الدرس في كتاب البيوع 3، ألقاها
خيار المجلس يعني أن البيع يقع جائزًا ما دام المتبايعان مجتمعين، ولكل منهما الخيار حتى يتفرقا. ذهب أكثر أهل العلم إلى ثبوت خيار المجلس استدلالًا بأحاديث الباب.
يتناول تفاصيل خيار المجلس في البيع، حيث يلزم البيع بتفرق البائع والمشتري، ويعتمد التفرق على العرف والعادات. يُشرح كيفية تطبيق ذلك في أماكن مختلفة.
علق أبو برزة الأسلمي على مسألة الخيار في البيع، مؤكدًا أن الخيار يبقى قائمًا ما لم يتفرق البائع والمشتري. جاء تعليقه هذا بعد مناقشة أو سؤال حول أحكام البيع والشراء.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فقد تقدمنا في الدرس الماضي بالتعليق على حديث عبد الله بن عمر، وكذا على حديث حكيم بن حزام في الخيار، في خيار المجلس. فها هنا مسألة، وهي: ما حكم خيار المجلس؟ وهو أن البيع يقع جائزًا، ولكل من المتبايعين الخيار ما دام مجتمعين لم يتفرقا. هذا هو معنى خيار المجلس: أن البيع يقع جائزًا ما دام مجتمعين. البيع يكون ماذا؟ جائزًا، أي: ليس واجبًا، ليس لازمًا، ليس نافذًا، بل ما دام مجتمعين فإن البيع جائز، حتى يتفرقا. فإن تفرقا وجب البيع. ذهب إلى هذا القول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ذهبوا إلى ثبوت خيار المجلس، استدلالًا بأحاديث الباب وما جاء في معناها، وهي أحاديث صريحة وصحيحة وواضحة. وذهب مالك وأصحاب الرأي إلى أن البيع يلزم بالعقد، بالإيجاب والقبول. أي: على قول مالك وأبي حنيفة يقول: بمجرد العقد، هذا يقول: بعتك، والآخر يقول: اشتريت، يتم البيع، ولا خيار لهما. استدل هؤلاء بأنه روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «البيع صفقة أو خيار». يعني قالوا: هذا يدل على أن البيع صفقة، بمعنى أنه يتم بمجرد العقد، أو خيار، بمعنى أن يسترط أحد المتبايعين خيارًا. بمعنى أنه إذا لم يسترط وجب البيع. قالوا: ولأنه عقد معاوضة، فلزم بمجرده، كالنكاح والخلع. النكاح يتم بمجرد أن يقول الإنسان: زوجتك ابنتك أو مولاتك، فيقول: نعم، قبلت. يتم العقد، ولو لم يتفرق، ولو لم يتفرق. وكذلك الخلع: إذا خلعت المرأة زوجها، ولو كان في مجلس، يتم الخلع، يقوم بمجرد العقد، أو فسخ العقد، يقع. والصحيح القول الأول بلا ريب. وكما قيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. وكل قول خالف قول الرسول صلى الله عليه وسلم ولو كان ممن كان، فإن القول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. لذا ذكر الإمام البيهقي رحمه الله تعالى في كتاب «معرفة السنن والآثار» عن إمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه حينما احتج عليه بأثر عمر رضي الله عنه قال له: إذا جاءك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءك الخبر عن غيره، بأخذت بقول من؟ فقال جميع الحضور: نأخذ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأمر الثاني: أن أثر عمر رضي الله عنه لا يثبت. وذلك يعني كما قال الإمام البيهقي رحمه الله: ذكره مسندًا عن عمر أو عن ابن عمر، هكذا بالشك. وذكر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: «غير محفوظ». وكذلك ذكر هذا عن إمام الشافعي رحمه الله تعالى. وذكر له البيهقي أيضًا طريقة من طريق مطرف بن طريف، تارة عن الشعب عن عمر، وتارة أخرى عن عطاء بن أبي رباح عن عمر رضي الله عنه. قال البيهقي رحمه الله: «وكلاهما مع الأول ضعيف؛ لانقطاع ذلك». فالحاصل: أن الأثر عن عمر لا يصح. قال البيهقي رحمه الله تعالى: فإن صح، أي: على فرض صحته، فالمراد به والله أعلم: بيع شرط فيه قطع الخيار. بيع شرط فيه قطع الخيار، فلا يكون له بعد الصفقة خيار. «بيع لم يشترط فيه قطع الخيار، فهما بالخيار ما لم يتفرقا». قال: وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى تضعيف الأثر عن عمر، وأن البيع لا يجوز فيه شرط قطع الخيار؛ لأنه شرط منافر لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «البيعان بالخيار». فهو شرط باطل. والحاصل أن أثر عمر رضي الله عنه على صحته يحمل على ما ذكر. والله تعالى أعلى وأعلم. وقد ذكر الشافعي رحمه الله تعالى أنه قد ثبت عن عمر رضي الله عنه ما يوافق حديث ابن عمر. ذكر الشافعي رحمه الله تعالى كما نقل عنه الإمام البيهقي في «معرفة السنن والآثار»: أنه قد ثبت عن عمر رضي الله عنه ما يوافق حديث «البيعان بالخيار». قال: وهو الأوفق والأظهر في حق عمر رضي الله عنه. أما الإمام مالك رحمه الله تعالى، فقد عاب عليه بعض العلماء مخالفته لهذا الحديث مع روايته له وثبوته عنده. فإن الإمام مالك رحمه الله تعالى روى هذا الحديث في «الموطأ» عن نافع عن ابن عمر. والإمام مالك رحمه الله تعالى يقول في هذه السلسلة: إذا روى نافع عن ابن عمر، فلا يحتاج أن تسأل غيره عنه. وهذا يدلنا على ثبوت هذا الحديث عند مالك، ومع هذا لم يعمل به مالك. لذا قال إمام الشافعي رحمه الله تعالى: «لا أدري هل اتهم مالك النفس أو نافعًا». أولًا: أن البيع يلزم بتفرقهما. أي: يكون لازمًا بتفرق البائع والمشتري، لدلالة الحديث عليه. ولا خلاف في لزومه بعد التفرق عند جميع أهل العلم. والمرجع في التفرق إلى عرف الناس وعادتهم فيما يعدونه تفرقًا؛ لأن الشرع علق عليه حكمًا ولم يبينه، فدل ذلك على أنه أراد ما يعرفه الناس، كالقبض والإحراز. قال: فإن كان في فضاء واسع كالصحراء، فقال العلماء: يكون التفرق بأن يمشي أحدهما مستدبرًا لصاحبه خطوات. وقيل: هو أن يبعد منه بحيث لا يسمع كلامه الذي يتكلم به في العادة. يرجع إلى العرف، فما كان في العرف يسمى تفرقًا، سواء كان بخطوات أو بأن يغيب عن بصره أو أن يغيب عنه صوته أو ما شابه ذلك، فإنه يكون به التفرق، ويسقط الخيار. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: سئل أحمد عن تفرقة الأبدان، فقال: «إذا أخذ هذا جهة والآخر أخذة جهة أخرى، فقد تفرقا». وهذه الصورة تقريبية. يعني: يكون تفرقًا بأن يأخذ كل واحد جهة، هذا ينصرف، وهذا ينصرف. وكان ابن عمر إذا باع فأراد أن لا يقي لهم مشاهرة، مشى. حتى يسقط عنه خيار المجلس. وقد روى البخاري معلقًا عن ابن عمر: أنه اشترى من عثمان مالًا كثيرًا في الوادي، بعد أن تم