كتاب المعاملات 50

الدرس في كتاب المعاملات 50، ألقاها

أحكام الوقف في الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها

يتحدث هذا الفصل عن أحكام الوقف في الشريعة الإسلامية، مشيرًا إلى شروط الوقف الصحيح واستخداماته المشروعة. يشدد على ضرورة أن يكون الوقف على بر ومعروف.

شروط صحة الوقف وإدارته

يناقش هذا الفصل شروط صحة الوقف وإدارته، حيث يثبت الوقف بمجرد القول ولا يجوز فسخه أو بيعه، مع التركيز على أهمية أن يكون الموقوف معينًا. كما يتناول كيفية التعامل مع الأوقاف المتعطلة.

تفاصيل أحكام الوقف وتعليقه على الموت

يتناول هذا الفصل تفاصيل أحكام الوقف وتعليقه على الموت، مشددًا على أن يكون الوقف منجزًا وغير معلق أو مؤقت، مع استثناءات محددة لتعليقه على الموت. كما يشدد على أهمية العمل بشرط الواقف.

ختام الدرس والإشارة إلى الموضوع اللاحق

يختتم هذا الفصل الدرس الحالي بالدعاء ويشير إلى استمرار الكلام حول موضوع معين في الدرس اللاحق، معلنًا انتهاء الدرس الحالي والاستعداد للدرس التالي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، توقفنا في الدرس الماضي عند المسألة الثانية، وهي في الكلام على الأحكام المتعلقة بباب الوقف، ومضى معنا الكلام على الحكم الأول والثاني. الحكم الثالث: أن يكون الوقف على بر ومعروف، كالمساجد والمساكين وكتب العلم ونحو ذلك؛ لأنه قربة إلى الله تعالى، فيحرم الوقف على معابد الكفار أو لشراء محرم. هذا الحكم الثالث من أحكام الوقف: أن يكون الوقف على بر وعلى معروف؛ لأنه من الأعمال المقربة إلى الله جل وعلا، والذي يرجو به العبد أن تقربه إلى الله جل وعلا، فيرجو ثواب الله جل وعلا عليها. فكما ذكر، الوقف لابد أن يكون في بر ومعروف، كما مثلها هنا، كأن يوقف مسجدًا -يعني بناء مسجد- شراء أرضية لمسجد، أو يوقف شيئًا فيجعله للمساكين، أو كتبًا لطلبة العلم، أو ما شابه ذلك من أنواع القرب التي يتقرب بها العبد إلى ربه جل وعلا. فيحرم الوقف على معابد الكفار، وهذا الأمر فيه ظاهر؛ لأنه تعاون على الإثم والعدوان، ويحرم كذلك شراء محرم، أي أن يكون الوقف في شراء شيء محرم، ككتب أهل الأهواء والضلال، أو المجلات الخليعة ونحو ذلك، فإنه لا يجوز. وأشد من ذلك أن تجعل الأوقاف على ما يكون سببًا للشرك بالله جل وعلا، كالوقف على القبور والأضرحة التي يتعبد عندها أو يتعبدها عباد القبور، فمثل هذه الأوقاف لا تجوز، بل هي من أعظم المنكرات التي تبعد العبد من ربه جل وعلا. فإذا أوقف الإنسان وقفًا محرمًا أو في محرم، فالواجب تغييره إلى وقف من أوقاف البر والمعروف والطاعة، يجب تغيير الوقف المحرم إلى وقف مشروع ومحبوب إلى الله جل وعلا. الحكم الرابع: إذا تعطلت منافع الوقف ولم يمكن الانتفاع به، قالوا: يباع ويصرف ثمنه في مثله، فإن كان مسجدًا صرف ثمنه في مسجد آخر، أو كان دارًا بيعت واشتري بثمنها دار أخرى؛ لأن ذلك أقرب إلى مقصود الواقف. كذلك من الأحكام المذكورة: إذا تعطلت منافع الوقف ولم يمكن الانتفاع به، أي: مثلا إنسان أوقف مسجدًا، هذا المسجد صار مهجورًا لا يصلى فيه، انتقل الناس أو بنى الناس مسجدًا آخر أكبر وأوسع، فصار الناس إلى ذلك المسجد الآخر وترك المسجد الأول، فماذا يصنع به؟ إذا تعطلت منافع الوقف فإنه يشرع بيعه، يشرع بيعه وبيع ما فيه الوقف مما له قيمة. اجتهد العلماء رحمهم الله تعالى على جواز ذلك، بأن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لما وسعوا المسجد النبوي احتاجوا إلى استبدال بعض الأشياء ببعض، وذلك الفعل منهم يدل على إجماعهم على جواز هذا المعنى، أي: ضاق المسجد فاحتاجوا إلى توسعة، فمن أجل التوسعة ومن أجل أن يكون مسجدًا حديثًا احتاجوا إلى بيع ما في ذلك المسجد وإضافة غيره معه لبناء مسجد أوسع وأنفع للكل، فهذا يشرع. فالمسجد مثلا إذا لم يكن مسجدًا يشرع أن يباع ما فيه، مثلا أعمدة، أخشاب، أبواب، وتباع أرضيته وما شابه ذلك. وما كان من ذلك الثمن أو المال الذي يكون بذلك البيع، إن استطيع أن يبنى به مسجد آخر فعل، وإلا أدخل مع مال غيره في بناء مسجد، فإن لم يكن فعل به ما يكون أقرب إلى مقصد صاحب الوقف. وهذا في الأوقاف الثابتة، أما الأوقاف المنقولة، الأوقاف المنقولة كمصاحف مثلا، إنسان أوقف مصاحف أو كتبًا على مسجد، وكانت المصاحف كثيرة في ذلك المسجد لا يحتاجون إلى ذلك العدد الكبير، عندهم ما يكفي زيادة، أو كتب عندهم من تلك الطبعات أو تلك الكتب نسخ لا يحتاجون إلى زيادة، فمثل هذا له أن ينقل -يعني ينقل ذلك الوقف- إلى مسجد آخر مثله، إلى مسجد مثل أن ينتقل بالمصاحف مثلا إلى مسجد يحتاج إلى مصاحف، إلى مسجد يحتاج إلى كتب وهكذا؛ لأن الغرض والمقصد من الوقف الانتفاع الذي يثمر لصاحبه بإذن الله جل وعلا. فكما ذكر، والقاعدة في هذا الباب كما ذكر من ذكر من أهل العلم: أنه يشرع تبديل أو تغيير الوقف المعطل إلى مثله أو أولى منه، إلى مثله أو أولى منه إذا تعطل الوقف، فإنه يشرع تغييره بمثله أو بما هو أعلى وأولى منه، لا ما هو أدنى. الحكم الخامس: الوقف عقد لازم، يثبت بمجرد القول، ولا يجوز فسخه ولا بيعه، بمعنى أنه بمجرد أن يقول الإنسان مثلا: «وقفت داري هذه» أو «وقفت أرضي هذه» وتلفظ بذلك، فإنه يثبت الحكم بمجرد اللفظ، ويصير ذلك الشيء وقفًا لله رب العالمين جل وعلى، يصير وقفًا لله جل وعلى بمجرد اللفظ. قالوا: ولا يجوز فسخه، أي: لا يجوز فسخ ذلك العقد؛ لأنه من العقود اللازمة، ولا يجوز كذلك بيع ذلك الوقف؛ لأنه خرج عن ملكه، صار ملكًا لله جل وعلى؛ لأنه حبس أصله ونية أن يكون ريعه وثمرته لله رب العالمين جل وعلى، أي: لمن أوقفه عليهم رجاء ثواب الله جل وعلا، رجاء ثواب الله جل وعلا، فهو خرج من ملكه بلفظه وتلفظه خرج من ملكه. فصار إن كان الوقف عامًا وقفًا لله جل وعلى في قربه، وإن كان على معين فهو لمن أوقفه له أو لهم، مثلا لو قال: «أوقفت هذه الدار على الزيت» فهي تمليك وقف معين بمعين على معين، فإنه يكون في هذه الحال ملك ريعه وثمرته لذلك المعين، أو قال لفلان أو لآل فلان كذلك. وأما إذا قال: هذا أو هذه مثلا الحديقة أو البستان للفقراء، أو «أوقفتها لله جل وعلا» فهذا يكون لله جل وعلا، ويكون لكل من يستحقه عرفًا، يكون لكل من يستحقه عرفًا، أي: جرت عادة الناس وعرف الناس أن أصنافًا يستحقونه، كالمساكين، كالغزاة مثلا في سبيل الله، كطلبة العلم، كالأيتام، وما شابه ذلك، فإنهم يشتركون في هذا المعنى، يشتركون في ذلك الوقف. السادس: أن يكون الموقوف معينًا، فلا يصح وقف غير المعين، كما تقدم معنا في الدرس الماضي، لا يصح وقف المعين، ولسيما إذا كان مجهولًا. أما إذا كان غير معين باعتبار وهو معين باعتبار آخر، فعلى الصحيح من أقوال أهل العلم بأن ذلك الوقف يصح، كما مثلنا في الدرس الماضي، كأن يقول إنسان: «أوقفت داري لله رب العالمين جل وعلا» أو «على الفقراء» أو «على المساكين» أو «على طلبة العلم» أو «على حفظة القرآن» أو على ما أوقفه عليه، وكان مثلا عنده ثلاثة دور متساوية من جميع