الدرس في التودد، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المقطع مفهوم التودد في الإسلام كطلب مودة الأخيار والتقارب معهم محبة في الله، مستدلاً بآيات وأحاديث تبيّن ثمرته في نشر المحبة والقبول. ويؤكد أن التودد أساس لاستقرار الحياة الزوجية والأسرية، وأن من صفات من تحرم عليهم النار الهُوادة واللين والتقريب من الناس.
يشدد المقطع على أن التحلي بالأخلاق الحسنة والتغافل عن زلات الإخوان من أعظم أسباب دخول القلوب وتقوية المودة، مستشهداً بأحاديث في تواد المؤمنين وتراحمهم. ويبين أن التغافل أساس لاستمرار العشرة والمودة، ونهي عن كراهية المؤمنة لخلل فيها.
يستعرض المتحدث وسائل عملية لتعزيز التواد منها طلاقة الوجه وتجنب الثقل على الناس وتفريج الكربات والزيارات المستمرة. ويستدل بأحاديث تؤكد أن أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال سرور تدخله على قلب مسلم.
يختتم المتحدث بدعاء يطلب فيه النفع بالقول والسمع، والهداية لأحسن القول، وصلاح الأحوال وتأليف القلوب وطرد الشيطان. ويختم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الأحبة في الله، مواصلة لهذه المجالس التي نتحدث فيها حول مدرسة الأخلاق وجميل الصفات والعادات التي دعانا إليها ديننا الإسلامي الحنيف، يحبها ربنا تبارك وتعالى، وهكذا أيضاً يحبها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي تعتبر جمالاً لهذا الدين. فنبينا صلى الله عليه وسلم هو القائل: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وكم حصل انتشار لهذا الدين وقبول لهذا الإسلام في أنحاء الدنيا وأصقاع المعمورة بسبب هذا التعامل الحسن وهذا الخلق النبيل الذي عليه أهل الإسلام، الذي عليه أهل الإسلام. أيها الأحبة في الله، حديثنا في هذا المجلس المبارك إن شاء الله عز وجل حول خلق عظيم نحن أحوج ما نكون إليه. وإذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر الذي نعيشه لربما نرى ضعفاً في هذا الجانب وخللاً في هذا السلوك الذي ينبغي أن يكون موجوداً في أوساطنا. حديثنا أيها الأحبة في الله حول خلق يسمى التودد، يسمى التودد. والتودد مأخوذ من المودة، وهي المحبة، وهي المحبة. وقد عرف أهل العلم التودد بأنه طلب مودة الأكفاء، طلب مودة الأكفاء بما يوجب ذلك، يحرص الإنسان على أن يحصل بينه وبين غيره من الأخيار من الأفاضل من الطيبين شيء من التقارب، وهذا التقارب سببه التحاب في الله عز وجل ومن أجله سبحانه وتعالى. وإذا نظرنا إلى آيات القرآن وأحاديث السنة وجدنا فيها الحث على ذلك والترغيب في ذلك. فمن هذا قول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. فهذا يتضمن التواد بين المسلمين والتقارب فيما بينهم، حتى مع وجود بعض الاختلافات في السلوك وفي الطباع، ومع وجود شيء من المشاكل لربما الأهلية أو الاجتماعية أو غيرها من الأمور. أيضاً ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾. قال الإمام مجاهد بن جبر رحمه الله تعالى: «سيجعل لهم الرحمن وداً»، قال: أي يحبهم ويحببهم من المؤمنين، ويحببهم من المؤمنين. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى إذا أحب شخصاً نادى في جبريل: يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه، قال فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: أن الله يحب فلاناً فأحبوه، قال فيحبه أهل السماء، فيوضع له القبول في الأرض، فيوضع له القبول في الأرض». خارج الصحيحين تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾. وهكذا قوله عز وجل فيما يتعلق ببناء الأسر والعلاقة الزوجية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾، قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. وجعل بينكم مودة، تجد كل من الزوجين يتودد إلى الآخر ويتقرب إلى الآخر بما يحبه، بهذا يستقيم أو تدوم العلاقة الزوجية ويستقيم البناء الأسري. وإذا لم يحصل التودد فعندها لربما انهار البنيان الأسري وانتهت العلاقة الزوجية. