الدرس في شرح لامية شيخ الإسلام 3، الدرس الثالث : ( حُبُّ الصَّحابَةِ كلِّهِمْ لِي مَذْهَبٌ ) إلى ( لكِنَّمَا الصِّدِّيقُ مِنْهُمْ أَفْضَـلُ ) . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ الدرس بتوضيح أهمية حب الصحابة ومودة القربى في معتقد أهل السنة والجماعة، ويبين أن هذه المسألة هي أول المسائل التي وقع فيها النزاع بين المسلمين.
يناقش المقطع معنى آل البيت ومحبة القربى، ويوضح أن آل البيت تشمل بني هاشم وبني المطلب وأزواج النبي وذريته، ويجب محبتهم الشرعية.
يُعد أبو بكر الصديق أفضل الصحابة وأفضل الناس بعد الأنبياء، وقد ثبت ذلك بالإجماع، وكان له العديد من المناقب منها أنه أول من أسلم من الرجال.
المقطع الأخير يشير إلى انتهاء الدرس مع تمنيات بالاستفادة وختم بالدعاء والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، توقفنا في الدرس الماضي عند قول شيخ الإسلام رحمه الله: حب صحابة كلهم لمذهب، ومودة القربى بها أتوسل. قوله رحمه الله تعالى: حب صحابة كلهم لمذهب، فيه أمور. أولا، أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، كما ترون، أول ما بدأ به من بيان عقيدته، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة، أنه بدأ بمسألة الصحابة وحب الصحابة. وقد ذكر بعض أهل العلم لذلك أسبابا. من هذه الأسباب أولا: أن مسألة الصحابة أول المسائل أو من أوائل المسائل التي وقع فيها النزاع بين المسلمين، لا سيما في عهد عثمان رضي الله عنه وأرضاه، في آخر زمن خلافة عثمان رضي الله عنه وأرضاه. فكما هو معلوم لدى كثير، أنه حصل في زمنه رحمه الله تعالى، سيما في آخر زمنه، أن خرجت عليه الخوارج وكفروه. الخوارج خرجوا على عثمان رضي الله عنه وأرضاه، ونقموا عليه حتى قتلوه. نقموا عليه حتى قتلوه. أما التكفير، فسبقهم لسان حتى قتلوه. فلذا كما سمعتم، ثم حصل بعد ذلك النزاع في قضية عثمان بين علي ومعاوية، وصار لعلي أنصار، ولمعاوية أنصار، رضي الله عنهم أجمعين. أشهد أنه بسبب هذا ذكروا سببا، أو أن هذا من الأسباب. وذكر بعضهم سببا آخر، وهو: أن معتقد أهل السنة والجماعة متلقى من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك واصل إلينا أو وصل إلينا عبر الصحابة. عبر الصحابة، فهم الذين وصلوا إلينا شرع الله عز وجل. فبدأ بهم لأجل هذا المعنى. قيل أيضا: بدأ بهم لأجل هذا المعنى. وقد يقال أيضا: إن أهل السنة والجماعة، أو وهو الأمر الثالث، أنه بدأ به لأن معتقد أهل السنة والجماعة مبني على الكتاب والسنة، على ما كان عليه الصحابة، من اعتقادات. هذه أمور ذكرت في هذا الباب. وقد يكون هناك أسباب أخرى، كأن يكون السائل من بلدة فيها أناس يتنقصون الصحابة. يتنقصون الصحابة، فابتدأ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بالكلام على مكانة الصحابة، على إجلال الصحابة. وقد يكون هو الأمر الخامس: أن السائل سأل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وأخبر شيخ الإسلام أن بعض الناس يتهمونك بأنك تتنقص الصحابة. بأنك تتنقص الصحابة، فبدأ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذه الأبيات بذكر الصحابة لأجل هذا الذي طرأ على بعض الناس ممن يشوش على بعض الأخيار والصالحين. هذه عدة أسباب ذكرت في تقديم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى للصحابة في أول العقيدة. قال رحمه الله تعالى: حب الصحابة كلهم لمذهب، أي مذهب أسير عليه، ودين أدين الله به، واعتقاد أعتقده. لأن المذهب، كما مر معنا، يطلق ويراد به ما هو أعم من المذهب الفقهي. كما مر معنا في دروس مضت. وقوله رحمه الله تعالى: حب الصحابة كلهم لمذهب، هذا فيه بيان لمعتقد