الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 75، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يوضح المقطع أن الشرك في العبادة هو النوع الثاني من الشرك، وهو أخف أنواع الشرك أمراً لكن أسهلها وقوعاً. ويبين أن الرياء يبطل العمل ويورث صاحبه التعب في الدنيا والعذاب في الآخرة مستدلاً بآيات وأحاديث تحذر منه.
يروي المقطع قصة أسامة بن زيد الذي قتل رجلاً نطق بالشهادتين فعاتبه النبي صلى الله عليه وسلم محذراً من الحكم على النيات. ثم يستعرض حديث الثلاثة الذين يسعر بهم جهنم أولهم العالم والمجاهد والمتصدق الذين عملوا لغير الله.
يوضح المقطع تقسيم ابن القيم للشرك في العبادة إلى قسمين: مغفور وهو الشرك الأصغر، وغير مغفور وهو الشرك الأكبر. ويبين أن الشرك الأكبر لا يغفر لصاحبه إن مات عليه مستدلاً بآيات تبين ظلم من يسوي المخلوق بالخالق.
يدعو المتحدث الله أن يحفظ عليه دينه وأن يتوفاه مسلماً وعلى التوحيد والإيمان مستعيذاً من أعمال المشركين. ويختتم المحاضرة بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، فآخر ما تكلمنا عنه في "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي" لشيخ الإسلام ابن القيم، بسم الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. كان الكلام حول فصل يتعلق بالنوع الثاني من أنواع الشرك، ألا وهو الشرك في العبادة. وذكر رحمه الله تعالى أن هذا النوع يعتبر أخف هذه الأنواع أمراً، وهكذا أيضاً يعتبر أسهل من حيث الوقوع فيه. وهكذا أيضاً ذكر أنه قد يقع ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، ويعتقد أنه لا يضر ولا ينفع ويعطي ويمنع إلا الله، إلى غير ذلك مما يجب أن نعتقده في الله عز وجل، لكن مع هذا كله فإنه يصرف من العبادة ما يصرف لغير الله تبارك وتعالى. وربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. فكما أنه لا إله واحد، لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده تبارك وتعالى. كما تفرد بالإلهية يجب أن يُفرد بالعبودية، يجب أن يُفرد بالعبودية. وذكر رحمه الله تعالى خطورة الرياء في العمل، وأن الرياء وهو تحسين وتزيين العبادة لما يرى من نظر الناس إليه، هذا الأصل أنه شرك أصغر. النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، فسئل عنه فقال: «الرياء». والرياء إذا استمر معه صاحبه فإنه يبطل ويفسد هذه العبادة. والمرائي يتعب نفسه في الدنيا فلا ينال من وراء هذا العمل ثواباً ولا أجراً، وإنما ينال عقوبة وإثماً عند الله تبارك وتعالى. زد على ذلكم ما ينتظره في الآخرة إذا لم يغفر الله عز وجل له ذلك. فالشرك الأصغر: من أهل العلم من ذهب إلى أنه إذا مات صاحبه ولم يتب إلى الله منه فإنه تحت مشيئة الله عز وجل، وبهذا يقول كثير من أهل العلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وحمل ذلك على الشرك الأكبر، قال: ويغفر ما دون ذلك، أي دون الأكبر، لمن يشاء. ومن أهل العلم من يدخل في هذه الآية نوع الشرك الأكبر وهكذا الأصغر، وأنهما لا يغفران لمن مات ولم يتب إلى الله عز وجل، ويغفر ما دون ذلك، أي ما دون الشرك بنوعيه أصغر وأكبر، لمن يشاء، أي من خلقه وعبيده. وعلى كل هذا يدل على خطورة الشرك بنوعيه، الشرك بنوعيه. وذكر رحمه الله تعالى تتمة لهذا الموضوع، وهذا النوع من أنواع الشرك، وأن المرائي لا يتحصل بعمله إلا التعب في الدنيا والعذاب في الآخرة. قال رحمه الله تعالى: «قال: وإن كان أي العمل في إنفاق مال وإطعام طعام فقد عذب نفسه وغيره ممن يتولى له عمل ذلك وإصلاحه، أولا يخسر من الأموال ما يخسر، وهكذا يتعب نفسه ويعذبها بقيامها بهذا العمل ولا يترتب على ذلك من الأجر والثواب والنفع شيء، وهكذا يتعب معه غيره ممن يتولى له ذلك العمل وإصلاحه». قال: «وإن كان...» وقد مر معنا يا إخوان كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم أن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: الأول عالم، وفي بعضها قارئ للقرآن، والثاني مجاهد ومقاتل، وهكذا الثالث منفق، ينفق الأموال في سبيل الله عز وجل. لكن هؤلاء لما كانت أعمالهم ليست لله عز وجل وإنما رياء وسمعة إلى غير ذلك، كانوا من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، نسأل الله العافية والسلامة. قال: «وإن كان في علم...» وإن كان في علم، أي العمل والعبادة التي دخلها الرياء كان طلباً للعلم وتعليماً للناس، قال: «فقد أسهر ليله ونهاره في مراد هوى نفسه، وفي طلب محامد الناس له، أي أن يحمده الناس، يُشار له بالبنان، ويطلق عليه الألقاب والأوسمة وغير ذلك، أو في نيل رئاسة أو دنيا ينالها بالعلم». وهذا يا إخوان من أخطر ما يكون على طالبي العلم، وعلى العالم، إذا فقد الإخلاص لله عز وجل وأصبح العلم ينال به عرضاً من أعراض هذه الدنيا، ويريد أن ينال مصلحة منها، فانظروا كيف ينقلب الحال، وماذا يكون صاحبه: مذموماً في الدنيا، وهكذا معذباً في الآخرة. «وعالم بعلمه لم يعمل معذب من قبل عبادي الوثن» من قبل عبادي الوثن. وحسن بعض أهل العلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من طلب علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد رائحة الجنة، لم يجد رائحة الجنة». والحديث من طريق فليح بن سليمان، وقبل بعضهم حديثه ورده آخرون. قال رحمه الله تعالى: «قال: وهذا الباب واسع جداً قد ابتلي به أكثر الخلق علماً وعملاً، قال: فيدخل الرياء عليهم في مآكلهم وملابسهم ومساكنهم ومراكبهم ومداخلهم ومخارجهم وأمورهم كلها، يدخل الرياء في جميع ذلك، حتى في ثوب يلبسه يريد بذلك شهرة وتميزاً على الآخرين، ثناءً من الناس عليه، إلى غير ذلك من المركوبات والمساكن والمآكل وغيرها من الأمور». قال رحمه الله تعالى: «قال: فليتق العبد ربه وليخلص أعماله وأقواله له»، أي لله عز وجل. والإخلاص كما سبق يا إخوان أمره عظيم جداً، وهو سر بين العبد وربه عز وجل، سر بين العبد وربه عز وجل لا يطلع عليه أحد، لا يطلع عليه أحد إلا الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. ولهذا في قصة ذلكم المشرك الذي كان يفتك في المسلمين فتكاً، فلحقه أسامة بن زيد ورجل من الأنصار، لحق ذلكم المشرك، فلما علواه بالسيف، علواه بالسيف، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. قال أسامة بن زيد: فأما صاحبي الأنصاري فأمسك، أي لم يضربه، قال: وأما أنا فضربته، أي قتلته. فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك عاتب أسامة، أسامة، فقال له: «يا أسامة، أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟» قال أسامة: يا رسول الله، إنما قالها متعوذاً. ما معنى متعوذاً؟ إنما قالها متعوذاً، خائفاً من السيف والقتل، إنما قالها يريد أن ينجو من القتل متعوذاً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أشققت عن قلبه؟ كيف عرفت أهو مخلص أم غير مخلص؟ هل كشفت عن قلبه؟» وما زال يعاتب أسامة، حتى قال: «ماذا تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة؟» تمنى أسامة أنه لم يسلم إلا في ذلك اليوم، بشدة هذا الأمر. قل لهذا يا إخوان: لا نتدخل في نوايا الناس، لا نتدخل في نوايا الناس، نقول: والله هذا يتصنع ويرائي، هذا يريد سمعة، إلى غير ذلك. فلنا ما ظهر، كما جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه: «أن الناس كانوا يؤخذون بالوحي، وأما بعد انقطاع الوحي... قال: من أظهر لنا خيراً أمناه، من أظهر لنا خيراً أمناه»، إلى آخر ما ذكره رضي الله تعالى عنه. قال رحمه الله تعالى: «قال: وأما... قال: وليخلص أعماله وأقواله له»، أي لله عز وجل، أي لله عز وجل. «قال: وأما عذاب المرائي في الآخرة...» هذا الذي سبق، عذاب للمرائي في الدنيا يتعب نفسه عاملة ناصبة تصل ناراً حامية. «قال: وأما عذاب المرائي في الآخرة ودخوله النار، دخوله النار بالرياء، قال: ففي الصحيح من حديث أبي هريرة...» ما اسم أبي هريرة يا خان؟ محمد بن زكي، طيب، أحسنت. أين يحيى أبو زكريا في الشهري؟ طيب، أحسنت يا أبا صالح، أأنت معنا؟ نعم، سمعت السؤال، فما هو الجواب؟ هذا أشهر ما قيل في اسمه واسم أبيه: أنه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، أي من قبيلة الدوس اليمانية، أي نسبة إلى اليمن، وإلا فقد اختلف العلماء في اسمه وفي اسم أبيه على نحو ثلاثين قولاً، ذكر كثيراً منها الإمام أبو عبد الله الحاكم النيسابوري في كتابه "معرفة علوم الحديث"، وهكذا ذكر غيره. قال: «وهو حافظ الصحابة، والمكثيرون في رواية الأثر...» من يأتي بها؟ تفضل يا بذرعا، أحسنت. هؤلاء سبعة ممن رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم فوق الألف، يعني رووا أحاديث كثيرة، في مقدمتهم الحافظ أبو هريرة. والمكثيرون في رواية الأثر: أبو هريرة، يليه ابن عمر، وأنس، أي ابن مالك، والحبر، أي ابن عباس، وأنس، والحبر، والخدري، أي أبو سعيد الخدري، وجابر، أي ابن عبد الله، وزوجة النبي، يعني بها أم عبد الله عائشة، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قال: «ففي الصحيح من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الصحيح، أي في صحيح مسلم رحمه الله تعالى، قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم في الثلاثة الذين هم أول خلق الله تسعر بهم جهنم يوم القيامة، فذكر العالم والمجاهد في سبيل الله والمتصدق، كما سبق معنا قريباً. قال: وإنه ليقال لكل واحد منهم إذا ذكر عمله وأنه عمله ابتغاء وجه الله عز وجل: كذبت، بل أردت أن يقال فلان كذا وكذا، وقد قيل، أي في الدنيا، وقد قيل، أي في الدنيا، وإنما لكل امرئ ما نوى، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: وقد قيل، أي في الدنيا، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، حتى ألقي في النار». قال: «وفي الحديث: أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها، ويطلق القراء ويراد بهم في كثير من الأحيان طلبة العلم، طلبة العلم. وهذا الحديث عند أحمد وغيره من حديث عقبة بن عامر، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى». وهذه يا إخوان زواجر، هذه سياط ينبغي أن يتأدب بها طلاب العلم، لا يريد طالب العلم بعمله إلا وجه الله عز وجل. كم يا إخوان الشيطان حريص أن يصرف نية طالب العلم، نية طالب العلم إلى الدنيا. انظروا كيف يصبر على الجوع، ويصبر على المرض، ويصبر على الفقر، ويصبر على الغربة والكربة ومفارقة الأهل والأوطان، وغير ذلك كثير. ومع هذا إذا فسدت النية فإنه معذب في الدنيا، تعبان مرهق، وما ينتظره في الآخرة عند الله عز وجل من العذاب والخزي الشيء الكثير، نسأل الله العافية والسلامة. ولهذا أحبتي في الله: من أعظم الجهاد جهاد النية، أن تجاهد نفسك في أن تخلص في عملك وتجعل عملك لله ومن أجل الله، لا تريد به رياء ولا سمعة ولا حظاً من حظوظ هذه الدنيا. قال: «وفي حديث شداد بن أوس، وأبي بن كعب، وأبي الدرداء، المرفوع، أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أخوف ما أخاف على هذه الأمة الرياء والشهوة الخفية». شهوة خفية يا إخوان، كم كان الناس لربما يحسنون به الظن ويعتقدون فيه الخير والصلاح، بينما هو يبطن في