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول كما في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبركم بمن يحرم على النار وبمن تحرم النار عليه؟ قال: كل هين لين قريب سهل، كل هين لين قريب سهل». وهذه أوصاف جميلة تستدعي أن يكون الإنسان قريباً من الناس، أن يكون الإنسان قريباً من الناس في مجالستهم وملاطفتهم، وهكذا سهل في قضاء حوائجهم، وكذلك أيضاً سمح عند البيع وعند الشراء وعند الاقتضاء، وغيرها مما يتضمنه هذا الخلق العظيم الذي نحن بصدده. هؤلاء يا إخوان ممن يحرمون على النار، ومعنى ذلك أنهم يكونون في أهل الجنة. أيضاً جاء في حديث النعمان بن بشير قال عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم، في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، أي الواحد، الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». هذا هو مثل المؤمنين فيما بينهم من التعامل، فيما بينهم من التخالق وتقارب بعضهم من البعض الآخر. جاء في حديث معقل بن يسار عند الإمام أبي داود، وصححه الإمامان الألباني وشيخنا الوادعي رحمة الله عليهم، أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا الرجل: «إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد». حسب وجمال موجود لكنها لا تلد، قد يكون يعرف ذلك من خلال قريناتها، من خلال زواجها الأول، وعرف بذلك أنها امرأة لا تلد. «أفأتزوجها؟» قال: «لا»، قال: «لا». ثم أتاه مرة ثانية فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه في المرة الثالثة فقال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم، فإني مكاثر بكم الأمم». هكذا أوصى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهكذا الأحاديث كثيرة في هذا الباب. أيها الأحبة في الله، هناك بعض الأمور التي إذا حصلت حصلت المودة بين الإخوان والأصحاب والأقارب والجيران، ولهذا ينبغي مراعاة هذه الأمور كي تعظم المودة فيما بيننا. فعلى سبيل المثال مما يزيد في التواد والتحاب بين المسلمين التحلي بالأخلاق الحسنة. الإنسان الذي يكون على جانب عظيم من الأخلاق الحسنة، يا إخوان، ما أسهل دخوله إلى قلوب الناس! ما يحتاج أن يعرض نفسه على الناس، بمجرد تعاملك، بمجرد سلوكك، بمجرد أخلاقك، الله عز وجل يسهل لك الدخول إلى قلوب الناس، فتجد أن لك مكاناً في قلوبهم، أن لك مكاناً في قلوبهم. والعكس بالعكس يا إخوان، صاحب الخلق السيء، صاحب الطباع... ماذا؟ الطباع غير الطيبة، هذا الناس تنفر منه، والناس لا تجعل له مكاناً في قلوبهم. أيضاً مما يقوي التواد بين الإخوان التغافل عن الزلات، التغافل عن الزلات. فليس كل خطأ لا بد تحاسب عليه وتدقق النظر فيه، وإنما هناك خلق يا إخوان يسمى التغافل، يسمى التغافل. أخوك ليس ملكاً لا يخطئ، وليس إنساناً معصوماً، بل هو عرضة لأزلل، ومن ذا الذي ما ساء قط، ومن له الحسن فقط؟ صعب تجد صديقاً لا يخطئ. أنت تجالسه قد تخرج منه كلمة، هذه الكلمة قد تكون سيئة، لا بد من أن تتغافل شيئاً ما عن هذه الأخطاء. وليس معنى هذا ترك التناصح، لكن النصيحة قد تكون في حينها تخلق بينك وبينه نفرة وتباعد، فالإنسان يكون حكيماً في هذا الباب، حكيماً في هذا الباب. ومن أعظم التغافل يا إخوان الذي يكون بين الزوجين، لا تحاسب زوجتك على كل صغيرة وكبيرة، ما ستدوم العشرة بينك وبينها. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يرشدنا إلى ذلك فيقول: «لا يفركن مؤمن مؤمنة»، يعني لا يكرهها بسبب أن فيها كذا وكذا وكذا، قال: «إن كره منها خلقاً رضي منها آخر». قد تكون نصيبها من الجمال ليس بكثير، لكن قف فانظر وتأمل فيما عندها من خير: ودود، ولود، خدومة في البيت، متحبب إليك، تخدم أهلك، إلى غيرها من الأمور التي لربما كانت ماذا؟ معوضة ببعض النقص الموجود لديها، الموجود لديها. ولهذا يا إخوان، من عبارات الحكماء العقلاء في هذا الباب قالوا: «وجدنا أكثر أمور الدنيا لا تجوز إلا بالتغافل، لا تجوز إلا بالتغافل». وهذا يا إخوان للأسف التغافل بين الناس أصبح ضعيفاً، وأصبح من الأمور التي تسبب مشاكل أسرية ومشاكل بين... ماذا؟ الأصحاب، وبين الزملاء في العمل، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. أيضاً مما يقوي التواد بين الإخوان البشاشة وطلاقة الوجه، أن يكون الإنسان بشوشاً، لا يكون غضوباً، أن يكون ذا وجه طلق. وهذا يا إخوان من المعروف، وهذا صدقة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر: «لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق». «ابتسامتك في وجه أخيك صدقة». كم ستكلفك هذه الصدقة؟ مئة ريال، ألف، ألفين، خمسة؟ ما ستكلفك شيئاً، شيئاً يسيراً يا إخوان، شيئاً يسيراً، ألا وهو طلاقة الوجه والابتسامة والبشاشة في وجوه الآخرين. كذلكم أيضاً ما يتعلق بعدم إكثار المؤونات والتثقيل على الناس. انتبه، انتبه أن تكون ثقيلاً على الآخرين، أن تكون ثقيلاً على الآخرين. زرت شخصاً من أصحابك، أول ما تجلس: «أين الشاهي؟» أول ما تجلس: «أين الشاهي؟» قال لك: «طيب، يقوم نصلح لك شوية، ها شي شراب عندكم، شي شراب، طيب شراب نجيب لك شراب، شوية، طيب ما في بسكوت، كيك، لطف المجلس». يا أخي ثقيل! مرة أخرى ما سيفرح بقدومك، بيقول: «جاء، جاء الثقيل». فالناس بطبيعتها لا تحب الإنسان الثقيل، تنفر عنه، تنفر عنه. صاحبك حصلته في المقهى الصباح بدون فلوس، قال لك: «أطعم»، طيب، أطعم لك. أول يوم، ثاني يوم، قال: «حاسب»، طيب يحاسب لك. ثاني يوم، ثالث يوم، ماذا سيفعل؟ هل سيجلس بجانبك؟ ما سيجلس، لماذا؟ يقول: «جاء الثقيل، جاء الثقيل». الناس بطبيعتها لا تحب الثقل، ولا تحب... ماذا؟ التكليف الذي يكون بسببه الكراهية ويكون بسببه النفرة. أيضاً يا إخوان مما يزيد في التودد بين الناس تفريج الكربات. إنسان مكروب، جاء في ضيق، زوجته ستلد، قال: «يا أخي لو سمحت نريد سيارتك توصلنا إلى المستشفى». تفرج كربة عنه. في ساعة متأخرة من الليل، جاء في ضائقة مالية، قال: «لو سمحت، عشرة آلاف إلى آخر الشهر، السلم المعاش، وأعطيك ماذا؟ هذا المبلغ». وهكذا غيرها من صور تفريج الكربات. يا إخوان، كم يحصل بسببها... كم يحصل بسببها التواد! موقف يا إخوان لربما أخوك لا ينساه لك مدى الحياة، يقول: «والله هذا خدمني ذات يوم خدمة ما أنساها له، ما أنساها له». فلذلك يا إخوان: «من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة». أيضاً، أيضاً يا إخوان الزيارات، يحصل بسببها... يحصل بسببها التواد. التواصل بين الإخوان بالاتصال، بالرسائل، بغيرها من صور التواصل، فيحصل بسببها شيء من التواد وشيء من المحبة فيما بينهم. وهكذا أيضاً ما يتعلق بإدخال السرور عليهم. وقد مر معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر عند الطبراني، وصححه الإمام الألباني، سئل: «أي المسلمين أفضل؟ أو أي المسلمين خير؟ وأي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟» فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله عز وجل أنفعهم للناس، أنفعهم للناس». إذا من أحب الناس إلى الله عز وجل... قال: «وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور، سرور تدخله على قلب مسلم». كيف تدخل السرور على قلب المسلم؟ قد يكون بكلمة طيبة، قد يكون بزيارة، قد يكون بهدية، بجائزة، إلى غيرها مما يحصل بسببه إدخال السرور على قلوب الآخرين. أيها الأحبة في الله، الأمور كثيرة التي يحصل بسببها التواد وجلب المحبة بين الإخوان، لكن أحببنا أن نذكر بعض الإشارات التي لربما كانت تنبيهاً للغافل وتذكيراً للناس، وأيضاً إرشاداً للجاهل حول أهمية هذا الخلق الذي كما سبق لربما كان ضعيفاً، لربما كان ضعيفاً في تعاملاتنا وهكذا حياتنا اليومية. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن ينفعني وإياكم بما نقول أو نسمع، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يؤلف بين قلوبنا، وأن يطرد الشيطان من بيننا، وأن لا يجعل له محلاً ولا مكاناً فيما بيننا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
| التودد - الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة | ||
| خلق التودد - منوع |