أهل السنة والجماعة، من أنهم يحبون كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، محبة شرعية، ويجلونهم إجلالا شرعيا. حب الصحابة كلهم، وفيه أيضا إشارة إلى من عداهم، إلى من عدا أهل السنة والجماعة. فإن الناس في حب الصحابة على طرفين. قيد منهم من غلا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا سيما آل بيته. فرفعوهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله عز وجل إياها. وبعضهم غلا في الجهة الأخرى، فكفر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بعضهم كفرهم كلهم إلا سبعة عشر شخصا. وبعضهم كفر البعض، وبعضهم كفر البعض، وفسق بعضهم البعض. وهذه كلا الطريقتين باطلتين، منكرتين. ودين الله عز وجل الحق بين هؤلاء وهؤلاء. فهم أهل السنة والجماعة يحبون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم محبة شرعية، ويعظمونهم تعظيما شرعيا، لا إفراط ولا تفريط. فلا يرفعونهم فوق منزلتهم، ولا ينزلونهم عن منزلتهم، رضي الله عنهم أجمعين. لذا كما مر معنا: حب الصحابة كلهم، كلهم لمذهب، أي دين ندين الله عز وجل به. وذلك لما جعل الله عز وجل في الصحابة من أمور. وقد ذكرنا منها في الدرس الماضي عدة طيب. في قوله أيضا: حب الصحابة كلهم لمذهب، ومودة القربى بها أتوسل. ومودة القربى، المودة بمعنى الحب، وهو نوع أخص. لأن الحب، كما ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «روضة المحبين»، ذكر له ثمانية معان. وكل لفظ من ألفاظ الحب له معنى يخصه. فالمودة من معاني الحب. ومودة ذي القربى، ومودة ذي القربى، قد جاء القرآن بالتنصيص عليها في قول الله عز وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قل لا أسألكم عليه من أجر إلا المودة في القربى﴾. فكما مر معنا أن معتقد أهل السنة والجماعة مأخوذ من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تركت فيكم ثقلين: كتاب الله وعترتي». وجاء في صحيح مسلم حديث زيد بن أسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أذكركم الله في أهل بيتي». فمودة أهل القربى، مودة ذوي القربى، وهم قرابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مطلب شرعي. لما سمعتم من قول الله عز وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قل لا أسألكم عليه من أجر إلا المودة في القربى﴾، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أذكركم الله في أهل بيتي». وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في تبيين من هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هم آله، ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في ذلك أقوالا. وأحسن من تكلم على هذه المسألة، أي على مسألة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما رأيت، شيخ الإسلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، في كتابه «جلاء الأفهام». فقد تكلم هناك، وذكر المذاهب في معنى الآل، وذكر أقوالا في معنى الآل. ومن أشهر هذه الأقوال، والذي جنح إليه ابن القيم: أن الآل يطلق على آل هاشم، على بني هاشم، وعلى بني المطلب. قال: وهو مذهب الإمام الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد. ويدخل فيهم أيضا في آل بيته صلى الله عليه وسلم أزواجه وذريته. أزواجه وكذا ذريته صلى الله عليه وسلم. هؤلاء كلهم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالقول الأول قول الشافعي وأحمد في رواية. والقول الثاني ذهب إليه جماعة من أهل العلم. ومجموع القولين هو الصواب في المسألة. من أن آل بيته آل هاشم، وكذا آل المطلب، وأزواجه، وكذا ذريته، ليدخل فيه