العقد، قالوا: «رجع ابن عمر القهقرى اشتراعًا؛ حتى يتفرق من المجلس». قالوا: «ذهب قليلًا، ثم رجع؛ لأجل أن يتم البيع، وأن يسقط الخيار». قال: وإن كان في دار كبيرة، قالوا: فالمفارق من بيت إلى بيت، أو من مجلس إلى مجلس، أو من مجلس إلى بيت، أو نحوه. أو نحو ذلك. هذا واضح. بعض البيوت قديمًا، بل إلى اليوم، بعض الناس تجد بيته كبيرًا، داره دار فلان بن فلان، يكون داخل هذا الدار بيوت، مثلًا: بيته، بيت أخيه، أو بيت ابنه، أو ما شابه ذلك. فيقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: يكون التفرق بأن يخرج هذا من مجلس إلى مجلس آخر، أو من دار إلى دار أخرى، أو ما شابه هذا. في مجرد الخروج يكون سقط خيار مجلس، وإن كان يجمعهم الدار الكبير. قال: فإن كان في دار صغيرة، قال: «فإذا صعد أحدهم إلى السطح أو خرج منها، فقد فارقه». دار صغيرة، بماذا يتم الخيار؟ بأن يصعد أحدهما إلى السطح، يخرج من المجلس، يصعد إلى السقف، يكون فارق صاحبه، أو يخرج من البيت. خرج من البيت قليلًا، ثم رجع، يكون قد فارق صاحبه. قال: وإن كان في سفينة صغيرة، قال: «فإذا صعد أحدهم إلى السطح أو خرج منها، فقد فارقه». سفينة صغيرة، ماذا يصنعان؟ فإذا صعد أحدهم السطح، أو خرج منها، فقد فارقه. وإن كانت كبيرة، وإن كانت كبيرة، صعد أحدهم على أعلاها، ونزل الآخر في أسفلها. وهذا كله في مذهب الشافعي، وكذلك في مذهب أحمد. قال: وإن كان المتبايعان واحدًا، مثل: أن يشتري لنفسه من مال ولده، مثل: أن يشتري لنفسه من مال ولده، أو اشترى لولده من مال نفسه. لم يثبت فيه خيار المجلس. بعضهم قال: «لا يثبت له الخيار؛ لأنه تولى طرفي العقد، فلم يثبت له خيار، كالشفيع». قالوا: «ويحتمل أن يثبت فيه، ويعتبر مفارقة مجلس العقد لزومه». واضح. على المكلف الأمر. قالوا: «يحتمل أن يكون ثابتًا له الخيار، لكن بماذا يتم؟ أن ينتقل من مجلس العقد». مثلًا: عقد فيه هذا المحل، يخرج إلى خارج المحل، إذا خرج خارج المحل، يكون قد فارق المجلس. قالوا: «متى حصل التفرق لزم العقد، قصد ذلك أو لم يقصده». يعني: سواء كان قصده أو لم يقصده. الجماعة قبل أن ندخل في هذه المسألة، يعني: ما دمنا في الدار الصغيرة، واستفينة الصغيرة، إذا كان يعني: كما يقال: السفينة محبوسة، إذا كان في سجن، ممكن الجماعة في سجن، تبايعا بيعًا على فراشك، أو وسادتك، لكذا. فبماذا يتم التفرق؟ أو لا يكون بينهما تفرق، إلى أن يموت، إلى آخره. من أهل العلم قال: «أنه ما دام لم يتفرق، فإنه خيار المجلس قائم». ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه بمجرد الافتراق، والافتراق كما سمعتم يرجع إلى العرف. مثلًا: أن يأخذ هذا البضاعة، ويعطيه الثمن، يذهب هذا إلى مكان، فيضع البضاعة في شيء، مثلًا: لو حقيبة، أو لو مكان، أو شيء، وضع فيها الأغراض، والآخر وضع الأموال فيها، وكل واحد ذهب، تفرقا. فإن كان في عرف المساجين أن هذا تفرق، عرف الناس أن هذا تفرق، يكون تفرقا، وإن لم يكن فليس بتفرق. قالوا: «متى حصل التفرق لزم العقد، قصد ذلك أو لم يقصده». ماذا نستفيد؟ قصد ذلك أو لم يقصده، لم يقصده. مثلًا: تم البيع في مجلس رجل، في المجلس هم يتبايعان في بيت، يعني مثلًا: في بيت، جاءه تليفون هاتف: كيف حالك؟ أين أنت؟ قال: «لا، أنا في مكان كذا». قال: «لا، خرج أنا عند البيت منتظر في السيارة». خرج الآن، كلم صاحبه ورجع. هل أنه هنا تم التفرق أم لا؟ تم، وإن لم يقصد هو التفرق، وإنما قصد أن يجيب صاحبه. تم التفرق، فإذا تم التفرق لزمه البيع. لزم الجميع البيع، علمه أو جهله. أي: علم هذه المسألة، أو حكم خيار المجلس، أو لم يعلمه. ما دام أنهما تفرقا، يثبت لهما أو يسقط عنهما خيار المجلس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق الخيار على التفرق. وقد وجد التفرق. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». فعلق الخيار بعدم التفرق، فإذا تفرق، وجد التفرق، فقد وجب البيع. قالوا: «ولو هرب أحدهما من صاحبه». هيا يا جماعة: تم البيع، أول ما أخذ بضاعة، جرح، هرب. تم البيع. قالوا: «تم البيع؛ لأنه فارقه باختياره، ولا يقف لزوم العقد على رضاهما». قالوا: «لهذا كان ابن عمر يفارق صاحبه؛ ليلزم البيع». قالوا: «ولو أقام في المجلس، وسدلا بينهما سترًا». مثلًا: في بيت، يا جماعة: في غرفة، أو في حجرة، أو في سجن، كما ذكرنا أولًا. في مجلس، وسدلا بينهما سترًا، أو بينهما حاجز، بينهما حاجز، مثلًا: شيء من حاجز، خشبة، أو جدار، أو ما شاء الله، صغير، أو ناما، أو قاما، فمضيا جميعًا، ولم يتفرقا. ناما، ولم يتفرقا. فهل يسقط الخيار أم يبقى الخيار؟ واضح يا جماعة: الخيار باقٍ؛ لأنهما لم يتفرقا، بل ناما مع بعض، ما بينهما إلا ستر، فلم يكونا التفرق. وكذلك قاما وسارا معًا، فلم يتفرقا، وإن طالت المدة لعدم التفرق. دليل هذا: ما رواه أبو داود في «سننه» بإسناد صحيح عن أبي الرضاء قال: «غزونا غزوة لنا، فنزلنا منزلًا، فباع صاحب لنا فرسًا بغلام، ثم أقاما بقية يومهما وليلتهما، فلما أصبحا من الغد، ثم أقاما». جماعة مع بعض، يذهبان مع بعض، ونام مع بعض، وقاما مع بعض. قال: «فلما أصبحا من الغد، فحضر الرحيل، قام إلى فرسه يسرجه، فندم». أي: الآخر ندم، فأتى الرجل وأخذه بالبيع، فأبى الرجل أن يدفع إليه. أي: صاحب الفرس ندم، لما رأى الفرس يسرج، يعني: كأنه بمنظر، هيئة جميلة، ندم على البيع، أراد أن يرجع عن بيعه، فرفض البايع. فقال الرجل: «بيني وبينك أبو برزة». بيني وبينك أبو برزة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، «أين تحاكم إليه؟» قال: «فأتياه في ناحية العسكر، فقال له هذه القصة». أي: ذكر له ما حصل بينهما. فقال أبو برزة: «أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». قال: «وما أراكما افترقتما». يعني: كما ذكر في الحكاية. فباع صاحب لنا فرسًا بغلام، ثم أقاما بقية يومهما وليلتهما، فلما أصبحا من الغد، بقيا على ما كانا في محلهم، في مكان واحد، في مكان البيع، لم يتفرقا. فقال بينهما أبو برزة الأسلمي رضي الله عنه وأرضاه: بأن الخيار لازال ثابتًا لعدم التفرق. الخيار لازال ثابتًا لعدم التفرق. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا.