شرح لامية شيخ الإسلام 14

الدرس في شرح لامية شيخ الإسلام 14، الدرس الرابع عشر : ( وَكَذَا الصِّراطُ يُمَدُّ فَوْقَ جَهَنَّمٍ ) إلى ( وَكَذَا التَّقِيُّ إِلى الجِنَانِ سَيَدْخُلُ ). ألقاها

الصراط وأوصافه في الأحاديث النبوية

يتكلم الشيخ عن الصراط الموضوع فوق جهنم وأوصافه مثل كونه أدق من الشعر وأحد من السيف. يمر الناس عليه بحسب أعمالهم في الدنيا.

الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة وعلاقتهما

يشرح المقطع مفهوم الصراطين: المعنوي في الدنيا والحسي يوم القيامة، ويربط بين المرور على الصراط يوم القيامة والسير على الصراط المعنوي في الدنيا.

حكمة الله في تقسيم الناس وأهمية التعبد بأسمائه وصفاته

يشرح المقطع حكمة الله في تقسيم الناس ويبين أهمية التعبد بمقتضى أسماء الله وصفاته، ويشير إلى أن دخول الجنة أو النار له أسباب ولكن الفضل يعود إلى الله.

ختام البرنامج ودوي المغفرة والتوبة

المقطع الأخير يعبر عن ختام البرنامج بذكر دوي وطلب المغفرة والتوبة، ويشكر المشاهدين على المتابعة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس السابق الكلام على بعض مسائل الميزان، وكذا الحوض. واليوم نحن مع بيت آخر من هذه المنظومة، أو من هذه اللامية، قال الشيخ رحمه الله تعالى: وكذا الصراط يمد فوق جهنم، فمسلم الناج وآخر مهمل. قوله رحمه الله تعالى: «وكذا الصراط يمد فوق جهنم»، في هذا البيت يتكلم الشيخ رحمه الله تعالى على الصراط، وذكره للصراط بعد الحوض إشارة إلى أنه يقول بأن الحوض قبل الصراط، وقد ذكرنا الخلاف في المسألة في الدرس السابق. والصراط هو الطريق لغة، وقد ذكر العلماء رحمه الله تعالى أنه لا يقال للطريق بأنه الصراط إلا إذا توفرت فيه أمور، وهي أن يكون طريقًا مسلوكًا، وأن يكون واسعًا، وأن يكون موصلًا إلى المطلوب، فلابد من اجتماع هذه الأمور حتى يقال للطريق بأنه صراط. والصراط شرعًا هو الجسر الذي يوضع على ظهراني جهنم، بين أرض القيامة -أي عرصة القيامة- وبين الجنة. وقد جاء في أوصاف الصراط أحاديث، بمجموعها تدل على أن الصراط الموضوع على ظهراني جهنم أنه أدق من الشعر، وأحد من السيف. جاء هذا المعنى في صحيح مسلم عن أبي سعيد، حينما ذكر جهنم وذكر الصراط وتكلم على الصراط إلى آخر الحديث الطويل، قال في آخره أبو سعيد: «وبلغني أن الصراط أحد من السيف وأدق من الشعر». وبعض أهل العلم قالوا: هذا بلاغ وليس له حكم الرافع، وبعضهم قال: إن له حكم الرافع. وهذا والصواب؛ لأن مثل هذا لا يقال إلا بتوقيف. هذا أمر، وأمر آخر قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة نحو هذا المعنى، بإسناد محتمل للتحسين. وجاء أيضًا معناه عن عبد الله بن مسعود بسند كذلك في الشواهد والمتابعات، فمجموع هذه الطرق تدل على أن أو تدل على هذا المعنى؛ على أن صفة هذا الصراط الذي هو على ظهراني جهنم أن صفته أدق من الشعر وأحد من السيف. وأيضًا ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد وأبي هريرة في صفاته: أنه مضحضة ثم زلة -أي زلق-، وأيضًا أن تنزع الناس أو بعض الناس ممن يُخدش أو يُجر إلى نار جهنم. فهذه بعض صفات هذا الصراط، وهو كما سمعتم مكانه بين أو فوق ظهراني جهنم، لذا قال الشيخ رحمه الله: «وكذا الصراط يُمد فوق جهنم، فمسلم الناج وآخر مهمل». فمسلم الناج كما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد وحديث أبي هريرة، وجاء أيضًا معنى هذا عن غيرهم رضي الله عنهم: أن الناس يمشون على الصراط ويسلكون هذا الصراط على حسب أعمالهم في الدنيا، وعلى قدر أعمالهم في الدنيا، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كأشد الرجال، ومنهم من يمر مشيًا، ومنهم من يمر حبوًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم كما قال نبيُّنا صلى الله عليه وسلم: «فمسلم منهم ناجٍ، ومنهم مكدوس في نار جهنم» والعياذ بالله. وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى كلامًا جميلًا في هذا المقام، معناه: أن الله عز وجل نصب صراطين: صراطًا معنويًا، وآخر حسيًا. فأما الصراط المعنوي فهو دينه وشرعه، وهو في هذه الدنيا. والآخر الحسي الذي يكون يوم القيامة على ظهراني جهنم. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «فمرور الناس على ذلك الصراط بحسب مرورهم بهذا الصراط»، بمعنى أن الإنسان كلما كان سالكًا إلى الله عز وجل، مسارعًا إلى فعل الخيرات وإلى العمل بشريعة الله عز وجل، مسابقًا إلى ذلك، يكون كذلك على الصراط سريعًا في مروره. وكلما ضعف سيره في الدنيا، ضعف سيره على ذلك الصراط. «ولا يظلم ربك أحدًا». ذكر كلامًا هذا معناه. فقوله رحمه الله تعالى: «وكذا الصراط يمد فوق جهنم، فمسلم الناج وآخر مهمل»، يدل على هذا المعنى؛ أن الناس في السلوك منهم الناج، والناج على طبقات، وذلك بحسب مسارعته في الأعمال الصالحة في هذه الدنيا، يكون السلوك على ذلك الصراط في الآخرة. ومن أعرض عن ذلك الصراط في الدنيا، كان كذلك مكدوسًا في نار جهنم والعياذ بالله. وكل من كان في هذا الدين بأخذه ضعيفًا، يأخذ به زحفًا، كان كذلك في الآخرة. «ولا يظلم ربك أحدًا». قال رحمه الله تعالى: والنار يصلاها الشقي بحكمة، وكذا التقي إلى الجنان سيدخل. قوله رحمه الله تعالى: «والنار يصلاها الشقي بحكمة»، بمعنى أن الله عز وجل جعل للجنة -أي لدخول الجنة- أسبابًا، وجعل كذلك للنار -أي لدخول النار- أسبابًا. جعل لدخول الجنة أسبابًا، وهذه الأسباب العمل بهذه الشريعة، بطاعات الله عز وجل واجتناب معاصيه، لذا قال ربنا عز وجل: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي بسبب عملكم. فالباء هنا سببية. وكذا جعل أسبابًا لدخول النار، وكما سمعتم هذه الأسباب أعظمها الكفر بالله عز وجل والشرك بالله عز وجل، وأصحاب هذه الأعمال -أي من كان كافرًا أو مشركًا- يكون من أهل جهنم خالدًا مخلدًا فيها والعياذ بالله. وكذا من ارتكب المعاصي ووقع في الآثام والأوزار، وعنده أصل الإيمان، هذا تحت مشيئة الله عز وجل، قد يعفو الله عز وجل عنه بفضله ورحمته، وقد يعذبه بقدر معاصيه بحكمته وعدله سبحانه وتعالى، ثم مآله إلى الجنة؛ لأن عنده أصل الإيمان والتوحيد. فالشيخ رحمه الله تعالى قال: «والنار يصلاها الشقي بحكمة»، أي بحكمة اقتضت بحكمة لله عز وجل يعلمها هو سبحانه وتعالى. قسم الناس إلى قسمين: أهل طاعة وإيمان، وهؤلاء أهل الجنان، وأهل معصية وكفر وطغيان، وهؤلاء أهل نيران. والمعصية ها هنا معصية الكفر والشرك، وإلا المعصية كما سمعتم تحت