الجهات، يصح الوقف ها هنا، ويقرع بين هذه الدور، فما خرج بالقرعة كان وقفًا على ما ذكره وأوقفه ذلك المالك لذلك الشيء. السابع: أن يكون الوقف منجزًا، فلا يصح الوقف المعلق ولا المؤقت إلا على موته، أن يكون منجزًا، أي: مباشرة «أوقفت كذا» فيكون عقب التلفظ موقوفًا ذلك الشيء. قالوا: فلا يصح الوقف المعلق، المعلق كأن يقول: «إن شفى الله مريضي فهذه الدار وقف لله رب العالمين» أو «على المساكين» أو «على الأيتام»، هذا وقع فيه نظر، هل يصح ذلك الوقف أم لا؟ والصحيح من أقوال أهل العلم أنه يصح إذا وقع إذا وقع ذلك الشيء المعلق به ذلك الوقف، كغيره من الأمور التي تعلق فتقع بوقوعها، كالنذر وكالأيمان وما شابه ذلك، هذا على الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يقع، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم. وأما المؤقت فإنه لا يصح؛ لأنه منافٍ لمعنى الوقف؛ لأن من معاني الوقف الاستمرار والديمومة، فلو أن إنسان قال: «أوقفت داري لمدة سنة»، هل يصح هذا الوقف؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنه منافٍ لمعنى الوقف، لكن يكون صدقة من الصدقات، وهيبة من الهبات، أما وقف فلا. قالوا: إلا على موته، بمعنى أنه يصح أن يعلق الوقف على موته، كأن يقول: «داري أو أرض الفلانية أو مال الفلان وقف لله جل وعلا إن أنا متُّ» فهذا كما ذكر، هذا التعليق يصح به الوقف، لكن بقيد وشرط، ما هو هذا الشرط؟ الشرط أن يكون بالثلث فما دون؛ لأنه في هذه الحالة يكون حكمه حكم الوصية، وإن زاد على الثلث فهو موقوف على إذن الورثة، إن أذنوا مضى، وإن لم يأذنوا فلا يمضي إلا بالثلث؛ لأنه في معنى الوصية. الثامن من الأحكام: قالوا: يجب العمل بشرط الواقف إذا كان لا يخالف الشرع، وهذا قيد مهم، بمعنى أن ما اشترطه الواقف من الشروط في الوقف، فإنه فإن الشروط تكون معتبرة ما لم تحل حرامًا أو تحرم حلالًا، أي: إذا كانت مشروعة، إذا كانت مشروعة. كان يقول مثلا: «أوقفت داري هذه على مثلا آل فلان»، هذا شرط، إذن يعمل به. يقول: «أوقفت داري هذه مثلا على أن يكون ريعها مثلا ثلث للجهة الفلانية» مثلا الفقراء، «وثلث للغزاة وثلث مثلا لطلبة العلم»، يصح ذلك ويعمل بذلك الشرط. إذا قال: «أوقفت داري هذا بشرط أن يكون الثلث لأسرتي والثلث مثلا لكذا وثلث لكذا»، يصح الشرط. إن قال: «أوقفت داري على أن أكون أنا الناظر عليها»، صح الوقف. إن قال: «أوقفت داري على أن يكون زيد هو الناظر عليها»، صح ذلك الشرط وكان معتبرًا. لكن إذا قال: «أوقفت داري هذا بشرط أن يعطى ثلثها لإحياء الموالد أو إحياء زيارات الشركية أو البدعية»، فإن هذا الشرط لا يعتبر، فيلغى، شرط فاسد يلغى، يكون غير معتبر، يكون غير معتبر كأنه غير موجود؛ لأنه غير مشروع، شرط غير مشروع. التاسع من الأحكام: قالوا: إذا وقف على أولاده استوى فيه الذكور والإناث، أي: لا يكون حكمك حكم الوراثة للذكر مثل حظ الأنثيين، بل يكونون سواء، الذكور والإناث في القسمة، إذا قال: «أوقفت هذه الدار على أولادي»، يكون للذكر مثل ما للأنثى، وللأنثى مثل ما للذكر؛ لأن هذا وقف وليس من باب المواريث، وهو كذلك من باب الهبات والعطايا، على ما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا من ذكر الخلاف: هل يعامل عطايا الأولاد والبنات كالمواريث أم أنهم يعطون بالسواء؟ سيأتي معنا الكلام على هذا في الدرس اللاحق. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. في الدرس اللاحق إن شاء الله.

شاركنا على