التعليق على منظومة التائية 5

الدرس في التعليق على منظومة التائية 5، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أهمية لباس التقوى والإحسان في حياة المتعلم

يناقش أهمية لباس التقوى والإحسان في حياة المتعلم ودور الأخلاق في رغبة الناس في العلم. يحذر من أن العلم بدون عمل يعتبر نقصا وضررا.

خطورة العلم غير النافع ووجوب الانتفاع بالعلم

يُناقش أهمية الانتفاع بالعلم والعمل به ويحذر من خطورة العلم الذي لا ينفع صاحبه. يبين أن العالم الذي لا يعمل بعلمه قد يكون أسوأ من الجاهل.

مكانة العلماء وهيبتهم في المجتمع

العلماء يحظون بمكانة وهيبة في نفوس الناس بسبب علمهم، بينما الجاهل يبقى صغيرا في نظر الناس. يظهر أثر العلم في حياة الإنسان بعد حين وقد يندم من لم يحرص على طلبه.

أهمية الجد والاجتهاد في تحقيق الأهداف

يشدد على أهمية الاجتهاد وعدم التثاقل في تحقيق الأهداف. يبين أن البطء يحول دون تحقيق المراد بينما الاجتهاد يؤدي إلى النجاح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإلبيري الأندلسي رحمه الله تعالى في منظومته التائية: قالوا أفضل ثوبك الإحسان، لكن نرى ثوب الإساءة قد لبست، إذا ما لم يفدك العلم خيرا فخير منه أن لو قد جهلت. وإن ألقاك فهمك في مهاو فليتك ثم ليتك ما فهمت. ستجني من ثمار العجل جهلا، وتصغر في العيون إذا كبرت. وتفقد إن جهلت وأنت باقد، وتوجد إن علمت ولو فقدت. وتذكر قولتي لك بعد حين، إذا حقا بها يوما عملت. وإن أهملتها ونبت نصحا، وملت إلى حطام قد جمعت. فسوف تعض من ندم عليها، وما تغني الندامة إن ندنت. إذا أبصرت صحبك في سماء قد ارتفعوا عليك، وقد سفلت. فراجعها ودع عنك الهوين، فما بالبطء تدرك ما طلبت. ذكر رحمه تعالى في هذه الأبيات هذه الوصايا العظيمة وهذه النصائح التي وجهها رحمه الله تعالى. ومن هذه النصائح وهذه الوصايا أن يتجمل الإنسان بلباس الإحسان، وأن يجعل ثوبه ولباسه الإحسان، فيلبس لباس الإحسان وهو لباس التقوى الذي هو خير لباس، كما قال جل وعلا: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾. فالإنسان عليه أن يلبس لباس من التقى، لأن الإنسان إذا لم يلبس لباس الإحسان ولباس التقوى ففي حقيقة أمره هو عريان. هذه الحقيقة، من ليس لباسه الإحسان والتقوى فليس عليه لباس حقيقة؛ لأن هذا هو اللباس الحقيقي، لباس الإحسان ولباس التقوى. ولذلك قال القائل: إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى تقلد عريانا وإن كان كاسيا. وخير لباس المرء طاعة ربه، ولا خير في من كان لله عاصيا. فالإنسان إذا لم يلبس لباس التقوى ولباس الإحسان ففي حقيقة أمره هو عريان. وأنت يا صاحب العلم قد حملت العلم في قلبك، فعليك أن تظهر هذا العلم الذي حملته في قلبك على جوارحك، في معاملتك، في أخلاقك، في أدابك، في سيرك، في مشيك، في معاملتك. هذا هو اللباس، تظهر هذا اللباس الذي هو لباس العلم الذي حملته في قلبك. لا تجعل لباسك الإساءة وكذلك العصيان وغير ذلك، فأنت تضر بالعلم وتهين العلم الذي حملته، ويزهد الناس في العلم والسبب أنت. كثير من الناس قد يزهد في العلم بسببك؛ لأنهم يرونك متعلما، عندك من العلم يتكلم الناس في العلم، تكلمت أنت في العلم، هذا حلال وهذا حرام، والآيات والأحاديث والأقوال والآثار والشواهد في اللغة وفي كذا، ولكن يرون الناس أخلاقك تخالف ما تدعو إليه وما حملت في قلبك. هذا الناس العلم، وليش الفائدة من العلم؟ عندنا مثال وعندنا أنموذج، هذا هو فلان من فلان، ربما يشار إليه بالبنان وأنه عنده علم كذا وأنه عندهم العلم كذا، هذه أخلاقه سيئة وأفعال سيئة. ولذلك قال بعض السلف: «إنما زهد الناس في العلم لأنهم رأوا من العالم عدم العمل به». إذا رأى الناس عدم العمل بالعلم من العالم زهدوا في العلم، زهدوا في العلم. لكن إذا رأى الناس المتعلمين وأهل العلم على أخلاق وعلى معاملة طيبة وعلى تقوى، لا يكذبون، لا يغشون، لا يتحايلون، لا يفعلون هذه الأمور التي يستحيا من فعلها، فهذا فيه دعوة للناس، الناس يرغبون أن يكونوا مثل فلان ومثل فلان المتعلم؛ لأنهم يرونه قد استفاد من العلم وأراهم الثمار التي حصلها من العلم واقعا أمامهم، يرونها. فلذلك يقبل الناس على العلم. أما إذا رأى الناس أن هؤلاء الذين هم يطلبون العلم وعندهم العلم قد لبسوا لباس الإساءة في أقوالهم وفعالهم ومعاملاتهم، فيزهد الناس في العلم. فهذه وصية عظيمة من هذا العالم رحمه الله تعالى، فيوصي بأن يلبس الإنسان لباس التقوى، لباس التقوى وتزين به، ولا يلبس لباس الإساءة. ثم ذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك أن العلم إذا لم يفد صاحبه خيرا فخيرا منه أن لو قد جهل. الإنسان إذا لم يستفد من علمه ولم ينتفع بعلمه فخيرا له لو كان جاهلا؛ لأن العلم حج عليه، العلم حج عليه. وليس معناها أن الإنسان يبقى جاهلا ولا يطلب العلم، لا، ولكن المراد للإنسان يطلب العلم وينتفع به ويستفيد من علمه الذي تعلمه. وإنما هذه مقارنة بين من كان عنده علم ولم يعمل به، ومن كان جاهلا. فالجاهل يصير أفضل من هذا، الجاهل أفضل من العالم الذي لا يعمل بعلمه والذي لم يستفد من علمه؛ لأن الجاهل إذا عوق يوم القيامة عاقبه الله جل وعلا على تقصيره وتفريطه، لكن ليس هو أول من تسعر به النار يوم القيامة، ليس هو أول من تسعر به النار يوم القيامة. الجاهل لا، وإنما أول من تسعر به النار يوم القيامة منهم العالم. ما هو الجاهل؟ الجاهل إذا كان مفرطا مقصرا فهو آثم، والعالم إثمه أعظم ووعيده أشد وعقوبته كذلك أعظم من عقوبة الجاهل. ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله جل وعلا من علم لا ينفع، كان يستعيذ من أربع: من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع، ومن قلب لا يخشع. تكرر أربعا عليه الصلاة والسلام استعاذ بالله جل وعلا منها، ومنها العلم الذي لا ينفع؛ لأن العلم إذا لم ينفع صاحبه وإذا لم يستفد صاحبه منه كان وبالا عليه. وذكر رحمه تعالى بقوله: وإن ألقاك فهمك في مهاو فليتك ثم ليتك ما فهمت. يعني إذا كان العلم أفادك هذه التبعات التي تلحقك، صرت إماما في الضلالة والعياذ بالله، إماما تهدي إلى النار، الذين حذر الله جل وعلا منهم، الذين هم يهدون الناس إلى النار، أو صرت كذلك عالما عندك علم لكن كنت سببا في القتال بين أهل الإسلام وبث الفتن وغير ذلك، صرت مفتاحا للشر