شرح لامية شيخ الإسلام 13

الدرس في شرح لامية شيخ الإسلام 13، الدرس الثالث عشر : ( وأُقِرُ بـالْمِيـزَانِ وَ الْحَوضِ الَّذِي ... أَرجُـو بأَنِّي مِنْـهُ رَيّاً أَنْهَـلُ ). ألقاها

الإيمان بالميزان يوم القيامة وتفاصيله

يتناول المقطع الإيمان بالميزان يوم القيامة، حيث يُثبت أن الميزان حقيقي ويُوزن به أعمال العباد أو صحفهم أو أجسامهم. يُشرح فيه اختلاف آراء أهل العلم في تحديد الموزون بالميزان وتقديم أدلة على كل رأي.

الإيمان بالميزان والحوض في الآخرة وتأكيدهما

يؤكد النص على الإيمان بالميزان والحوض يوم القيامة، حيث يوزن الأعمال ويشرب المؤمنون من حوض النبي صلى الله عليه وسلم. يُثبت أن الميزان حقيقي له كفتان، وأن الحوض له صفات جليلة.

تفاصيل وصف حوض النبي صلى الله عليه وسلم والمسائل المتعلقة به

يصف حوض النبي صلى الله عليه وسلم بأنه عظيم وثابت بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ويذكر مسائل متعلقة به مثل كونه خاصًا بالنبي صلى الله عليه وسلم أم لكل نبي حوض، وترتيبه يوم القيامة.