بنات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهؤلاء كلهم نحن مأمورون بمحبتهم المحبة الشرعية، لا سيما الصالحون منهم. الصالحون من آل البيت، هم الذين يحبون، وتكون لهم المودة. أما من كان عاصيا أو كان كافرا، فهذا لا محبة له. أي الكافر، فلو نظرنا في العهد الأول، أبو لهب من أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع هذا مات مشركا. بل أبو طالب مات كذلك مشركا. فهؤلاء لا يحبون، لا يودون أيضا، أي لا يودهم، لا يحبهم أحد، ولا كذلك تكون لهم المودة، لأنهم ماتوا على الكفر. فالمراد بمودة القربى، أي من كان منهم صالحا، من كان منهم من الأخيار، ومن الصالحين، فيحب لأجل صلاحه، ويحب أيضا لأجل قرابته من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ومودة القربى، بها أتوسل. شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أيضا أراد أن يبين ما أشرنا إليه في الكلام على الصحابة، وهؤلاء آل بيته، وإن كانوا داخلين في عموم الصحابة، إلا أن ذكرهم بعد ذلك يفيد التخصيص. أي أنهم أخص في المحبة، وفي المودة. فقوله: حب الصحابة كلهم، لي مذهب، الصحابة يدخل فيهم آل بيته، يدخل فيهم علي بن أبي طالب وأولاده، وفاطمة، ويدخل فيهم العباس، ويدخل فيهم جعفر، ويدخل فيهم من كان من الصحابة من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن لما عطف، قال: ومودة القربى، هذا من باب عطف الخاص على العام. وعطف الخاص على العام، على القول الصحيح من أقوال المحققين، أنهم يفيدون التشريف والتخصيص، يفيدون التشريف والتخصيص والاهتمام به. قال: ومودة القربى بها أتوسل. قلنا: شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذا المعتقد يقرر عقيدة، وهي من عقائد أهل السنة والجماعة. وفي ضمن هذا التقرير رد على بعض الطوائف المنحرفة في هذا الباب. فمودة. أهل السنة والجماعة كما سمعتم يحبونهم حبا شرعيا. ووقع في محبة أولي القربى، كما سمعتم أيضا، الناس فيهم بين إفراط وبين تفريط. منهم من غلا في محبة أولي آل البيت، لا سيما آل علي وأبنائه. ومنهم من فرط في ذلك إلى الآخر، فجعل يسب ويطعن في هؤلاء الأخيار والأبرار. وهذا ما فعلته النواصب. والأول هو فعل الروافض، الأول هو فعل الشيعة من حيث العموم، والرافض من حيث الخصوص. غلوا في علي وذريته وبنيه. والنواصب جفوا في هؤلاء، جفوا في هؤلاء، فلم ينزلوهم منزلتهم، بل طعنوا فيهم وتنقصوهم. وأهل السنة والجماعة كما سمعتم بين الغالي والجافي، بين الإفراط والتفريط، كالواد بين جبلين، بين جبل الإفراط وجبل التفريط. يحبونهم محبة شرعية. قوله رحمه الله تعالى: ومودة القربى بها أتوسل. قوله: بها، قد يعود على مودة القربى، وقد يعود على جملة المحبة كلها في قوله: حب صحابة كلهم لي مذهب، ومودة القربى بها أتوسل. أي قد يعود على أنه يتوسل، الضمير في قوله: بها، قد يعود على أولي القربى. وقد يعود على الكل. وقد يعود على الكل، إلا أنه هنا مؤنث، بها، فهو مشعر بأنه أراد بالتوسل بأولي القربى. وعلى كل، إن أراد به هذا أو أراد به هذا، فالمراد بالتوسل هاهنا التوسل بالعمل الصالح. التوسل بالعمل الصالح، لأن حب الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم من الأعمال الصالحة، وحب آل البيت كذلك من الأعمال الصالحة. وسواء قلنا: أراد الإثنين أم أراد آل البيت فقط، فكلا الأمرين عمل صالح. والأعمال الصالحة يتوسل بها. وهو من باب التوسل المشروع. لأن التوسل المشروع إما أن يكون بأسماء الله عز وجل وصفاته، وإما أن يكون بالعمل الصالح، وإما أن يكون بدعاء الرجل الصالح. وقد يكون التوسل بالحال، وقد يكون التوسل بالحال، أي يحكي الإنسان حاله وضعفه إلى الله عز وجل، من أجل أن يكشف الله عز وجل ما به. كما قال الله عز وجل عن آدم عليه السلام: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾. فالهبطوا منها جميعا. والتوسل كما سمعتم على قسمين: مشروع وممنوع. فالتوسل المشروع هو ما سمعتم. والتوسل الممنوع هو ما يفعله من قبل المشركون في جعلهم وسائط يتوسطون لهم فيما بينهم وبين الله عز وجل. واليوم يصنعه بعض الناس ممن شابه أولئك، فيذهبون إلى بعض القبور، ويسألون ذاك الميت أن يتوسط لهم، وأن يتوسل لهم عند الله عز وجل. فهذا النوع من التوسل يسمى توسلا شركيا. وقد يكون توسلا بدعيا، وهو بفعل ما خالف الشارع، كان يتوسل عند القبر لا بالقبر، أي لا بصاحب القبر، ولكن يتوسل عند الله بالله، أو يتوسل ويدعو الله عز وجل، لكن في تلك البقعة، في تلك البقعة. فهذا يكون من باب التوسل البدعي. قوله رحمه الله تعالى: ولكلهم قدر علي وفضائل، لكنما الصديق منهم أفضل. شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يبين في هذا البيت أن لكل صحابة قدرا، أي منزلة عالية، وفضائل. كلهم لهم فضائل من حيث الجملة. وقد أشرنا إلى بعضها في الدرس الماضي. ولكلهم قدر علي، أي منزلة عالية، وفضائل. وحسبهم من ذلك أنهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كفى بها منزلة. أضف إلى هذا أنهم خير القرون، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». بل قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خير الناس قرني». فيدخل في الناس كل الناس، من لدن آدم عليه السلام، أي من زمن آدم إلى زمننا هذا، في أن خير الناس وخير القرون هم أصحاب القرن الأول. ويستثنى من ذلك الأنبياء، ويستثنى من ذلك الأنبياء، للنصوص الدالة على أفضليتهم، صلوات الله وسلامه وعليهم. قال رحمه الله: ولكلهم قدر علي وفضائل، لكن ما الصديق منهم أفضل. أي لكن، ولكن تستخدم من الاستدراك. وهنا جاءت ساكنة، وأضغمت مع ما، فقال: لكنما. منهم أفضل، أي أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، منهم، أي من جملة هؤلاء صحاب الأفاضل الأجلة، هو أفضل. وهذا محل إجماع، لا أحد يختلف ممن يعتد به في أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه هو أفضل الصحابة. بل هو أفضل الناس مطلقا بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وهذا كما سمعتم متفق عليه عند من يعتد به. فأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه له من المناقب والمآثر ما لم تحصل لأحد بعده، رضي الله عنه وأرضاه. من هذه المآثر: أنه أول الرجال إسلاما برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإيمانا به. أول من أسلم من الرجال. وأسلم على يديه كذلك خمسة من العشرة، من العشرة الذين بشروا بالجنة. خمسة منهم أسلموا على يدي أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه. وهذه منقبة عظيمة. أسلما على يديه عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف، وكذا سعد بن أبي وقاص. هؤلاء الخمسة أسلموا على يد أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه. وقد قال عمر رضي الله عنه وأرضاه يوم السقيفة، بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حينما حصل نزاع في أول الأمر فيمن تكون له الخلافة. فقام أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه فتكلم ما شاء الله، ثم قام عمر رضي الله عنه وأرضاه فقال لأبي بكر: أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمد يدك نبايعك. فمد يده رضي الله عنه وأرضاه، فبايعه الصحابة، ولم ينكر أحد هذا الأمر. لم ينكر أحد أن أبا بكر أفضلهم، وسيدهم، وأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لذا كان أحق الناس بالخلافة من غير نزاع في أفضليته، صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنه وأرضاه. وأيضا في تقديم رسول الله صلى الله عليه وسلم له في الصلاة، دلالة واضحة على أفضليته، وعلى تقديمه على غيره. لذا قال عمر رضي الله عنه وأرضاه أيضا يوم السقيفة، حينما حصل ما حصل، قال لهم: لقد رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لدينكم، أي لإمامتكم في الصلاة، أفلا ترضونه لدنياكم؟ فقال الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم: بلى. فرضي به رضي الله عنهم وأرضاهم. وقد ذكى العلماء رحمهم الله تعالى من مزاياه وفضائله ومناقبه الشيء الكثير. منها: أنه كان أعلم الصحابة مطلقا. لذا يقول شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: وأبو بكر تصدر لأمور ومسائل من الدين، عجز غيره عنها، حتى بينها له. حتى بينها له. وما حرب الردة عنها ببعيد. حصل اضطراب، وأبو بكر يقول: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، حتى استقر الأمر على ما قال به أبو بكر. وكذا في إمضاء ييش أسامة، وغيرها من الأمور. هذا من حيث العلم. ويقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ولا أعلم له قولا خالف فيه نصا. ولا أعلم له قولا خالف فيه نصا. وذكر نحو هذا أيضا الحافظ ابن حجر، رحمهم الله تعالى أجمعين. ومن مناقبه أيضا: أنه لقب بالصديق. وإذا أطلق الصديق، فلا يتبادر إلا إلى أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه. وذلك قيل: لأنه كان أول من صدق برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: أنه سمي بذلك يوم الإسراء، أو صبيحة ليلة الإسراء. وكذلك من حيث شجاعته، من حيث الشجاعة، ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى اتفاق أنه أشجع الصحابة. أن أبا بكر صديق رضي الله عنه وأرضاه، أنه أشجع الصحابة مطلقا. قال: ويدل عليه أشياء، منها: قول الله عز وجل في شأنه، هو والنبي صلى الله عليه وسلم في الغار: ﴿لا تحزن إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾. قال: فإن الله عز وجل أخبر أن أبا بكر لم يكن خائفا، لم يكن خائفا. لم يقل لأبي بكر: لا تخف إن الله معنا. ولكن قال له: لا تحزن إن الله معنا. مع أن المشركين كان أبو بكر يرى أقدامهم، ويقول: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لرآنا. ومع هذا كان رابض الجأش، فلم يخف، بل كان حزينا أن يرى المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت بإسناد حسن، حسنه الحافظ ابن حجر عند البزار، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه قام يوما في الناس خطيبا، فقال لهم: من أشجع الناس؟ فقال له: أنت يا أمير المؤمنين. فقال له: أنت يا أمير المؤمنين. فقال رضي الله عنه وأرضاه: أما والله ما بارزني أحد إلا أنصفته، أي إلا قضى عليه. قال: ولكنه أبو بكر الصديق. ولكنه أبو بكر الصديق. ثم ذكر، قال: لقد رأيتنا في مكة، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذى ويضرب، فهذا يغمزه، وهذا يؤذيه ويدفعه. قال: ونحن ننظر، لا ندفع عنه شيئا، لا ندفع عنه شيئا. قال: حتى جاء أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، فجعل يضرب هذا ويدفع هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ قال: ثم بكى علي رضي الله عنه وأرضاه، وقال: يا قوم، هذا خير أم مؤمن آل فرعون؟ ثم قال: والله، لساعة من أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون. قال: فإن هذا رجل يظهر إيمانه، وذاك رجل يقيم إيمانه. نكتفي بهذا القدر، والله أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.