بسبب ما عندك من هذا العلم الذي لم تنتفع به ولم تستفد منه؛ لأنه ألقاك في هذه المهاو. أو طلبت بهذا العلم المال والجاه والمنصب، كعلماء الدنار والدرهم الذين شابهوا أحبار اليهود الذين طلبوا بالعلم الدنيا والمال، يضحكون على الناس، يأكلون أموال الناس بالباطل بما يبثونه من الخرافات وغير ذلك. وهذا حاصل كذلك في أناس هم علماء في أنظار الناس، وقال لهم علماء العالم الفلاني والعالم الفلاني، لكنهم علماء ضلال، علماء ضلال وأئمة، لكن أئمة مضلين. ويخشى منهم، وإنما يخشى من الأئمة المضلين الذين ضلوا الناس بهذا العلم الذي علموه المخالف لكتاب الله ولسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فألقاهم في هذه المهاوي، فيتحملون أوزار من يدعون بغير علم، ومن يتبعونهم بغير علم، فهم يحملون أوزارهم وأوزار الذين يتبعونهم بغير علم. لأن كثيرا من الجهال من جهال المسلمين يغترون بهم ويظنونهم علماء؛ لأنهم يحفظون من كتاب الله، عندهم آيات يحفظونها، وعندهم أحاديث وعندهم أقوال: قال الشافعي، وقال أحمد، وقال... ويدعون الناس إلى البدع وإلى المحدثات وإلى الشركيات وغير ذلك. فهؤلاء ألقاهم علمهم في مهالك وفي مهاون، فهؤلاء ليتهم جهلوا، ثم ليتهم جهلوا، ليتهم كانوا جهالا، لو كانوا جهالا نسلم. هؤلاء الناس آلاف من الناس ضلوا بسببهم، وذهبوا إلى أصحاب القبور ويدعونها بسببهم، ويحدثون في دين الله جل وعلا بسببهم. أهل الخير يدعونهم من هذه الجهة إلى التمسك بالكتاب والسنة وترك البدع والشركيات ومحدثات، وهم يقولون: ما عليكم منهم، ما عليكم من هؤلاء، هؤلاء كذا وهؤلاء كذا وهؤلاء كذا، يزينون لهم الشرك والبدع والمحدثات، فأضلوا كثيرا من الناس والعياذ بالله؛ لأنهم يفتونهم بغير علم، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يقبض الله العلم انتزاعا انتزاعا من صدور الرجال، لكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». ثم بين رحمه الله تعالى خطورة عدم العلم، وعدم العمل بالعلم، وعدم الانتفاع بالعلم، وأن صاحبه سيجني من هذا ثمار العجز والعياذ بالله، وأعظم من هذا عذاب الله جل وعلا، وربما العقوبات العاجلة في الدنيا قبل الآخرة. وإذا لم يتعلم صار صغيرا، صار صغيرا بسبب عدم العلم؛ فالرفع هو الشرف، إنما هو بالعلم. والكبير بالعلم، الكبير بالعلم، ليس الكبير بالمال، وليس الكبير بالجسد، وليس الكبير بكذا وكذا أبدا. الكبير في أنظار الناس هو صاحب العلم، هذا الذي يكبر في نفوس الناس، وإن كان أفقر الناس، وإن كان أفقر الناس، لكنه كبير بعلمه في نفوس الناس؛ لأن الله جل وعلا يجعل له من المحبة والقبول في نفوس الناس والمهابة. فأهل العلم أهل هيبة، يجعل الله جل وعلا لهم في نفوس الناس الهيبة. هذا الإمام مالك رحمه الله تعالى ذكر عنه أنهم لا يستطيعون أن ينظروا إليه لهيبته، لهيبته. وإذا تكلم نكسوا أذقانهم هيبة. فالعلم لهم هيبة، وهذه ظاهرة بحمد الله واضحة. انظروا العالم هيبة يهابه الناس، إذا مر في مكان هابه الناس. بقي ابن مخلد رحمه الله لما جاء إلى الإمام محمد لطلب العلم، وقد شق الطرق وسار من مسافات بعيدة، ولكن جاء في وقت المحنة، والإمام محمد قد امتحن