عامر يقول رضي الله تعالى: «لما نزلت آيات الترغيب في الصدقة كنا نحمل على ظهورنا حتى نتصدق». ذهبوا يعملون حمالين، ما عندهم فلوس يريدون أن يتصدقوا، ذهبوا يحملون على ظهورهم حتى يتصدقوا. فكانوا يعملون ببيئة العلم. الإمام أحمد رحمه الله تعالى اشترط على نفسه شرطا أنه لا يكتب حديثا عن النبي عليه الصلاة والسلام إلا وعمل به. أي حديث يعلمه ويكتبه عن النبي عليه السلام فاشترط على نفسه لا بد يعمل به. مثلا يأتي الحديث: النبي عليه السلام فعل كذا، اشترط على نفسه لا بد يعمل هذا. جاء عنده حديث: «احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام دينارا». جاء الحديث علم الإمام أحمد هذا الحديث: «احتجم النبي عليه السلام وأعطى الحجام دينارا». دينار أربعة جرامات وربع الجرام من الذهب، يعني اليوم أكثر من مئتي ريال سعودي. طيب لأن الحجام له مئة ريال أو مئتين أو ثلاثمئة، هذا مبلغ كبير. لكن إمام محمد شرط على نفسه ذهب واحتجم وعطاه دينار، وهو فقير ما عنده شيء. لماذا؟ ليعمل بهذا العلم. وسيرة السلف هذا واضحة عطرة في حرصهم على العمل بالعلم. أبو عبد الرحمن السلمي كما ذكر في كثير من مقدمة تفسيره قال: «كان الذين يقرؤون القرآن كانوا لا يجاوزون عشر الآيات حتى يعملوا بها». قال: «فتعلمنا العلم والعمل». وعبد الله بن مسعود قال: «كنا لا نتجاوز عشر آيات من القرآن حتى نعمل بها». عبد الله بن عمر حفظ سورة البقرة قيل في أربع سنين أو أكثر. واليوم تحفظ سورة البقرة في شهر، كبير هذا يمكن، شهر أو أسبوع، أسبوع تحفظ سورة البقرة. كيف يقول شخص: ابن عمر حفظ البقرة في أربع سنين؟ حفظ البقرة علما وعملا، علم وعمل. ما يجاوزون العشر الآيات حتى يعملوا بها، عشر آيات عمل، عشر آيات، عشر آيات، عشر آيات، عشر آيات. فجمعوا بين العلم والعمل، فهذا كان السلف الصالح. فهنا الناظم رحمه الله تعالى يوصي ابنه، وهي وصية عامة للأمة بهذه الوصايا العظيمة: استعداد للسؤال عن هذا العلم، وصية ثانية: العمل بالعلم. الوصية الثالثة: خشية الله جل وعلا وتقوى الله سبحانه وتعالى. فرأس العلم تقوى الله حقا، وليس بأن يقال: لقد رؤست. لأن حقيقة العلم الخشية، إنما يخشى الله من عباده العلماء. فالعلم الذي لا يورث الخشية ولا يورث العمل هذا وبال على صاحبه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والقرآن حجة لك أو حجة عليك». أي شيء الفائدة من إقامة حروف القرآن وعدم إقامة حدوده؟ قد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أقواما يأتون يقرؤون القرآن يتعجلونه، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه، يقيمون حروفه ويضيعون حدوده. الحروف ما شاء الله من التجويد بالتجويد وبالمخارج، الذي من الأنف من الأنف، والذي من الأسفل من الأسفل، والحروف الحلقية ما شاء الله. تجد بعضهم يتكلف حتى هكذا يفعل لإخراج الحروف، وهذا تكلف ومطلوب التجويد قراءة القرآن، لكن لا إفراط ولا تفريط، لا يتكلف فيه. فالشاهد من هذا قال: «يقيمون حروفه ويضيعون حدوده». الحدود مهمة، الحدود مهمة. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا، يقرأها بالتجويد قراءة يقرؤها، وربما يعمل بالربا. إيش الفائدة؟ إيش الفائدة؟ قرأ الآية قراءة صحيحة بحروفها، جزاه الله خيرا، لكن أين العمل؟ غض البصر إلى آخر ذلك. فال، الواجب على الإنسان أن يحرص على العمل بالعلم، وأن يعلم أنه مسؤول يوم القيامة عن هذا العلم إذا لم يعمل به، ويبتغي به وجه الله سبحانه وتعالى. وهكذا يجعل هذا العلم يورثه الخشية، تقوى الله سبحانه وتعالى، ولا يدع به حضا زائلا، ولا مطمعا جنيويا، ولا غير ذلك من هذه الأمور. وإلا كان حجة عليه. والقرآن حجة لك أو حجة عليك. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لما يحب ويرضى. صلى الله عليه وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.