كتاب المعاملات 34

الدرس في كتاب المعاملات 34، ألقاها

تعريف المزارعة والمساقاة وأحكامها العامة

المزارعة والمساقاة عقدان جائزان بين المالك والعامل، ويتمثل جوهرهما في دفع الأرض أو الشجر للعمل مقابل جزء مشاع معلوم من الثمرة. كلا التعاملين مبني على الرحمة والتعاون.

شروط صحة المساقاة والمزارعة

يشترط في المساقاة والمزارعة أن يكون العاقد جائز التصرف، وأن يكون الشجر أو الأرض معلومًا، وأن يكون للشجر ثمر مأكول، وأن يكون الجزء المعلوم مشاعًا. هذه الشروط تحقق العدالة بين الأطراف.

الأحكام والمسؤوليات في المزارعة والمساقاة

توزيع الثمار، وفسخ العقد، ومسؤولية العامل عن التلف هي من الأحكام الهامة في المزارعة والمساقاة. يتحمل العامل المسؤولية في حالة التفريط أو التعدي، بينما يتحمل رب المال الخسارة في حالة عدم وجود إهمال.

  • 28 جمادى الآخرة 1434هـ - 08/05/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب الثاني عشر من أبواب كتاب المعاملات من كتاب الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة: المزارعة والمساقاة، وفيه مسائل. المسألة الأولى: معناها وحكمها، أي معنى المزارعة والمساقاة وحكمهما. قال: معناهما عندنا في نسختنا: معناها وحكمهما. في التعريف قال: معناهما، وهو الصواب. فالأظهر أن قوله: «المسألة الأولى: معناهما وحكمهما» وما أدى هكذا في النسخة الأخرى. ها: معناهما. معناهما طيب. في النسخة الأخرى: معناهما. قال: وحكمهما، أي معنى المزارعة والمساقاة وحكم المزارعة والمساقاة. قال: المزارعة: دفع أرض لمن يزرعها، أو حب لمن يزرعه ويقوم عليه بجزء معلوم مشاع من الثمرة. إذن المزارعة كما ذكر في تعريفها: دفع أرض لمن يزرعها. إذن عندنا طرفان: الطرف الأول صاحب الأرض، والطرف الثاني العامل في تلك الأرض. فيدفع صاحب الأرض الأرض إلى ذلك العامل. هذه صورة. قال: أو حب لمن يزرعه، أو يدفع حبًا ليزرعه ذلك العامل ويقوم عليه، أي يعمل بذلك البذر أو لذلك البذر ما يحتاج إليه لأجل أن يزرع بجزء معلوم، أي مقابل جزء معلوم مشاع من الثمرة. إذا لابد أن يكون في جزء معلوم، وأن يكون ذلك الجزء المعلوم مشاعًا، أي لا يكون معينًا محددًا بتحديد عيني. كان يقول: أريد أن أزرع لهذه الأرض مقابل مثلاً عشرة آصع من الأرض، أو عشرون آصع، أو ما شابه ذلك. لكن يقول له: بالثلث، بالربع، بالنصف، بالخمس، على ما يتفقان من الجزء المشاع من الثمرة. قالوا: من الثمرة، بجزء مشاع من الثمرة، أي من الخارج من الزرع. من الخارج من الزرع والثمرة، ليس المراد به الثمرة خصوصًا، لكن ما يخرج. فقد يخرج ثمرة، وقد يكون ذلك الشيء مما لا يثمر، كأن تكون من البقول أو ما شابه ذلك. فيتزارعان على ماذا؟ على الثلث مما تخرجه الأرض، مما تخرجه الأرض، أو على النصف، أو على ما شابه ذلك. هذا هو حد المزارعة. قالوا: المساقاة: دفع شجر مغروس معلوم له ثمر مأكول لمن يعمل عليه بجزء مشاع معلوم من الثمرة. إذن المساقاة: دفع شجر مغروس معلوم، يعني كان يكون رجل عنده نخل، كان يكون رجل عنده نخل، ومن عادة النخل أنها تثمر. فيدفع ذلك الرجل تلك النخلات إلى من يعمل عليها، من يقوم بها، مقابل كذلك مقابل جزء مشاع، جزء معلوم مشاع من الثمرة. كان يقول كما تقدم: لي الثلث ولك الثلثان، أو لي النصف ولك النصف، أو ما يتفقان عليه. لكن لابد أن يكون ذلك الشيء مشاعًا، أن لا يكون معينًا. وهذا في باب ماذا؟ في باب المساقاة، وفي باب المزارعة. لكن من باب الفائدة والتنبيه، وقد ذكرت مسألة الإجارة قبل المزارعة والمساقاة، وكأن ذلك للتنبيه على العلاقة بينهما، أي بين هذه المعاملات. فيجوز لإنسان أن يعامل إنسانًا كما تقدم بصورة المزارعة أو بصورة المساقاة. ويجوز لإنسان عنده أرض أن يؤجرها، أن يؤجرها بالنقد أو بشيء من العروض أو ما شابه ذلك مدة معلومة، على ما تقدم معنا في درس الإجارة. كأن يكون إنسان عنده أرض، فيقول إنسان آخر: سأجر عليك هذه الأرض مثلاً لمدة ثلاث سنين، في كل سنة أريد منك أن تدفع لي مثلاً عشرة آلاف ريال يمني، أو مئة ألف ريال يمني. فقال: نعم. اتفقا على هذا. فالرجل العامل يعمل بتلك الأرض ويزرع فيها ما اتفقا على الزرع فيها. وما خرج فهو له، قل أو كثر. لكن يعطي ذلك أي صاحب الأرض أجرته مئة ألف كل عام. هذا جائز. هذا جائز على الصحيح من أقوال أهل العلم، أن يؤجر إما بالنقد، وإما بشيء من العروض، بشيء من العروض مثل ماذا؟ كأن يقول له: سأؤجر لك هذه الأرض مقابل أو لمدة ثلاث سنين مثلاً مقابل هذه السيارة، أو مقابل هذه الثياب، أو ما شابه ذلك. هذا كذلك جائز. وهذه من الإجارة الجائزة. لكن الإجارة هناك نوع من الإجارة، أو ما يسميه الفقهاء المؤاجرة، منهي عنها، وهو ما يكون من خارج من الأرض، كأن يقول له: سأجر عليك هذه الأرض مقابل أن تعطيني مما تخرج الأرض مثلاً كل عام عشرة آصع مثلاً من التمر. قالوا: هذا منهي عنه. لماذا؟ لأن المزرعة أو تلك الأشجار قد تخرج هذا القدر فقط، فيكون العامل ليس له شيء. وقد تخرج أقل، فيكون ماذا؟ فيه ضرر. والشريعة لم تأت بهذا، بل جاءت بماذا؟ بغاية الرحمة والحكمة والتعاون. إذن المؤاجرة على شيء كما تقدم، على شيء سواء كان نقديًا أو كان شيء من العروض، جائز. أو شيء من العروض هذا جائز. قالوا: العلاقة بين المزارعة والمساقاة أن المزارعة تقع على الزرع كالحبوب. المزارعة تقع على الزرع كالحبوب وما كان كذلك في معناها. الحبوب كما ذكر: البطاطس، الطماطس، وما شبه ذلك من الأشياء التي تزرع كل عام، تحتاج إلى مدى الزرع، أي تبدر، يوضع البذر، ثم تزرع وتخرج ماذا؟ ثمارها. تسمى ماذا؟ تسمى مزارعة. والمساقاة تقع على الشجر كالنخيل، أي على الأشجار التي لها أصول تبقى مستمرة دائمة كالنخيل، كما ذكر، وكأشجار العنب، كأشجار الرمان، وما شابه ذلك من الأشجار التي تبقى أصولها. فإذا زرعت وجاء موسم الثمار أثمر، ثم بعد ذلك تبقى على ما هي عليه، أي الشجر قائمة. هل تسمى ماذا؟ مساقاة. العمل فيها مساقاة. قالوا: في كل منهما للعامل جزء من الإنتاج، أي جزء مشاع. الثاني: حكمهما، أي حكم المساقاة والمزارعة: مشروعتان، وهما من العقود الجائزة لحاجة الناس إليها. من العقود الجائزة، أي ليست الواجب المرزمة. على ما سيأتي معنا. ومعنى الجائزة أن لأحدهما أن يفسخ أن يفسخ العقد، ثم يترتب على ذلك الفسخ ما يترتب عليه، على ما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا في المسألة الثالثة من هذا الباب. قالوا: فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع. فهذا دليل للمزارعة وللمساقاة. المسألة الثانية: شروطهما، أي شروط المساقاة والمزارعة. الأول: أن يكون عاقدهما جائز التصرف، فلا يقعان إلا من بالغ حر رشيد. لابد أن يكون المتعاقد لهذا العقد وفي هذا العقد أن يكون ممن يوصف بأنه جائز التصرف، بأن يكون بالغًا، وأن يكون حرًا، أن يكون عاقلاً. لأن غير البالغ الصغير يغلب عليه السفه. والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. وأما الحر أو العبد فإنه مشغول بيده. فإن ذمته مشغولة بالقيام بمصالح سيده. وأما الرشيد لأنه هو الحازم الذي يستطيع كذلك أن يدير الأموال، فهو على خلاف، بخلاف ماذا؟ بخلاف السفيه الذي لا يستطيع ذلك. الثاني من الشروط: أن يكون الشجر معلومًا في المساقاة، أي أن يقول لهم: نتعامل المساقاة على خمسين نخلة مثلاً، على مئة نخلة، على ما يتفقان عليه. لا يكون الأمر مشاع دون تعيين، لأنه يكون سببًا للخصومة. وهذه من العقود، فإذا ينبغي أو يجب فيها أن تتوفر فيها العلم بما يتعاقدان عليه. يجب فيها العلم بما يتعاقدان عليه. لماذا؟ لأنهم قد يقول يتعاقدان، ثم يأتي إنسان آخر يعرض مثلاً على صاحب تلك النخلات عرضًا أحسن. يكون مع الأول على الشطر، يقول له: سأعطيك ماذا؟ ثلثين، ولي ثلث فقط. فيأتي إلى الأول يقول له: اسمع، اتفقنا على هذه النخلات فقط، أما بقية النخلات ما عندنا عقد ولا اتفقنا عليه. فيشب ماذا؟ نزاع وخصومة. إذن لا بد من تعيين، لا بد من تعيين الشجر، وكذلك تعيين البذر، حتى يدخلان جميعًا المعاملة على علم. الثالث: أن يكون للشجر ثمر مأكول من نخيل وغيره، أن يكون للشجر ثمر مأكول، أي ينتفع به، لأنه هو المقصود بالعرض. فإذا لا بد أن يكون للشجر ثمر ينتفع به مما ينتفع به العامل والمالك. الرابع: أن يكون للعامل جزء مشاع معلوم مما يحصل من ثمر الشجر أو من الغلة كالثلث أو الربع ونحو ذلك. أن يكون للعامل ولصاحب المال المالك أن يتفقا على نسبة المشاعة. وكما قال من قال من العلماء رحمهم الله تعالى، كالعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى وغيره: أن هذه المعاملات فيها معنى شركة المضاربة. فيها معنى شركة المضاربة، لأن أحدهما أحد الشريكين يدفع المال، والآخر عامل في ذلك المال. فإذن يجب أن تكون فيه الشروط ما تكون في شركة مضاربة، ومنها أن يكون في جزء معلوم، أي لكلا الطرفين، سدا للخصومة، ولألا يفتح بابًا ولألا يفتح باب لأبواب الشقاق أو ما يتواصل فيه إلى أكل أموال الناس بغير حق. المسألة الثالثة: الأحكام المتعلقة بهما، أي المتعلقة بهذه المسائل: المزارعة والمساقاة. ويدخل فيها كذلك مسألة المخابرة كذلك في معناها. المخابرة كذلك في معنى المزارعة وفي معنى كذلك المساقاة، إذ أن أحد الطرفين يكون مالكًا لأرض فيدفعها لمن يعمل عليها بنسبة مشاعة، بنسبة مشاعة بينهما. فيدخل فيه كذلك