بظهور القول بخلق القرآن، فصارت محنة عظيمة. الإمام محمد ضيق عليه، بقي ابن مخلد جاء ليطلب العلم من الإمام محمد، فكان يأتي كل يوم يأخذ حديثا من الإمام محمد في السر، يأتي على أنه سائل، هذه طريقة اختارها بقي ابن مخلد حتى يدخل على الإمام محمد؛ لأنه منع من التدريس ومنع من حضور مجالس الناس لطلب العلم. فلما قال للإمام محمد: أنا قد أتيت من هذه الأماكن البعيدة، فذكر الإمام محمد طريقة، قال: آتيك كل يوم بزي السؤال -يعني ألبس لباس السؤال الذين يسألون- وأقول: لله لله يا مسلمين، لله -يعني أطلب- وأنت تعطيني حديثا وأذهب كل يوم هكذا. فاستمر على هذا، استمر على هذا وجمع أحاديث كثيرة. ولما انتهت المحنة فرجع الإمام محمد يحدث الناس ويجلس المجالس، فكان يسأل عن هذا بقي ابن مخلد، وهو كان قد سكن فندقا، بقي ابن مخلد رحمه الله سكن فندقا يسكن فيه، فسأل عنه الإمام محمد، فقيل له: مريض. فذهب الإمام محمد إلى الفندق يسأل عنه وليزوره. فلما دخل الفندق حصلت حركة عجيبة، الناس تحركوا من هنا ومن هناك، يشهدون، قالوا: هذا إمام أهل السنة الإمام محمد رحمه الله. السوق تغيرت حركتها، كما يقال: استنفار. هيبة هل العالم الإمام؟ لو زار بلدا لما قدم الشام، لما قدم بغداد، ضجت بغداد، كانت عاصمة الخلافة العباسية، حتى قالت زوجة هارون الرشيد رحمه الله ورحمها الله: ما هذه اليوم حركة عجيبة؟ كان فيه شيء. فقال لها هارون الرشيد: نعم، هذا الإمام الأوزاعي إمام أهل الشام قدم بغداد. فقالت: هذا الملك لا ملككم، هذا الملك لا ملككم. من أخرج هؤلاء؟ ما أخرجهم الشرط، ولا أخرجوا بإعلانات، ولا أخرجوا بكذا، وإنما عالم قدم، العالم خرج هيبة ومكانة جعلها الله جل وعلا في نفوس الناس للعلماء، فيكبر في نفوس الناس. وأما إذا كان جاهلا صغرا، ولو كان أكثر الناس مالا وجاها وحسبا ونسبا، لكن ما دام أنه جاهل فهو صغير. ثم ذكر بعد ذلك أنه سيدكر هذا الكلام وهذه النصائح بعد حين، قد لا يرى هذا الذي قاله ونصحه به الآن، لكن في الغد سيرى هذه النصائح في محلها إذا عمل بها. وأيضا إذا خالف سيرى ثمار المخالفة، إذا نبذ نصحا ولم يأخذ بهذه النصائح والوصايا، وسيندم عليها في وقت لا ينفع الندم، حين يرى أصحابه قد علوا عليه وصاروا في سماء -يعني فعلوا كما قال- ذلك الأنصار عن ابن عباس: كان هذا الفتى أعقل مني؛ لأنه في وقت قال: تعالوا نطلب العلم، قال الناس: يرجعون إليه، فيهم أبو بكر وعمر... لكن ما أدرك هذا، لكن متى أدركه؟ بعد لما طار الناس يقولون: على ابن عباس هذا. فالحاصل: كان أعقل مني. حين يرى من صحبه وكان معه صغيرا لما طلب العلم، رأى بعد ذلك بعد وقت. الإنسان قد لا يرى ذلك في أول أمر، لكن يظهر ذلك بعد حين، فيندم ولا ينفع الندم. حين يرى من كان من أقرانه ومن كان في صفه ومن كان من زملائه قد كانت له المكانة لحرصه وجد واجتهاده، وهو تأخر عن هذا، فيندم في ذلك. فراجعه في آخر الأمر، وحثه على أن يراجع نفسه وأن يدع عنه الهوينة والسير البطيء والتثاقل؛ لأن الإنسان إذا كان بطيئا لا يدرك ما أراد، وإنما من جد وجد، من زرع حصد. والإنسان يجتهد ويحرص. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.