الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 40، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
هاجر جعفر بن أبي طالب ومجموعة من الصحابة إلى الحبشة هربًا من الأذى، فأرسلت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدايا للنجاشي لاستعادتهم. رفض النجاشي تسليمهم قبل أن يستمع لحجتهم.
رفض جعفر وأصحابه السجود للنجاشي وحيّوه بتحية السلام، ثم بينوا أن دينهم الإسلام القائم على توحيد الله وعبادته وحدها. شهد النجاشي بأن هذا الوحي مطابق لما جاء به عيسى عليه السلام.
أظهر النجاشي تمسكه بعقيدة التوحيد رافضًا قول عظماء الحبشة بأن عيسى ابن الله، مؤكدًا أنه مخلوق كغيره. توفي عمه موتة سريعة ثم استعاد النجاشي ملكه بعد أن باعه عمه لتاجر ومات العم قبل إتمام الصفقة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال العلامة الذهبي رحمه الله: قال موسى، وخرج جعفر بن أبي طالب. قال موسى بن عقبة صاحب المغازي: وخرج جعفر بن أبي طالب وأصحابه فرارًا بدينهم من الحبشة. فبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة، وأمروهما أن يسرعا ففعلا. والظاهر أن هذا الخروج - على كلام عروة والزهري وموسى بن عقبة - هو الخروج الثاني. فأول ما خرج، وأول من هاجر، هو عثمان بن عفان، وعثمان بن مظعون، وجماعة ممن ذكرهم ابن إسحاق، وكذلك ذكرهم عروة بن الزبير. وذلك لما سمعوا أن قريشًا أسلمت، فرجع بعضهم، وبعضهم بقي هناك. ثم لما رأوا أن الأذى اشتد عليهم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا مرة أخرى إلى الحبشة. فخرج في هذه المرة جعفر بن أبي طالب مع زوجته أسماء بنت عميس، ومعهم جماعة كبيرة. فبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة. وسيأتي في حديث مسلمة أن الذي بعث مع عمرو بن العاص هو عبد الله بن المغيرة المخزومي، وليس عمارة بن الوليد بن المغيرة. وقال: وأمروهما أن يسرعا ففعلا. وأهدوا للنجاشي فرسًا وجبة ديباج، وأهدوا لعظماء الحبشة هدايا. فقبل النجاشي هديتهم، وأجلس عمروًا على سريره؛ لأنه كان صاحبًا له. فقال: إن في أرضكم رجالًا منا سفهاء، ليسوا على دينكم ولا ديننا، فادفعوهم إلينا. فقال: حتى أكلمهم وأعلم على أي شيء هم. فقال النجاشي لعمر بن العاص: ما أسلمهم لكم حتى أكلمهم وأعلم على أي شيء هم. فقال عمرو: هم أصحاب الرجل الذي خرج فينا، وإنهم لا يشهدون أن عيسى ابن الله، ولا يسجدون لك إذا دخلوا. فأرسل النجاشي إلى جعفر وأصحابه، فلم يسجد له ولا أصحابه، وحيوه بالسلام. ولما دخلوا على النجاشي، قال جعفر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولم يسجد. فقال عمرو: ألم نخبرك بخبر القوم؟ فقال النجاشي: حدثوني أيها الرهط، ما لكم لا تحيوني كما يحييني من أتاني من قومكم؟ وهو يريد أن يعرف ما هو السبب، ولعل النجاشي كان يعرف لكن يريد منهم. قال: كما يحييني من أتاني من قومكم، وأخبروني ما تقولون في عيسى، وما دينكم؟ قال: أنصار أنتم؟ قالوا: لا. قال: يهود أنتم؟ قالوا: لا. قال: فعلى دين قومكم؟ قالوا: لا. قال: فما دينكم؟ قالوا: الإسلام. قالوا: وما الإسلام؟ قالوا: نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا. وسيأتي في كلامي في حديث مسلمة أكثر نسقًا، وأيضًا أصح إسنادًا. قال: من جاءكم بهذا؟ قالوا: جاءنا به رجل منا، قد عرفنا وجهه ونسبه، فبعثه الله كما بعث الرسل إلى من كان قبلنا، فأمرنا بالبر والصدقة والوزنة والوفاء والأمانة، ونهانا أن نعبد الأوثان، وأمرنا أن نعبد الله، فصدقناه وعرفنا كلام الله، فعادانا قومنا وعادوه وكذبوه، وأرادونا على عبادة الأصنام، ففررنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا. إلينا فررنا إليك. وجاء في رواية مسلمة أن جعفر قال: فأمرنا نبينا أن نأتي إلى بلد، وقال: إنه لا يظلم عنده أحد. وقال النجاشي: والله إن خرج هذا الأمر إلا من المشكاة التي خرج منها أمر عيسى. أن هذا الكلام الذي تأتون به هو نفس الكلام الذي كان يدعو به عيسى عليه السلام. وقال: وأما التحية، فإن رسولنا أخبرنا... يقول جعفر: وأما التحية، فإن رسولنا أخبرنا أن تحية أهل الجنة السلام، فحييناك بها. وأما عيسى، فهو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وابن العذراء البتول. قال: فخفض النجاشي يده إلى الأرض، وأخذ عودًا، فقال: والله ما زاد ابن مريم على هذا وزن هذا العود. فهو يريد أيش؟ أنه هذا الكلام الذي هو الحق، وليس هو ابن الله، بل ما زاد على هذا العود، أي أنه مخلوق مثل هذا العود، مثل أن هذا العود مخلوق، فعيسى أيضًا مخلوق. فقال عظماء الحبشة: والله لئن سمعت هذا الحبشة لتخلين عنك. فقال: والله لا أقول في عيسى غير هذا أبدًا، وما أطاع الله الناس في حين رد إلي ملكي، فأطيع الناس في دين الله؟ معاذ الله من ذلك. أنا أقول: ما سأطيع الناس، ولا أخاف من الناس، فالله عز وجل رد ملكي ليس بحراب، ولا برشوة، ولا شيء، كما سيأتي في كلامه. وقال: كان أبو النجاشي ملك الحبشة، فمات، والنجاشي صبي، فأوصى إلى أخيه: أن إليك ملك قومك حتى يبلغ ابني. فوصاه ملك الحبشة، وصى أخاه، قال له: خذ هذا الملك حتى يكبر ابني، فأعطه إياه. قال: فإذا بلغ فله الملك. فرغب أخوه في الملك، فباع النجاشي لتاجر، وبادر بإخراجه للسفينة. وسيأتي عن عائشة رضي الله عنها قصة أخرى بمعنى تشبهها. وقال: فباع النجاشي لتاجر، وبادر بإخراجه للسفينة. والنجاشي هو لقب لملوك الحبشة، ملوك الحبشة يسمون بالنجاشي، عن لقب من الألقاب التي يسمى بها ملوك الحبشة. وأما الذي كان هذا النجاشي الذي جاءه الصحابة، والذي أسلم، فيسمى بأصحمة، كما قال، أو كما رجح ذلك النووي رحمه الله وغيره. وكذلك الإمام ابن قيم على أن هذا الملك، ملك الحبشة الذي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلم، هو يسمى أصحمة النجاشي. وقال: وبادر بإخراجه للسفينة، فأخذ الله عمه قعصًا فمات. معناه: أنه جاءته منيته في ذلك الوقت، قبل أن يرحل التاجر بالنجاشي، بأصحمة. فأخذ عمه قعصًا، قعصًا: موتًا سريعًا. وقيل: أنه سقط على عود، أو سقط عود فيه. فجاءت الحبشة بالتاجر، وأخذوا النجاشي، فملكوه. وزعموا أن التاجر