كتاب البيوع 19

الدرس في كتاب البيوع 19، ألقاها

مقدمة في حكم المخابرة والمزارعة

تناول الدرس حكم المخابرة والمزارعة، حيث ذهب أكثر أهل العلم إلى جوازهما، مستدلين بمعاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر. هذا المذهب يتبناه فقهاء الحديث كالإمام أحمد والبخاري.

الخلاف في كراء الأرض وأدلته

اختلف العلماء في كراء الأرض بين المنع والجواز بطرق مختلفة، واستندوا في أقوالهم إلى أحاديث نبوية مختلفة. يرى ابن القيم أن النهي عن المخابرة خاص بالمعاملات الجائرة.

تفاصيل حكم المزارعة والمخابرة

المزارعة والمخابرة جائزة إذا كانت على أساس العدل، وتحقيق المصالح المشروعة، ودفع المفاسد. الأحاديث النبوية وضحت الفرق بين المزارعة الجائزة والمحظورة.

حكم الإجارة على النسب المئوية

تجوز الإجارة على نسبة معينة كالثلث أو الربع، ويرى بعض العلماء أن هذا النوع من الإجارة يحمل في حقيقته معنى المزارعة. الفقهاء يعتبرون الإجارة على النسب المئوية معتبرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي الشروع في الكلام على حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في نهيه صلى الله عليه وسلم عن المخابرة والمحاقلة والمزابة، وعن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وأن لا تباع إلا بالدينار والدرهم إلا العراية. والحديث كما هو واضح فيه مسائل كثيرة، فنتكلم فيها على ما يسأل الله عز وجل من المسائل. نسأل الله عز وجل أن يلهمنا فيها الصواب، إنه قريب مجيب. أول مسائل هذا الدرس حكم المخابرة والمزارعة. وتقدم معنا أن بعض أهل العلم يجعل المخابرة والمزارعة بمعنى واحد، ومنهم من يفرق بينهما. لكن التفريق كما هو وضع ليس بمؤثر، التفريق كما بينهم ليس بمؤثر، أي سواء كان البذر من صاحب الأرض أو كان من العامل، إلا في صور عند بعض أهل العلم يسيرة، ومع هذا ليس مؤثرًا عند التحقيق. ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز دفع الأرض إلى من يزرعها أو يعمل عليها، وزرع بينهما بنسبة معينة، بثلث أو ربع مثلًا، أي بأي نسبة مشاعة. وكذلك وسيأتي معنا بإذن الله عز وجل مسألة المؤاجرة، أي تأجير الأرض، سيأتي مع الكلام عليها. ومؤاجرة الأرض كذلك بالدنانير والدراهم، الأمر فيها واضح باعتبار أنها جائزة، ولكن بعض الصور وقع فيها الخلاف، سيأتي الإشارة إليها بإذن الله جل وعلا. فالحاصل في مسألتنا هذه، وهي مسألة المخابرة أو المزارعة، أن أكثر أهل العلم ذهبوا إلى جوازها. وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب تهذيب السنن، أي سنن أبي داود، ذكر أن هذا مذهب فقهاء الحديث كالإمام أحمد والبخاري وإسحاق والليث وابن خزيمة وابن المنذر وابن داود. قال البخاري في الصحيحة: قال قيس بن مسلم عن أبي جعفر، أي الباقر: «ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزدرعون على الثلث والربع». وهذا نقل للإجماع في هذه المسألة، أن هذا كان معروفًا بين الصحابة رضي الله عنهم، ولا سيما المهاجرين منهم. قال الحسن: «لا بأس أن تكون الأرض لأحدهما، فيتفقان، فما يخرج فيها فهو بينهما». ورأى ذلك الزهري. وحجتهم معاملة النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع، وهذا متفق عليه بين الأمة. قال أبو جعفر، أي الباقر: «عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم أهلوهم إلى اليوم، يعطونا الثلث والربع، أو يعطونا الثلث والربع». وهذا أمر صحيح مشهور، قد عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، ثم خلفاء الراشدون من بعده حتى ماتوا، ثم أهلوهم من بعدهم. قال ابن القيم: «فهذا كلام إمام بن قيم رحمه الله». ثم أجاب عن حديث رافع بن خديج، وسيأتي ذكره بإذن الله. يعني هذا النقل من إمام بن قيم، وذكر من ذهب إلى هذا القول. وما سببه؟ سببه أنه جاء في الصحيحين من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه وأرضاه، عن بعض عمومته، كما سيأتي معنا، ما ظاهره أنه عن هذه الصورة من المعاملة. فالعلماء رحمه الله تعالى في هذه المسألة لهم أقوال، أشهرها ما تقدم. وذكر الإمام النووي رحمه الله: «اختلف العلماء في كراء الأرض». فقال طاووس والحسن البصري: «لا يجوز بكل حال، سواء أكراها بطعام أو ذهب أو فضة أو بجزء من زرعها». لإطلاق حديث النهي عن كراء الأرض. وفي الصحيحين، عن رافع بن خديج، قال: «كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى». فجاءنا ذات يوم رجل من عمومته، فقال: «نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا». نهانا أن نحاقل بالأرض، فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزرعها. وكره كراءها وما سوى ذلك. وهذا الحديث كما هو ظاهر في الصحيحين، وهو مشكل. فلأجل هذا الإشكال وقع ما وقع في هذا الحديث من الاضطراب. فالعلماء في هذه المسألة لهم أقوال، منها: قول الإمام الشافعي وأبي حنيفة، قالوا: «تجوز إجارتها بالذهب والفضة وبالطعام والثياب وسائر، سواء كان من جزء ما يزرع فيها أم من غيره». ولكن لا تجوز إجارتها بجزء ما يخرج منها، كالثلث والربع، وهي المخابرة. وقال ربيعة بن عبد الرحمن: «يجوز بالذهب والفضة فقط». وقال مالك: «يجوز بالذهب والفضة وغيرهما إلا الطعام». وذكر قول إمام أحمد: «تجوز إجارتها بالذهب والفضة، وتجوز بالثلث والربع وغيرهما». قال: «وهو الراجح المختار». ثم قال ابن القيم: «المخابرة التي نهاهم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي التي كانوا يفعلونها من المخابرة الظالمة الجائرة». قال: «ومطلق النهي إنما ينصرف إليها دون ما فعله هو وخلفاؤه وصحابته من بعده». يعني النهي الذي نهاهم عنه صلى الله عليه وسلم هو في المخابرة التي فيها معنى الظلم والجور. وأما المخابرة التي كان أو تعامل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل خيبر، فجائزة. ففرق بين هذه الصورة وتلك الصورة. فالحاصل كما ذكر ابن القيم: «أن المنهي عنه هو المخابرة الظالمة الجائرة». قال ابن القيم: «وذكر رحمه الله تعالى تسعة وجوه في جواب حديث رافع بن خديج». منها: أن المنهي عنه إنما هي المخابرة الظالمة. وأما ما تعامل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه، فإنها جائزة. ومنها: أنه لو قدر أن حديث رافع عارض الأحاديث الدالة على الجواز، لكان منسوخًا قطعًا بلا ريب. لأن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر، واستمر العمل بعد ذلك في أصحابه وخلفائه. ومنها: أن الذي في حديث رافع إنما هو النهي عن كرائها بالثلث أو الربع، لا عن المزارعة. وفرق بين هذا وهذا. فالمزارعة من جنس الشركة، يستويان في الغنم والغرم. قال ابن القيم: «فحديث رافع بن خديج إما أن يكون نافيًا عن الإجارة دون المزارعة، أو عن المزارعة التي كانوا يعتادونها، أي الظالمة». وأما المزارعة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخلفاؤه من بعده، فلم يتناولها الناهي بحال. فالحاصل: أن الراجح والجواز. ولكن ها هنا صور منهية، فينبغي التنبيه عليها. فمن صور المزارعة والمخابرة المنهية عنها: ألا يكون في أمر مشاع، بل بشيء معين. ومنها: أن يقول: «زارعتك على أن يكون لي البر ولك الشعير». ومنها: أن يقول: «زارعتك على أن تكون لي ثمار شرق المزرعة ولك غربها». ومنها: أن يقول: «زارعتك هذه الأرض لمدة ثلاث سنوات، فالسنة الأولى لك والثانية لي». فهذا لا يجوز، لأنه فيه معنى الغرر. والجامع في هذا: ما كان فيه ظلم على أحدهما، وفيه مع الغرر والجهالة. فإنه لا يجوز. فإن الظلم محرم، والغرر فيه هذا المعنى، ومع القمار وهو محرم أيضًا. وشرط المخابرة والمزارعة والمساقاة الجائزة: ما كان مبنيًا على العدل والإحسان، وتحصيل المصالح المشروعة، ودفع المفاسد. ففي مثل هذا مصلحة لصاحب المزرعة، والمزارع ينتفع بعمله. مسألة: حكم أجرة الأرض بجنس الطعام الخارج منها. كإجارة الأرض لمن يزرعها حنطة أو شعيرًا بمقدار معين من الحنطة والشعير. ذهب الشافعي وأحمد في أظهر الروايتين وأبو حنيفة إلى الجواز، وهو اختيار شيخ الإسلام. وعلل ذلك بأن المستحق بالأرض الإجارة هو الانتفاع بالأرض، والأصل الحل. وذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى إلى المانع. فالأظهر الأول لأصل الحل. وكما ذكر: أن الإجارة جائزة إذا كانت من مقدار معين، بذهب أو فضة أو مال أو متاع. وأما الإجارة على نسبة معينة، كالثلث والربع، فقالوا: «تجوز الإجارة ولو كان على نسبة معينة». ولكن بعض أصحابه حملوا هذا على أنهم وإن كان لفظ لفظ الإجارة، ولكن معناه وحقيقته معنى المزارعة. والله تعالى أعلى وأعلم.

شاركنا على