أقسام المبدلين وذم التبديل وعلاقته بالحوض

يشرح المقطع أقسام المبدلين وأنواعهم، حيث يُذكر أن المبدلون يُزاد عن الحوض يوم القيامة. يُطلب من الله النجاة من الفتن والسقيا من حوض النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس السابق الكلام على قول الشيخ رحمه الله: «وإلى السماء بغير كيف ينزل»، أي أكملنا هذا الشطر وتكلمنا فيه على صفة النزول، وأنها من الصفات الفعلية الثابتة بصحيح السنة، وأجمع عليها سلف هذه الأمة. وتكلمنا أيضًا في الدرس الماضي على قوله: «وأقر بالميزان». ذكرنا هناك أن الميزان هو لغة ما يزن به الأشياء، فالميزان لغة ما يزن به الشيء، وشرعًا هو ميزان حقيقي له كفتان ولسان، توزن به أعمال العباد. وقيل: توزن به أعمالهم وصحفهم وأجسامهم. وهذه المسألة ذكر بعض أهل العلم، أو اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى، في الموزون بالميزان ما هو، مع اتفاقهم أن الميزان موجود وأنه يزن به وأنه ما يزن به. فمن قائل: أن الموزون هي الأعمال، أعمال العباد، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شر يره. وكما ذكرنا أيضًا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان». فهذه من الأعمال، وكذلك نحو هذه الأدلة استدلوا بها بعض أهل العلم على أن الأعمال هي التي توزن. وبعض أهل العلم ذهب إلى أن الموزون هو صحف الأعمال، واستدلوا على ذلك بأدلة من هذه الأدلة حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في قصة صاحب البطاقة، قالوا فيه: أن السجلات وضعت في كفة، وبطاقة «لا إله إلا الله» أو «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله» وضعت في كفة أخرى، ففيه دلالة على أن الصحف هي التي توزن. وقال به بعض أهل العلم. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأجسام هي التي توزن، وكذلك استدلوا على هذا بأدلة منها ما ثبت في مسند أحمد وغيره في قصة عبد الله المسعود حينما ذهب يطلب سواكًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك القوم من دقة ساقيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لهما في الميزان أثقل من جبل أحد»، أي ساقيه، فهذا فيه دلالة على أن الجسد يوزن. وكذلك استدلوا بقول الله عز وجل عن الكافرين: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَزْنًا﴾، وكذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه يؤتى بالرجل السمين العظيم -أي من الكافرين- يوم القيامة، فلا يزنوا عند الله جناح بعوضة. فقالوا: هذا فيه دلالة على أن الأجسام هي التي توزن. فبعضهم قال بهذا، وبعضهم قال بهذا، وبعضهم قال بهذا، ولا مانع من الجميع، ولا مانع من أن يكون الجميع، أن توزن الأعمال وتوزن الأجسام وتوزن كذلك الصحف. فبعض أهل العلم ذهبوا إلى أن هذه الحالات تختلف باختلاف الحالات، أن الموزن يختلف باختلاف الحالات. وبعض أهل العلم ذهب إلى أن هذا كله يؤيد الأعمال، فالأعمال هي التي تثقل صاحبها أو تخف ميزانه، فالبطاقة بالعمل، ووزن الإنسان كذلك بعمله، فعاد الأمر كله إلى العمل. ولا مانع من أن يقال بهذا، كما أنه لا مانع من أن يقال أن هذا باعتبار الحالات. والمهم الإقرار بالميزان وبأنه يوزن به يوم القيامة. وقد ذكر بعض أهل العلم أن الميزان يكون بعد الحساب، أي بعد أن يحاسب الله عز وجل العباد ويوقفهم على ذنوبهم وعلى أعمالهم، بعد ذلك ينصب الميزان لتوزن الأعمال. ونقل الإجماع أيضًا على أن من ثقل ميزانه ذهب به أو كان من أهل الجنة، ومن خفت ميزانه كان أو صار إلى النار، والعياذ بالله. وفيه إشارة أيضًا إلى تطاير الصحف بعد ذلك، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، والعياذ بالله. هذه بعض المسائل المتعلقة بالميزان. وكما سمعتم، معتقد أهل السنة والجماعة على أنه ميزان حقيقي توزن به، تارة يقال الأعمال، وتارة كما قال بعضهم الصحف، وتارة كما قالوا في بعض الحالات الأجسام، فهو ميزان يوزن به وهو ميزان حقيقي. والمعتدلة والفلاسفة وغيرهم ذهبوا إلى أن معنى الميزان هو العدل، وهذا صرف للفظ عن ظاهره، وهذا من جنس تأويلات الفلاسفة، وهو باطل؛ لأن الأدلة الكثيرة المتكاثرة تدل على أنه ميزان. كيف يقولون في حديث عبد الله بن عمرو: «فتوضع السجلات في كفة وتوضع بطاقة لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، فتطيش تلك السجلات ولا يبقى مع اسم الله شيء»؟ نص صريح في أنه ميزان له كفتان. وقد نقل الإجماع على هذا، نقله أبو إسحاق الزجاج وغيره من أئمة أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: «وأقر بالميزان والحوض الذي أرجو بأني منه ريا أنهله». قوله رحمه الله تعالى: «والحوض»، الحوض من حاض يحوض حوضًا، وهو المكان الذي يجمع أو يتجمع فيه الماء، لغة هو المكان الذي يجمع فيه الماء، فمجمع الماء يقال له حوض. وشرعًا هو الحوض الذي أكرم الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الآخرة، وله صفات وسمات جليلة جاءت الأدلة في إثباتها. من هذه الصفات أن طوله شهر وعرضه شهر، وزواياه سواء، وآنيته من ذهب وفضة، وطعمه ألذ من العسل أو أحلى من العسل، ولونه أصفى من اللبن. وجاء في بعض الألفاظ: الورق، والورق الفضة. من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، وأنه مستمد من ميزابين من الجنة. وهذا من فضل الله عز وجل أولًا على