كتاب المعاملات 46

الدرس في كتاب المعاملات 46، ألقاها

إحياء الأرض الموات وشروطه

تطرق الدرس إلى شروط إحياء الأرض الموات وأحكامه، حيث ذكر أربعة أمور تحقق الإحياء وتجعل الأرض ملكًا لمن قام بها. كما ناقش أحكام إحياء الموات وملكيته.

أحكام إحياء الموات وتفاصيله

ناقش الدرس أحكام إحياء الموات، حيث بين أن من أحيا أرضًا ميتة فهي له، ولا يشترط إذن الحاكم في إحياء الموات. كما تطرق إلى مسألة إذن السلطان في إحياء الأرض.

تعريف الجعالة ومعناها الشرعي

عرّف الدرس الجعالة بأنها التزام عوض معلوم على عمل معين، وذكر شروط صحة الجعالة، مثل أن يكون العوض معلومًا وأن يكون العمل معلومًا ومعينًا. كما بين أهمية تحديد العمل في الجعالة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، توقفنا في الدرس الماضي عند الكلام على الباب التاسع عشر، عند المسألة الثانية في شروط إحياء الموات وما يحصل به. وتوقفنا عند قوله: «ويحصل الإحياء بأمور»، الأول: إذا أحاطه بحائط منيع مما جرت به العادة، فقد أحياه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحاط حائطًا على أرض فهي له». أي هذا الأمر الأول الذي به يحصل معنى إحياء الموات، وبه يصير ذلك الإنسان قد أحيا تلك الأرض الموات، فتصير ملكًا له، بأن يعمل حائطًا عليها، بحيث يُعلم أن هذه الأرض قد أحييت، وقد امتلكها ممتلك. والدليل على هذا ما جاء في حديث سمرة بن جندب عند أبي داود وغيره، ويصححه العلامة الألباني: «من أحاط حائطًا على أرض فهي له». واللام هنا للتمليك، أي فهي ملك له. الثاني: إذا حفر في الأرض الموات بئرًا فوصل إلى الماء، فقد أحياها، وإن لم يصل إلى الماء فهو الأحق من غيره. وكذلك لو حفر فيها نهرًا. أي هذا الأمر الثاني مما يحصل به إحياء الموات، إما أن يحفر في الأرض الموات بئرًا، فهذا من الإحياء لتلك الأرض إذا وصل إلى الماء. حفر بئرًا فوصل إلى الماء، هذا يقال فيه بأنه أحيا تلك الأرض الموات. وإذا حفرها ولم يصل إلى الماء، فهو أحق بها من غيره؛ لأنه قد عمل فيها عملًا يدل على أنه قد سبق إلى تلك الأرض، ومن سبق إلى مباح فهو أحق به. الثالث: إذا وصل إلى الأرض الموات ماءً أن أجراه من عين أو نهر أو غير ذلك، فقد أحياها بذلك. وهذا أيضًا أمر ثالث، كما ذكر رحمه الله تعالى، أنه إذا وصل إلى الأرض الموات ماءً أن أجراه من عين، يعني تكون العين تجري في طريق بعيد من الأرض الموات، فهو يعمل لها مسلكًا وطريقًا يوصل ذلك الماء إلى تلك الأرض، إما أن يعمل لها طريقًا محفورًا، وإما في مثل هذه الأيام إذا عمل أنابيب نحوها، فنقل الماء من ذلك المكان إلى تلك الأرض، فهذا من إحياء تلك الأرض. الرابع: إذا غرس فيها شجرًا، وكانت قبل ذلك لا تصلح للغراس، فنقاها وغرسها، فقد أحياها. كذلك من إحياء الموات كما ذكر، إذا غرس فيها شجرًا، أي تكون الأرض غير صالحة، إما أن تربتها غير صالحة فيغيرها بتربة أخرى، وإما أن يكون فيها شيء من الحصى أو فيها نوع من الأشجار التي تتلف الأشجار النافعة أو ما شابه ذلك، فيستصلح تلك الأرض ويغرس فيها غرسًا، يصير بذلك العمل محييًا لتلك الأرض، فيكون أحق بها من غيره. الأمر الخامس: ومن العلماء من قال إن الإحياء لا يقف عند هذه الأمور، ويرجع فيه إلى العرف، فما عده الناس إحياءً فهو إحياء، وما لا يعدهم إحياءً فلا يعتبر. وهذا أصل جامع في هذا الباب، أي في الضابط في إحياء الموات، يرجع في ذلك إلى عرف الناس. والأعراف تختلف من مكان إلى آخر، ومن زمان إلى آخر، فرب زمان يكون الإعمار فيه لا يكون في زمان آخر، ورب مكان يكون الإعمار فيه أو إحياء الموات لا يكون في المكان الآخر إحياءً، فيرجع في ذلك إلى عرف الناس، فما تعارف عليه الناس بأنه إحياء للموات فإنه يكون كذلك؛ لأن الشرع أطلق، وما أطلقه الشرع ولم يحده بحد فإن مرجعه إلى العرف. المسألة الثالثة: بعض الأحكام المتعلقة به، أي المتعلقة بإحياء الموات. قالوا: من أحيا شيئًا من أرض الموات فقد ملكه، لعموم الأحاديث المتقدمة، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له». لكن ها هنا تنبيه نبه عليه العلماء أو بعض العلماء رحمهم الله تعالى، وهو ما إذا عمم السلطان أو الحاكم حكمًا أو أمرًا بأنه لا تحيا أرض إلا برخصة، وإلا بإذن من الحاكم، فهل يكون هذا الإذن معتبرًا أم لا؟ أولًا، قبل هذا التعميم من الحاكم، الأصل أنه لا يشترط إذن الحاكم في إحياء الموات، هذا هو الأصل لا يشترط إذن الحاكم في إحياء الموات، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم، وإليه الحكم بعد الله جل وعلا، أي أنه يحكم أو يبين للناس شرع الله جل وعلا، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له»، فهذا حكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شرعي في هذه المسألة، فإذا لا يشترط إذن السلطان. الثاني: حريم المعمور لا يملك بالإحياء؛ لأن مالك المعمور يستحق مرافقه. طيب، معنى حريم المعمور هو ما حول ما أحيي من الأرض، فإنه يكون تابعًا لصاحب الأرض، لا سيما إن كان يستخدمها في مصالحه، كوضع الحطب فيها، أو وضع مثلا مواشيه فيها، أو وضع قمائمه فيها، إلى غير ذلك مما يحتاجه، فهو وإن لم يكن مالكًا لها، أي لتلك الأرض، ولكنها مختصة به. الأمر الثالث: لإمام المسلمين إقطاع الأرض الموات من يحييها، لحديث وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضًا بحضرموت. والحديث كما ذكر رواه الترمذي وغيره، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. وهذا الأمر فيه واضح؛ إذ أنه بأمر وإذن السلطان، فالأمر فيه واضح. الأمر الرابع أو الحكم الرابع: يجوز للإمام أن يحمي العشبة في أرض الموات لإبل الصدقة، وخير المجاهدين إذا احتاج إلى ذلك، ولم يكن فيه ضيق أو مضرة على المسلمين. وليس ذلك لأحد سوى إمام المسلمين، وهو مشروع للمصلحة العامة. ففي حديث صعب بن جثامة مرفوعًا: «لا حِمى إلا لله ولرسوله». ومعناه: حماه، أي جعله حمى، أي محظورًا لا يقرب. الباب العشرون: الجعالة. وفيه مسألتان. أولًا: الجعالة، الجيم فيها مثلثة، أي بتثليث الجيم، يقال جعالة وجعالة. وقولهم الباب العشرون الجعالة، أي مدخل في أحكام الجعالة. وفيه مسألتان، أي تضمن هذا الباب مسألتين. المسألة الأولى: معناها وحكمها، أي معنى الجعالة وحكمها. معناها لغة: ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله. ومعناها الشرع: الجعالة التزام عوض معلوم على عمل معين بقطع النظر عن فاعله. مثاله: أن يقول من وجد سيارة المفقودة فله الفلوس. معناه كما ذكرها هنا: معنى الجعالة التزام عوض، ومعنى التزام عوض أن يكون من أحد الطرفين أن يلتزم بعوض ما، ولابد أن يكون هذا العوض معلومًا. لابد أن يكون هذا العوض معلومًا، لذا قيل التزام عوض معلوم. والعوض المعلوم إما أن يكون معلومًا بالعدد، كان يقول من فعل لي كذا وكذا فله ألف درهم. وإما أن يكون بالوصف، أن يصف العمل، مثلا يقول من فعل لي كذا وكذا فله مثل أجرة المثل. ها هنا أجرة بماذا؟ بالوصف. أو يكون معينًا بجزء شائع، بجزء شائع، كأن يقول مثلا من وجد سيارتي فله ثلثها. فإذا العوض المعلوم إما أن يكون بعدد أو بوصف أو بجزء شائع. وقولهم التزام عوض معلوم، أي من شرط الجعالة أن يكون من الطرف الذي يطلب العمل أن يدفع العوض، وأن يكون العوض معلومًا. زاد بعضهم، قالوا: التزام عوض معلوم من جائز التصرف. فخرج من لم يكن جائز التصرف كالمجنون، كالصبي، كالسفيه؛ فإن هؤلاء لا تعتبر جعالتهم؛ لأنهم غير معتبرين؛ لأنهم غير جائزين التصرف. قالوا: على عمل معين، أي من شرط الجعالة كذلك أن يكون على عمل معين. أن يقول القائل كما ذكر: من يأتيني بسيارتي فله كذا وكذا. من يأتيني ببعير فله كذا وكذا، مثلا. من يبني لي حائطًا صفته كذا وكذا فله كذا وكذا. أن يكون ماذا؟ في شيء معين. فخرج في شيء مجهول. نكتفي بهذا القدر. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على