الدرس في كتاب الجنائز 15، ألقاها
يتناول المقطع مسألة من يتولى دفن المرأة إذا لم يكن لها زوج أو أقارب، حيث اختلف أهل العلم بين تولي النساء ثم الكبار من الرجال أو تولي الكبار الأمناء من الرجال.
يستحب رفع القبر نحو شبر وأن يكون مسنونا مثل السنام، لما رواه جابر وسفيان التمار، ولأن ذلك أبعد عن ذهاب التراب به.
يتناول المقطع أحكام دفن الميت وهيئة القبر، مثل رش الماء على القبر وتعليمه بعلامة، واستحباب حثو التراب عليه ثلاث حثيات.
يتم الإعلان عن انتهاء الحديث عن أحكام الجنائز والانتقال إلى كتاب الزكاة، مع الدعاء والاستغفار.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي ذكر المسألة السادسة، وهي من أولى الناس في إدخال المرأة قبرها. فكما مر معنا فيما مضى أن طائفة من أهل العلم ذهبوا إلى أن الرجل - أي الزوج - أولى الناس بذلك على المحارم، مقدم على المحارم. وهذا ذهب إليه الشافعية، رحمه الله تعالى، كما تقدم معنا، وبعض الحنابلة. وذهب الإمام أحمد، رحمه الله تعالى، إلى تقديم المحارم على الزوج مطلقا، أو على تقديم المحارم على الزوج مطلقا. وتقدم معنا في الدرس الماضي أن الراجح أن الزوج يقدم؛ لأنه أحق الناس بغسلها، أحق الناس بغسلها. هذا كما سمعتم من خلافه، ماذا؟ ففيما إذا كان الزوج موجودا، وكذا الأولياء، وكذا الأولياء، فإذا ماتت المرأة ولم يكن لها زوج، أو لم يكن موجودا، ولم يكن أقرباؤها كذلك موجودين، فما الحكم في مثل هذه الحالة؟ في مثل هذه الحالة كذلك وقع خلاف بين أهل العلم، أيهما أو من يتولى كذلك دفن المرأة؟ فقال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: يغسلنها النساء، ثم الأشياخ - يعني الأولى في ذلك أن يدفنها النساء، فإن لم يكن نساء، فيدفنها الأشياخ - الأشياخ أي الكبار، كبار السن. لماذا قالوا الأشياخ؟ قالوا: لأنهم أبعد عن الشهوة، أبعد عن ماذا؟ عن الشهوة، وأضعف، بخلاف الشاب. وقال آخرون: لا يدفنها النساء؛ لأن في دفن النساء، وفي دخول النساء القبر، هتك للنساء - هتك للنساء - أي هتك التستر للنساء. وهذا كما قال هذا القائل: فالأولى في ذلك أن يدفنها الأمنى من الأشياخ - الأمنى من الأشياخ - أمين؛ لأنه أقرب إلى البعد عن الفتنة، أو من الفتنة. وكذلك الشيخ فيه هذا المعنى، بخلاف الشاب. والنبي صلى الله عليه وسلم حينما ماتت ابنته زينب، رضي الله عنها وأرضاها، كان موجودا، وكان كذلك غيره موجود، مع هذا قال: «أيكم لم يقارف امرأته البارحة؟» فقال أبو طلحة: «أنا». فنزل أبو طلحة فدفنها. فنزل أبو طلحة فتولى دفنها. وأبو طلحة، رضي الله عنه وأرضاه، كان من الأشياخ، وكان من أمناء الصحابة وصالحيهم، من أمناء الصحابة، رضي الله عنهم وأرضاهم، وصالحيهم. فيستدل العلماء بهذا، مع أن النساء موجودات، فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم للنساء: «يا فاطمة، قومي فدفني» أو ما شابه ذلك. واضحة، جماعة. فدل هذا على ما تقدم، بخلاف الغسل؛ الغسل فإنه يتولاه زوج، إن كان موجودا، أو تولاه النساء؛ لأن في الغسل سترا للنساء، والستر كذلك لماذا؟ لتلك الميتة، بخلاف الدفن. بخلاف الدفن في الدفن. فالحاصل أنه يراعى في ذلك الأسلم والأحوط والأبعد عن الفتنة. المسألة السابعة: إذا ألحد وأهال عليه التراب - أي القبر - إذا ألحد القبر وأهال عليه التراب، رفع القبر قدر شبر - قدر شبر - رفع الأرض قدر، أو رفع الأرض قدر شبر من الأرض، ويكون مسنونا، ويعلم عليه بحجر - ويعلم عليه بحجر. أما كونه بعد اللحد يرفع القبر نحو شبر، نحو شبر؛ لحديث جابر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحد له لحدا، ونصب اللبن نصبا، ورفع قبره من الأرض نحو من شبر» ورفع قبره من الأرض نحو من شبر. رواه ابن حبان والبيهقي، وإسناده حسن، حسنه العلامة الألباني، رحمه الله. ويكون مسنونا - يكون مسنونا - أي يكون ماذا؟ التراب مسنونا. واضحة، جماعة. عملا مثل السنام، يكون مثل ماذا؟ السنام. قالوا: لحديث سفيان التمار قال: «رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وقبر أبي بكر وعمار مسنونا» الحديث أخرجه البخاري. أخرجه البخاري بقوله: «أو بلغ رأيت قبر النبي مسنونا». ورواه ابن أبي شيبة وأبو نعيم بزيادة: «وقبر أبي بكر وعمار». واضحة، جماعة. وهو بالزيادة صحيح كذلك، صححه العلامة الألباني، رحمه الله. وقد ذكر العلماء، رحمهم الله تعالى، العلة في ذلك؛ قالوا: لأن المسنون أبعد عن أن تذهب به الريح، وأن كذلك يهبط بسبب الأمطار، وأن يهبط بسبب الأمطار؛ إذا كان مسنونا، إذا جاءت أمطار، إن زلقت عن يمينه وعن شماله، بخلاف إذا كان مستويا، ربما هبط القبر بسبب ذلك. واضحة، جماعة. فذكر العلماء، رحمهم الله تعالى، معنى هذه العلة. وأيضا عن القاسم بن محمد قال: «دخلت على عائشة - القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق - قال: دخلت على عائشة، فقلت: يا أمه، اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، رضي الله عنهما». قال: «فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا لاطئة - لا مشرفة - أي ليست مرتفعة - مشرفة - أي واضحة، ولا لاطئة - أي مستوية بالأرض». واضحة، جماعة. أم لا؟ أي أنها ليست كذا ولا كذا، بل بينهما. وهذا كما ترون فيه نوع إجمال. وقد بيّنوا الحديث السابق - حديث من حديث سفيان التمار، وكذلك حديث جابر - واضحة، جماعة. أم لا؟ أنه رفع نحو ماذا؟ شبر. وجاء في حديث سفيان التمار أنه كان ماذا؟ مسنونا. أنه كان ماذا؟ مسنونا. قال، رحمه الله: «فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء - مبطوحة ببطحاء العرصة، ببطحاء العرصة الحمراء - أي أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم كان مسنونا، وكان من ماذا؟ من بطحاء العرصة - أي كان من البطحاء - كان من البطحاء - العرصة - أي الساحة الواسعة. قال: الحمراء - أي من التربة الحمراء». قال، رحمه الله. طيب. رواه أبو داود والحاكم والبيهقي، وإسناده حسن. وبهذا القول قال مالك والثوري وأحمد وأبو حنيفة، واختار الشافعي تصحيحه - اختار الشافعي أن يكون القبر ماذا؟ مسطحا. وذهب الجمهور إلى أنه يستحب أن يكون ماذا؟ أن يكون مسنونا. والقول بأن يكون مسنونا هو الذي تدل عليه الأدلة وتعضده. فإذا كان كذلك، فلا يرفع أكثر من هذا، فلا يرفع أكثر من كم؟ أكثر من شبر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: «لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» - ولا قبرا مشرفا إلا سويته - واضح، جمعا. رواه مسلم. هذا، حج. رواه مسلم. قال ابن قدامة: والمشرف ما رفع كثيرا - المشرف ما رفع ماذا؟ كثيرا - كان شارفا وبائنا وظاهرا أكثر من غيره. قال: بدليل قول القاسم في صفة قبور النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه: «لا مشرفة ولا لاطئة - لا مشرفة ولا لاطئة» مع كونها ماذا؟ مع كونها ارتفعت على الأرض بقدر كم؟ بقدر شبر. ومع كونها ماذا؟ ومع كونها مسنونة. قال ابن قدامة، رحمه الله: ويستحب أن يرش على القبر ماء؛ ليلتزق ترابه - ليلتزق ترابه - أي لا تسفه الريح؛ لأجل أن لا تسفه الريح، بل يبقى ماذا؟ يبقى متماسكا. يبقى متماسكا. فلأجل هذه العلة استحب من استحب من أهل العلم أن يرش عليه الماء. وقد جاءت في ذلك بعض الأحاديث فيها مقال. وكذلك بتعليم القبر بحجر أو خشبة أو نحوها؛ أن يعلم على القبر بخشبة أو حجرة، حتى يعلم أن هذا القبر قبر فلان. قال أحمد: لا بأس أن يعلم الرجل القبر علامة يعرفه بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفن عثمان بن مضعون دعا بحجر فوضعها في القبر عند رأسه، وقال: «أعلم بها أخي» - أو قال: «أعلم بها». قال: «أعلم أو أعلم بها أخي». الحديث رواه ابن ماجة، وإسنادهم حسن. واضح، هذا. جماعة. أملا. فهذه عدة أحكام في ماذا؟ في هيئة القبر، وفي دفن الميت. بعد ماذا؟ في دفن الميت، وكيف يدفن الميت؟ وكيف يدفن الميت؟ بقي كذلك من الأمور ذكر بعض أهل العلم أنه يستحب أن يحثى عليه ثلاث حثيات؛ أنه يستحب أن يحثى عليه ثلاث حثيات. وهذا بناء على حديث روي في ذلك: «أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا مات الميت حثى على قبره ثلاث حثيات». وهذا الحديث من أهل العلم من يصححه، ومن أهل العلم من لا يصححه. وبعض الحفاظ - كالدارقطني وغيره - يعل هذا الحديث. طيب. المسألة الثامنة: ذكرنا أن بعض أهل العلم ذهب إلى استحباب أن يحثى على الميت ثلاث حثيات. وذكرنا أن بعض أهل العلم يصحح هذا الحديث، وبعضهم يحكم على الحديث بأنه ضعيف. فعلى صحة الحديث، تحب ذلك. على ضعفه، فإنه لا يستحب. المسألة التاسعة: لا يشرع تلقين الميت بعد موته، قبل لحده أو بعد لحده، ولا بعد دفنه، مطلقا؛ لعدم ثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو صحابته، بل هو من البدع المحدثة، بل هو من البدع المحدثة. المسألة العاشرة: يحرم البناء على القبر، وتجصيصه، والكتابة عليه؛ لما روى مسلم في صحيحه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه» - زاد الترمذي - «وأن يكتب عليه». والأصل في النهي أنه للتحريم؛ الأصل في النهي أنه لماذا؟ أنه للتحريم. وقد ذكر بعض أهل العلم كذلك علة لذلك؛ وهو أن فيه تشبها - أن فيه تشبها - بالمترفين. فيه تشبها بماذا؟ بالمترفين - المترفين - هم الذين يحبون أن يجصص القبر، وكذلك البناء عليه. قالوا: سبب من أسباب الشرك، ووسيلة من وسائل الشرك. وأن يكتب عليه، قالوا: هذه كذلك فيها معنى من معاني التشبه بالمترفين. فلأجل هذا ذهب من ذهب من أهل العلم إلى تحريم ذلك. وذهب آخرون إلى كراهته. وذهب آخرون إلى كراهته. والله تعالى أعلم. نكتفي بهذا القدر في أحكام الجنائز، وندخل بإذن الله عز وجل فيما سيأتي في كتاب الزكاة، بإذن الله جل وعلا. إلهنا، سبحانك الله، وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.