نبيه صلى الله عليه وسلم إكرامًا لنبيه صلى الله عليه وسلم، وتانيًا لمن شاء من خلقه ممن يردون على هذا الحوض ويشربون منه. نسأل الله عز وجل أن نكون من هؤلاء الواردين والذين يشربون من هذا الحوض، إنه قريب مجيب. والحوض كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى ثابت، دل عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه كذلك سلف هذه الأمة. فمن الكتاب قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس أنه نهر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنه نهر أعطاه الله عز وجل لنبيه يصب في حوضه»، وسمي الحوض كذلك كوثرًا باعتبار الماء الذي يصب فيه. ومن السنة أحاديث كثيرة، أحاديث كثيرة في الصحيحين فقط أكثر من ثلاثين حديثًا في صحيح البخاري ومسلم، من الأحاديث التي جاءت التي جاء فيها ذكر الحوض ووصف الحوض. وجاء في خارج الصحيح أكثر من ذلك، فأحاديث الحوض كما نص غير واحد من أئمة العلم والسنة أنها متواترة، ولا يشك في الحوض وفي ثبوته إلا مخذول. لذا ثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه أن أحد الأمراء في زمانه أخبر عنه أنه كان ينكر الحوض، فقال أنس رضي الله عنه وأرضاه موبخًا لهذا الأمير: «أخبروه بأننا أدركنا عجائز الأنصار يسألن ربهم عز وجل أن يسقيهن من حوض نبيه صلى الله عليه وسلم»، أي أن هذا الأمر يعلمه ويقر به العجائز. وفي كلام أنس رضي الله عنه وأرضاه ما يدل على أن هذا الأمر مجمع عليه بين الصحابة أجمعين؛ إذ أنه يقول: «العجائز يسألن ربهن عز وجل أن يسقيهن من حوض نبيه صلى الله عليه وسلم»، فما بالك بغيرهم من أهل العلم والفضل والشرف؟ فمن باب أولى. فكما سمعتم، الحوض ثابت بالكتاب والسنة، وأجمع على ثبوته سلف هذه الأمة، وهو حوض كما سمعتم عظيم، أكرم الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم، وجعل له من الأوصاف الشيء العظيم، أي أشياء عظيمة في وصفه وفي طعمه ولونه، وكذلك رائحته أنها أطيب من ريح المسك. وهذه الصفات لا تكاد يتصورها الإنسان، فضلًا عن أن يراها حقيقة إن رزقه الله عز وجل ذلك. وهذا من فضل الله عز وجل كما سمعتم الذي يؤتيه من يشاء من عباده. والحوض كما سمعتم، وذكر العلماء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أن طوله شهر وعرضه شهر وزواياه سوى»، قالوا: يلزم أن يكون دائريًا أو مقببًا؛ لأن ما كانت زواياه سوى وطوله وعرضه سوى يكون على هذه الهيئة. وذكر العلماء أيضًا رحمهم الله من المسائل المتعلقة بهذا الباب -أي بالحوض- من هذه المسائل ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى: أنه هل هذا الحوض خاص بنبينا صلى الله عليه وسلم أم أن لكل نبي حوضًا؟ جاء في سنن الترمذي وغيره من حديث الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لكل نبي حوضًا»، فاستدل بهذا الحديث جماعة من أهل العلم على أن أكثر أو على أن جميع الأنبياء لهم أحواض. وعلى هذا تكون الخصيصة في حوض نبي صلى الله عليه وسلم أنه أعظمها حوضًا، وكذلك أكثرها واردًا، إلى جانب ما ذكرت من بقية الصفات العظيمة، وأنه مستمد من الكوثر ماءه من الجنة وما شابه ذلك، فتكون الخصيصة لحوض النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأوصاف التي ذكرت في هذا الحديث والتي ذكرت في الأحاديث السابقة. وكذلك من المسائل التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في أمر الحوض وأنه حوض حقيقي، ذكر العلماء رحمهم الله تعالى مسألة وهي: هل يكون الحوض قبل الصراط أم بعد الصراط؟ ذهب بعض أهل العلم إلى الأول، وذهب آخرون إلى الثاني، وذهب فريق ثالث إلى القول بأنهما حوضان: قبل الصراط وبعد الصراط. والأقرب والله أعلم أنه بعد الصراط، وهو الذي أشار إليه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، ومال إليه القاضي عياض، وكذلك مال إليه الحافظ ابن حجر. وإن كان جماعة أو أكثر أهل العلم ذهبوا إلى الأول. والحاصل أن هذه المسألة من المسائل الذي فيها سعة، والأدلة فيها متقاربة. لكن استدل القائلون على أنه بعد الصراط بحديث أنس بن مالك في السنن، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا رسول الله أسألك أن تشفع لي يوم القيامة»، قال: «فإني فاعل»، قال: «أين أطلبك؟» قال: «عند الصراط» أو قال: «عند الميزان»، قال: «فإن لم أجدك؟» قال: «فعند الحوض»، ولن أتخلف عن هذه الثلاثة المواضع أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا حديث صحيح، صححه العلامة الألباني والعلامة الوادعي رحم الله الجميع. وفي الحديث دلالة على أن الحوض يكون بعد الصراط. وإلى هذا سمعتم مال من مال. والمقصود من هذا أنه يجب على كل مؤمن أن يعتقد أن الحوض حقًا على حقيقته، وأنه وارده المؤمنون، ويكف عنه المبدلون لشرعة الله عز وجل. وكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن المبدلين على قسمين: مبدل وقع في التبديل العام والكفر، ومبدل من أهل البدع والأهواء، فهاتان الطائفتان يدخلان في اسم التبديل، وهم ممن يذاد عن الحوض يوم القيامة. أسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يرد هذا الحوض ويسقى من حوض نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يعيدنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه قريب مجيب. الحمد لله رب العالمين.

شاركنا على