المخابرة. وكما ذكر من ذكر من أهل العلم أن المزارعة والمساقاة والمخابرة في المعنى والحكم واحد، وإن فرق بعضهم بين هذه الصور الثلاثة. قال: المسألة الثالثة: الأحكام المتعلقة بهما. قال: ويتعلق بهما الأحكام الآتية: واحد: يلزم العامل أن يعمل كل ما يؤدي إلى صلاح الثمرة من حرث وسقي ونظافة وصيانة وتلقيح النخل وتجفيف الثمر وغير ذلك. أي أن العامل أمين. والأصل في الأمين أن يقوم بالأصلح. الأصل في الأمين أن يعمل وأن يقوم بالأصلح في جميع أموره، ومنها ما ذكر. ومنها ما ذكر ها هنا، أي أن يسعى جادًا في إصلاح الأرض، في إصلاح الثمرة، في جعلها من النوع الجيد ما استطاع، من تلقيح، من تهيئة، إلى غير ذلك مما يعرفه أهل الخبرة في ذلك. فهذا مما يلزم به العامل، ويكون واجبًا عليه لأنه أمين. الثاني: على صاحب الأرض العمل على كل ما يحفظ الأصل، لا يكون سببًا لإفساد الأصل. كأن يكون رجل عنده نخل فيسعى إلى إفسادها، هذا لا يجوز. بل يسعى إلى ماذا؟ إلى إصلاحها كذلك والحفاظ عليها ما استطاع. قال: كحفر البئر، وتوفير المياه، وإقامة الجدران والحواجز، وجلب الآلات، ومضخات المياه، أي لأجل أن تبقى الأشجار، ومنها تخرج الثمار التي وقعت تلك المعاملة عليها. الثالث: يملك العامل حصته بظهور الثمرة. يملك العامل حصته بظهور الثمرة. إذا ظهرت الثمرة تقاسم بالنسبة، فيأخذ العامل حصته ويمضي، وما تبقى فهو لمن؟ لصاحب الأصل. الرابع: قال: لكل عاقد فسخ العقد متى شاء، لأنهما عقد جائز غير لازم، أي عقد المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة، أي الغير ملزمة لكلا الطرفين. فلأحد الطرفين أو لكليهما أن يفسخ متى شاء. قال: فإن انفسخ العقد وقد ظهر الثمر، فهو بين العاقدين على ما شرط. لأن الثمر إذا ظهرت استحق العامل حقه منها. استحق العامل حقه منها. قال: فإن فسخ العامل قبل طلوع الزرع وظهور الثمرة، فلا شيء له. لماذا؟ لأنه لم يأت بالعمل على وجهه، أي لم يكمل العمل الذي اتفق عليه إلى نهايته، وكان الانسحاب من جهته، والفسخ من جهته، فلا يستحق شيئًا. لأنه رضي بإسقاط حقه كعامل مضاربة. أما إن فسخ رب المال قبل ظهور الثمرة وبعد الشروع في العمل، فالعامل أجرة عمله. لأنه ماذا؟ لأن الخلل كان من غيره. الآن عندنا الخلل أو الانسحاب قد يكون بعد أو قبل ظهور الثمرة، قد يكون من العامل. فإذا كان من العامل فليس له شيء. لماذا؟ لأنه أسقط حقه. وقد سُخ العقد بينه وبينه، فيقال له: إذن حقه اعطيه حقه عمله الذي عمل تلك الأيام وتلك الشهور، يستحق عليها أجرة تقدر بتقدير أهل الخبرة، ويعطى حقه. ثم تنفسخ تلك المعاملة. تنفسخ تلك المعاملة. وهذا من العدل. الخامس: قالوا: لو ساقاه أو زرعه في مدة تكمل فيها ثمرة غالبًا، فلم تحمل تلك السنة، فلا شيء للعامل، ولا شيء لصاحب المال. لأن العقد بينهما كما تقدم كالمضاربة. إن ربحا إن ربحا كان بينهما بالنسبة المتفق عليها، وإن لم يربحا فلا شيء لهما جميعًا. وإن وقع شيء من التلف من غير تفريط أو تعدي، فلا شيء على العامل. يتحمل رب المال ما حصل من التلف. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على