مشيئة الله عز وجل، إن كان عند ذلك العاصي أصل الإيمان. فحكمة الله عز وجل اقتضت أن يقسم الناس إلى قسمين: شقي وسعيد. ولا يسأل الله عز وجل لماذا قسم الناس إلى هذين القسمين؛ لأن الله عز وجل لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فلحكمة عظيمة علم بعضها من علم وجهلها من جهلها، قسم الناس إلى قسمين: أهل التقى وصلاح، وأهل فجور وكفر. ومن هذه الحكم التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى: أن المؤمن يزداد محبة لربه عز وجل ودعاء وتعلق وتضرع بربه عز وجل؛ لأنه يرى غيره كيف صرف عن هذا الإيمان والخير، وكيف هو في ظلمات الكفر يتخبط، ويرى نفسه كيف منَّ الله عز وجل عليه بالهداية والإيمان، فيكون سببًا لحمد الله عز وجل ولمعرفة فضله. وأيضًا من الأمور كذلك: أن يتعبد الله عز وجل بمقتضى أسمائه وصفاته، فمن صفات الله عز وجل أنه غفور رحيم، فمن أسماء الله عز وجل أنه الغفور الرحيم، ومن صفاته المغفرة والرحمة، فيتقرب الإنسان إلى ربه عز وجل بطلب المغفرة والرحمة. وكذلك في المقابل شدة العذاب والعقاب على من خالف، وبهذا تظهر معاني أسماء الله عز وجل. وأمور كثيرة ذكرت في محلها. فقوله رحمه الله تعالى: «والنار يصلاها الشقي بحكمة»، أي بحكمة الله عز وجل. لم يفعل ربنا عز وجل هذا الأمر عبثًا، حاشاه سبحانه وتعالى، بل لا يفعل إلا لحكمة عظيمة بالغة، علم بعضها من علم وجهلها من جهل. الله عز وجل قال في كتابه الكريم: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. فأهل الشقاوة -لا سيما إذا كانت شقاوتهم بكفر وشرك والعياذ بالله- هؤلاء يكونون من أهل النار والعياذ بالله، خالدين مخلدين فيها أبدًا. والعكس بالعكس، أهل التقى يدخلون الجنة بفضل الله عز وجل ورحمته، وبسبب أيضًا ما قدموه من الأعمال الصالحة. فدخولهم الجنة ليس هو من باب المكافأة لا، بل هو بفضل الله عز وجل ورحمته سبحانه وتعالى. ولكن الله عز وجل اقتضت حكمته أن يجعل لكل شيء سببًا، فجعل من أسباب دخول الجنة عملهم الصالح. وإلا فإن الفضل أولًا وآخرًا من الله عز وجل. وكما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله». والمراد بالباء ها هنا أي مكافأة على عمله. فقالوا: «يا رسول الله، ولا أنت يا رسول الله؟» -أي وأنت رسول الله- قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». إذن لا يدخل أحدنا أو أحد المؤمنين الجنة لعمله أو بعمله مكافأة، ولكن بفضل الله عز وجل ورحمته، وبسبب عمله. فالباء أو في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله»، أن فيها هنا نفيًا على من عمل عملًا وظن أن ذلك العمل بذاته أو بنفسه يدخله الجنة، فنبه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر، وهو أن الكل يدخلون الجنة بفضل الله عز وجل ورحمته، وهذا لا ينافي عمل الأسباب. كما أن أشرنا: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فسبب لدخول الجنة الأعمال، كما أنه سبب لدخول النار الأعمال -أي أعمال أهل الشقاوة- والعياذ بالله. وقد جاء الوقت، نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي في درس قادم إن شاء الله. إلى هنا، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا للمشاهدة.

شاركنا على