نفسه ما الله تبارك وتعالى به عليم. وهناك في يوم القيامة، يوم تبلى السرائر، يوم تبلى السرائر، فما له من قوة ولا ناصر في ذلك اليوم. يا إخوان، كم يفضح أقوام وأشخاص كان الله يسرهم في الدنيا، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وبدا لهم سيئات ما كسبوا. هذه يا إخوان أمور ينبغي علينا نحن معاشر طلاب العلم أن نحذر منها غاية الحذر، فإن الشيطان يطلب أهل العلم وأهل الخير والصلاح أكثر من طلبه لغيرهم. تظن أن الشيطان يتعب نفسه مع الفسقة، شاربي الخمور، الذين يهرولون وراء الفواحش والمنكرات، هؤلاء في اليد، هؤلاء في الجيب، هؤلاء مضمونون عنده، لكن يريد غيرهم ممن يتعب فيهم، ممن يتعب فيهم. ولهذا لاحظوا كيف الشيطان يجتهد في أذية أهل الخير والصلاح، حتى في باب الوسوسة تجد أن كثيراً من الموسوسين قد يكونون طلاب علم وأناساً صالحين. لماذا الشيطان يجتهد ويبذل قصارى ما يملك من أجل إضعافهم وأذيتهم وانحرافهم عن الصراط المستقيم، عن الصراط المستقيم؟ لكن يا إخوان، صدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، كان ضعيفاً. طالب العلم قوي بما في قلبه من الإخلاص واليقين والتوكل والخشية والمحبة والإنابة وغيرها من الأمور العظيمة التي تجعله قوياً أمام الشيطان ومكائده ووساوسه وخطراته إلى غير ذلك. قال: «أخوف ما أخاف على هذه الأمة الرياء». انظروا خافه على أبي بكر الصديق، فكيف لا نخافه نحن على أنفسنا؟ خافه على عمر وعثمان وعلي وغيرهم من سادات هذه الأمة وخيرة أهلها، فكيف لا نخافه نحن؟ «والشهوة الخفية». وهذا رواه الطبراني وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كذلك في سلسلته الصحيحة، سلسلة الأحاديث الصحيحة. قال: «فالمرائي معذب في الدنيا والآخرة، والله سبحانه أعلم». وهذه الجمل التي قرئت في بعض الطبعات، وفي بعض النسخ لا توجد، من قوله: «وقيل المرائي معاقب، معذب في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فعذب نفسه في العمل وهو باطل»، إلى آخر هذا الذي قُرئ. «فالمرائي معذب في الدنيا والآخرة، والله سبحانه أعلم»، هذا لا يوجد في بعض الطبعات ويوجد في البعض الآخر. قال رحمه الله تعالى: «قال: وهذا الشرك، أي الشرك الذي هو في العبادة، قال: وهذا الشرك ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر». إذن ابن القيم يرجح أي القولين الذين سبق الإشارة إليهما؟ ابن القيم يرجح أي القولين يا أبا الحسن؟ أنا الشخص الذي يختبئ، أحرص على توجيه السؤال إليه، ومثلك لا يختبئ يا أبا الحسن. نعم، أي القولين يرجح؟ السؤال أي القولين يرجح، والسؤال يعود إلى ماذا؟ إلى كلام سابق، مسألة أشرنا إلى خلاف العلماء فيها: هل هو تحت المشيئة أم أنه ليس مما يكون تحت المشيئة، وإنما من مات ولم يتب منه لا بد أن يدخل النار ويعذب ثم يخرج؟ يرجح ماذا؟ أن الله لا يغفر له، هذا الذي يرجح. اقرأ العبارة مع الكتاب، لا يوجد عندك كتاب؟ طيب، العبارة تقول: «وهذا الشرك ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر، مغفور وغير مغفور». أحسنت، كأنه يميل إلى قول من يقول: أن الشرك الأصغر صاحبه يوم القيامة إذا مات ولم يتب منه أنه يكون تحت المشيئة. قال: «إلى مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر. قال: والنوع الأول، والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفور». يعني الشرك الأكبر، هذا ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفور. من مات ولم يتب إلى الله من الشرك الأكبر فهذا لا يغفر، وصاحبه مخلد في النار، فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. قال: «وليس شيء منه مغفور. قال: فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم، وهو أن يحب مخلوقاً كما يحب الله، فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله». أي شرك أكبر أو أصغر؟ شرك أكبر أم أصغر؟ أين أبو ثمين؟ أه الشهر؟ إذن من ينوب عن أبي ثمين؟ أه أخوه شامل، ما شاء الله، الكل، أظنه متفق على هذا، آث يا شامل. قال: «وهو قال: فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله، هذا الأكبر أو الأصغر الذي لا يغفره الله؟» الأكبر، أحسنت. طيب. قال: «وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعتهم الجحيم، أي اجتمعوا معاً في الجحيم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾». أرأيتم يا إخوان هذا الظلم الذي يقع فيه أهل الشرك؟ إن الشرك لظلم عظيم، لظلم عظيم. قال رحمه الله تعالى: «قال: ومعلوم أنهم ما ساووهم به سبحانه في الخلق والرزق، ليس والرزق، وإنما المقصود بها الصفة، ألا وهي الرزق، والإماتة والإحياء، والملك والقدرة، وإنما سووهم به في الحب والتأله. ومعنى التأله يا إخوان أي التعبد، فالإلهية هي العبودية، والخضوع لهم، والذلة لهم، والذلة لهم». قال: «وهذا غاية الظلم والجهل، وهذا غاية الظلم والجهل، وهذا هو الأصل في الإنسان: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، ولا ينفك ويرتفع عنه الظلم إلا بالعدل، ولا ينفك ويرتفع عنه الجهل إلا بالعلم». قال رحمه الله تعالى: «قال: وهذا غاية الظلم والجهل، وهذا حال أكثر محبي الدنيا الأتباع مع معبوديهم، وأكثر النساء مع أزواجهم، بل أكثر حال من أحب شيئاً من الدنيا كان معه، وإنما تتبين هذه المحبة عند الأمر والنهي، وفوات الحظ ونيله، وعند الرغبة والرهبة، والله أعلم». قال رحمه الله تعالى: «قال: فكيف يسوي من هو مخلوق من التراب برب الأرباب؟ أين عقولهم يا إخوان؟ أين فطرهم؟ أين علومهم؟ قال: فكيف يسوى... فكيف يسوى من هو مخلوق من التراب برب الأرباب، وكيف يسوى العبيد بمالك الرقاب، وكيف يسوى الفقير بذاته، ذاته فقيرة، الضعيف بذاته، العاجز بذاته، المحتاج بذاته، أي المخلوق يا إخوان، هذه كلها صفات ذاتية موجودة في المخلوق الذي ليس له من ذاته إلا العدم، بالغني بذاته، القادر بذاته، القادر بذاته، وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذلك. كيف يا إخوان يسوى بين الضعيف والقوي، والفقير والغني، والعاجز والقادر؟ فهذا من أعظم الظلم». قال: «فأي ظلم أقبح من هذا، وأي حكم أشد جوراً منه، حيث عدل العبد من لا عدل له، من لا عدل له، قال: حيث عدل العبد من لا عدل له بمن هو معدل بكل شيء، فعدله ببعض خلقه، كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِ يَعْدِلُونَ﴾، في أي سورة هذا؟ في أي سورة هذه الآية يا أبا أسامة؟ في أي سورة؟ الحمد، الحمد، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، في أي سورة؟ وإلا أحن على أبي عثمان، فاروق، الله، الله أعلم يا أبا حنيفة، في أي سورة هذه؟ الأنعام، الآية رقم كم؟ الآية الأولى من سورة الأنعام». قال: «فعدل المشرك من خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور بمن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، فيالك من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه. تعسى عبد الدينار، تعسى عبد الدرهم». وهذه زيادة أيضاً لا توجد في بعض النسخ، وهي مثبتة في البعض الآخر. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل، ويأتي معنا فصول أخرى لا تزال تتعلق بهذا النوع من أنواع الشرك، ألا وهو الشرك في العبادة. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يجيرنا من أعمال المشركين، وأن يتوفانا على التوحيد والإيمان، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.