الدرس في كتاب المعاملات 3، ألقاها
يبدأ الدرس بشرح خيار الشرط في البيع، وهو نوع من الخيارات يسمح للمتعاقدين بالتراجع عن العقد خلال مدة محددة. هذا الخيار يتيح المرونة في التعاملات التجارية.
يتعمق الدرس في شرح تفاصيل خيار الشرط، حيث يبين أن هذا الخيار يختلف باختلاف السلع والأحوال، ويبدأ وقت الخيار بمجرد العقد. كما يتناول آراء العلماء في تحديد مدة خيار الشرط.
ينتقل الدرس إلى شروط صحة البيع، مؤكدًا على أهمية التراضي بين البائع والمشتري. كما يوضح الفرق بين الإكراه بغير حق والإكراه بحق، مثل إكراه الحاكم لسداد الديون.
يختتم الدرس بذكر جملة من المسائل التي سيتم التطرق إليها لاحقًا، ويختم بالدعاء والاستغفار، مما يعطي إشارة إلى استمرارية الموضوع في الدروس القادمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، توقفنا في الدرس الأخير عند المسألة الرابعة، وهي في الكلام على مسائل الخيار في البيع. ومما مر معنا خيار المجلس، وتقدم معنا في الدرس الماضي خيار المجلس، أي الخيار الذي يثبت للمتبايعين ما داما في مجلس البيع. وكما مر معنا وذكر في الدرس الماضي أن ذلك المجلس يختلف باختلاف الأحوال وباختلاف الأشخاص وباختلاف الأمكنة؛ لأنه كما ذكرنا قد يكون مجلس البيع في محل من محلات البيع، وقد يكون البيع والشراء في أثناء طريق، رجل يرى مع رجل آخر شيئًا فيقول: لو تبعني هذا الشيء، فيقول: نعم، فيحصل البيع وهما يسيران. وقد يكون وهما يركبان، وقد يكون إلى غير ذلك. فالخيار أو مجلس الخيار يختلف باختلاف الأحوال، أحوال ذلك البيع. ومضى معنا في الدرس الماضي أن العبرة في ذلك راجعة إلى العرف؛ لأن صور مجلس الخيار مختلفة. وقد جاء في صحيح مسلم أن ابن عمر رضي الله عنهما -وهو راوي حديث البيع بالخيار ما لم يتفرقا- أنه كان إذا اشترى سلعة وخشي أن يرجع صاحبها، خرج فارق صاحبه ثم رجع؛ من أجل ماذا؟ من أجل أن يتم البيع. يعني مثلًا يأتي إلى صاحب الدكان: بكم هذا الثوب؟ يقول له: بألف ريال، يدفع الألف الريال، يأخذ الثوب ويمشي، يخرج خارج المحل، إذا خرج خارج المحل قد تم التفرق، ثم يرجع مرة أخرى يقول له: بكم هذا الثوب الآخر؟ الآن هل هناك خيار في الثوب الأول؟ ليس هناك خيار؛ لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «بيعًا بالخيار ما لم يتفرقا». وجاء في سنن ابن ماجه وغيره بإسناد حسن أن رجلين كانا في غزو، فغنم، فباع أحدهما للآخر فرسًا بعبد، وبقي ليلتهما أو يومهما ذاك في مكانهما لم يتفرقا، فلما أصبح وقام الذي اشترى الفرس يسرج الفرس، ندم صاحب الفرس، فقال له: رد علي فرسي وخذ عبدك. فقال له: لا، قد تم البيع بيني وبينك. فقالا: لو نتحاكم إلى أبي برزة الأسلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتياه، فقال لهما أبي برزة الأسلمي: هل ترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالا: نعم. فقال: فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «بيعًا بالخيار ما لم يتفرقا». قال: وما أراكما قد تفرقتما. واضح، جماعة باعا، وبقي في نفس المكان، ناما معًا، جلسا في نفس المكان. لما أصبح هذا قالوا: نريد ماذا؟ فرسي. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «بيعًا بالخيار ما لم يتفرقا»، وهذا لم يتفرقا. فأبو برزة الأسلمي حكم بينهما بهذا الحكم: «البيع بالخيار ما لم يتفرقا»، ولو طالت المدة، ولو طالت المدة. واضح، هذا جماعة -كما ذكرنا- يعني هذه الصورة، أو يكون يسيران في مكان لا يفترقان في سفر، في سيارة، هذا بجانب صاحبه، هذا اشترى من هذا -مثلًا- جوالًا، فالسيارة في باص ساعة وساعتان وثلاث ساعات، فبعد ثلاث ساعات قال له: هات الجوال، تراجعت عن البيع، هل له أم لا؟ ما دام لم يتفرقا له أن يتراجع؛ له أن يتراجع. ثانيًا: خيار الشرط، قال: وهو أن يشترط المتعاقدان أو أحدهما الخيار إلى مدة معلومة لإمضاء العقد أو فسخه، فإذا انتهت المدة المحدودة المحددة بينهما من بداية العقد ولم يفسخ صار لازما. هذا النوع الثاني من أنواع الخيار، وهو ما يسميه فقهاء -رحمهم الله تعالى- بخيار الشرط. ومعنى خيار الشرط -كما ذكر- أن يأتي -يعني يذهب- مشترٍ إلى بائع، مثلًا إلى معرض سيارات: بكم هذه سيارة؟ يتبايعان حتى يتفقا على السعر، يقول: خذ المال، والآخر يأخذ السيارة، فيقول أحدهما أو كلاهما: أشترط عليك مدة، أشترط عليك مدة، أو كلاهما يقول للآخر: كل واحد منهما يقول للآخر: أشترط مدة، إن بدا لي أن أتراجع فلذلك، وإن بدا لي أن أمضي أمضي. فإما أن يكون الشرط من كلا الطرفين، وإما أن يكون من طرف واحد، كل ذلك يصح، كل ذلك يصح. من الطرفين -كما سمعتم- البائع يقول: اعطني أو يقول: بيني وبينك خيار، أو المشتري يقول للبائع: بيني وبينك خيار مدة -مثلًا- ثلاثة أيام. فخلال هذه المدة الثلاثة الأيام، إن بدا لأحدهم التراجع فله أن يتراجع؛ لماذا؟ لأن الخيار -كما مر معنا- عقد البيع الذي هو بيع، وفيه خيار -سواء خيار مجلس أو خيار شرط- العقد فيه لا يكون لازمًا، وإنما يكون ماذا؟ جائزًا. العقد فيه يكون ماذا؟ جائزًا، ليس بملزم لأحد الطرفين. فمثلًا أخذ السيارة، وبينهما مدة -مثلًا- ثلاثة أيام، أخذ السيارة، مشى فيها، ما عجبته السيارة، أو رأى سيارة أخرى أحسن منها بسعر مناسب، خلال مدة الخيار له أن يرجع إلى صاحب المعرض، ويقول له: يا أخي، بدا لي أن أتراجع عن البيع، هل له ذلك أم لا؟ نعم، له ذلك؛ ما دام أنه في مدة ماذا؟ في مدة الخيار. لكن إن انتهت المدة، انتهت المدة، المدة ثلاثة أيام، جاء في اليوم الرابع إلى صاحب المعرض، قال له: يا أخي، بدا لي أن أرجع السيارة، أو في اليوم الخامس، هل له أن يرجعها؟ لا؛ لماذا؟ لأن العقد يصير في هذه الحال واجبًا ملزمًا. واضح هذا، أخي أم لا؟ في هذه الفقرة، أو في هذه المسألة، ما سيذكره العلماء -رحمهم الله تعالى- أولًا قولهم: وهو أن يشترط المتعاقدان أو أحدهما خيار الشرط، إما أن يكون -كما سمعتم- من كلا المتعاقدين، وإما أن يكون من أحد المتعاقدين، إما البائع، وإما المشتري. فإن كان لأحدهما، فالخيار يكون من جانب واحد، فإن كان لأحدهما فإن الخيار يكون من جانب واحد، أما الجانب الآخر فليس له ماذا؟ الرجوع. فيكون ملزمًا لطرف، وليس ملزمًا لماذا؟ لطرف آخر. واضح هذا، يا جماعة؟ يعني مثلًا: أنا مشترٍ، ذهبت إلى صاحب محل: بكم هذه السيارة؟ قلت له: كذا وكذا، اتفقنا على السعر، قلت له: يا أخي، أشترط شرطًا. ما هو هذا الشرط؟ اعطني مدة ثلاثة أيام -مثلًا- إن أعجبتني السيارة أخذتها، وإن ما أعجبتني فسأرددها عليه. فقال لك ذلك الشرط، ها هنا من جهة واحدة، ومن جهتين. من جهة واحدة -واضح- من جهة المشتري. فإن بدا لي أن أرجع السيارة خلال هذه المدة، الأمر بالخيار. لكن هل لصاحب السيارة أن يرجع السيارة؟ يقول: بدا لي أن لا أبيعها. بعد أن نتفرق أنا وهو، الجواب: ما هو؟ يا جماعة، ليس له ذلك؛ لماذا؟ لأنه خيار شرط من جهة واحدة، خيار شرطي من ماذا؟ من جهة واحدة. واضح هذا، يا أخوة أم لا؟ ثم قولهم: لإمضاء العقد أو فسخه، فإذا انتهت المدة المحدودة بينهما -المدة المحدودة- كذلك هل لخيار الشرط مدة محدودة أم لا؟ خلاف بين العلماء -رحمهم الله تعالى- منهم من حده بمدة معلومة، بل منهم من قال: ليس هناك خيار شرط أصلا. والصحيح: أن هناك خيار شرط. الثاني: هل له -يعني أي شيء- الدليل على أنه هناك خيار شرط؟ أدلّة كثيرة، منها ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في شأن ذلك الرجل الذي كان يخدع في البيع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قل لهم: لا خلابة، ويقول لك الخيار ثلاثة أيام». «قل لهم: لا خلابة، ويقول لك الخيار ثلاثة أيام»، فإن بدا لك أن تمضي أمضيت، إن بدا لك أن ترجع فلترجع. وجاءت في هذا الباب كذلك أحاديث أخرى بهذا المعنى. الشاهد من هذا -مما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى- هل لخيار شرط مدى معلومة، أو محددة، أو معينة؟ بمعنى: هل يحج بيوم واحد، بثلاثة أيام، بأكثر، بخمسة أيام؟ أم أنها مطلقة؟ مختلف فيها. العلماء -رحمهم الله تعالى- منهم من حده بثلاثة أيام، ومنهم من أطلق الحكم، وقال: بأن ذلك يختلف باختلاف السلع، وباختلاف الأحوال. وهذا هو الراجح، وهذا هو الراجح؛ لعدم الدليل أولًا على التحديد، ثانيًا: أن السلع تختلف؛ السلع تختلف في اختبارها، وفي النظر فيها. بعضها قد تحتاج ماذا -كما يقال- إلى وقت يسير، وبعضها لا يستطيع الإنسان أن يميزها أنها صالحة، أنها جيدة، أو غير جيدة إلا بعد ماذا؟ إلا بعد مدة. لذا كما ذهب إلى ذلك الإمام مالك -رحمه الله تعالى- وغيره من الفقهاء: إلى أنه لا مدة محدودة لذلك، وإنما يرجع في كل شيء إلى ماذا؟ إلى حال السلعة. حال السلعة قد تكون يسيرة، ما تحتاج إلى أن يقال: بعد ثلاث أشهر، أو بعد شهر. وشيء آخر: قد يكون ما تحتاج إلى مفاقدة، يقول له: خلال شهر، أنظر في البيت -مثلًا- بيت، ما يدر كيف حاله؟ يتفقد البيت، أو سيارة، أعطني -مثلًا- ثلاثة أيام، خمسة أيام، أسبوع، أنظر فيها، وما شابه ذلك. فإن اتفقا على الشرط، فالشرط قائم بينهما، والمسلمون على شروطهم، والمسلمون على شروطهم. هذا أو هذه مسألة. مسألة أخرى: في قولهم: فإذا انتهت المدة المحدودة بينهما من بداية العقد. متى تبدأ المدة المحدودة؟ متى تبدأ المدة المحدودة؟ مثلًا اتفقا على أن يكون الشرط بينهما -مثلًا- يومًا وليلة. إنسان أخذ -مثلًا- سيارة من صاحب معرض، قالوا: اعطني أو اشياء عليك يومًا وليلة، أتفقد هذه السيارة، وأنظر فيها، إن بدا لي أن أخذ أخذتها، وإن بدا لي أن أرجعها فسأرجعها. فقالوا لك ذلك. من متى يبدأ الوقت؟ واضح، يا جماعة، من متى يبدأ الوقت؟ مثلًا حصل العقد -مثلًا- في الساعة العاشرة صباحًا، بقي الرجل هو وصاحبه يتكلمان ويتحدثان، ما فارق صاحبه إلا -مثلًا- الساعة الواحدة ظهرًا. من متى يبدأ الوقت؟ هل من ابتداء العقد، أو من التفرق؟ طولان الأئمة العلم -طولان الأئمة العلم- والراجح منهما: أنه يكون بمجرد العقد؛ لأن الخيار إنما ثبت بمجرد ماذا؟ بمجرد العقد. فبمجرد العقد يثبت أو يبدأ وقت الخيار. قالوا: ولم يفسخ صار لازمًا. كما تقدم: أن المدة إذا انقضت -مدة الخيار- إذا انقضت، فلا يحتاج أحدهما أن يرجع إلى الآخر، فيقول: تم البيع. واضح، يا جماعة؛ لأنه بمجرد أن تنتهي المدة، معناها: أن البيع قد صار ماذا؟ لازمًا لكل الطرفين. أن البيع قد صار لازمًا لكل الطرفين. قالوا: مثاله: أن يشتري رجل من آخر سيارة، ويقول مشتري: لي الخيار مدة شهر كامل. فإن تراجع عن الشراء خلال الشهر فله ذلك، وإلا لزمه شراء السيارة. بمجرد انتهاء الشهر -كما تقدم- لا يشترط أن يقول له: يرجع إليه، ويقول له: قد تم البيع. مجرد أن ينتهي الوقت -وقت الشرط- فإن البيع يكون نافذًا ملزمًا لكل الطرفين. ثالثًا: خيار العيب، قال: وهو الذي يثبت للمشتري إذا وجد عيبًا في السلعة. وهو الذي يثبت للمشتري إذا وجد عيبًا في السلعة، لم يخبره به البائع، أو لم يعلم به البائع، أو لم يعلم البائع به. وتنقص بسبب هذا العيب قيمة السلعة، ويرجع في معرفة ذلك إلى أهل الخبرة من التجار المعتبرين. فما عدوه عيبًا ثبت به الخيار، وإلا فلا. قالوا: ويثبت هذا الخيار للمشتري، فإن شاء أمضى البيع، وأخذ عوض العيب، وهو الفرق بين قيمة السلعة صحيحة، وقيمتها وهي معيبة. وإن شاء رد السلعة، واسترد الثمن الذي دفعه إلى البائع. كما ترون تحت هذه الصورة مسائل. أولًا: قوله: خيار العيب، ضابطه هو ما ذكرها هنا: أن توجد في السلعة، أن يوجد في السلعة عيب، سواء علم البائع بذلك العيب، أو لم يعلم بذلك العيب. يعني: مثال ذلك: رجل باع سيارة، هو يعلم أن في سيارته عيبًا، ولكنه لم يخبر المشتري. أخذها المشتري على أنها سليمة، مشى فيها، صارت فيها أيام، فبدا له أن فيها عيبًا، عرضها على أهل الخبرة، قالوا: هذه -مثلًا- السيارة فيها صدمة، أو تقلبت هذه السيارة، قد تقلبت. فالآن هذا عيب، أو ليس بعيب؟ هذا عيب. فللمشتري أن يرجع بالسيارة إلى البائع؛ أن يرجع بالسيارة إلى البائع؛ لأن هذا يسمى ماذا؟ خيار عيب. ثم هو بالخيار الآن، المشتري هو بالخيار بين أمرين: بين أن يرجع السيارة، ويسترد ماله، أن يرجع السيارة، ويسترد ماله. وبين أن تقوم السيارة وهي سليمة، وتقوم السيارة وهي معيبة. مثلًا: قيمتها سليمة مليون، لما علم بها العيب تسوى -مثلًا- سبعمائة ألف، كم الفارق؟ ها هنا ثلاثمائة ألف. قالوا: هذا الفارق سمى أرش. الآن المشتري بالخيار: إما أن يبقي السيارة، ويأخذ الفارق الثلاثمائة ألف؛ لأن قيمتها إنما هي سبعمائة ألف. وإما أن يرد السيارة، ويأخذ جميع ماله. قلنا: هذا سواء علم أم لم يعلم. قلنا: سواء علم أم لم يعلم. إذا لم يعلم البائع، أو علم، الأمر سواء في هذا الأمر؛ لأن البائع يرجع إلى من باع له. إذا لم يعلم يرجع إلى من باع له. فالحاصل: أن هذا يسمى ماذا؟ يسمى خيار العيب. فالمشتري -كما سمعتم- هو بالخيار بين هذا وذاك. وخيارها هنا يكون لمن؟ للمشتري، لا يكون للبائع. رابعًا: خيار التدليس، رابعًا: خيار التدليس، وهو أن يدلس البائع على المشتري ما يزيد به الثمن. وهذا الفعل محرم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا»، كما في صحيح مسلم، حديث أبي هريرة. قال: مثاله: أن يكون عنده سيارة فيها عيوب كثيرة، فيها عيوب كثيرة في داخلها، فيعمد إلى إظهارها بلون جميل، ويجعل مظهرها الخارج براقًا؛ حتى يخدع المشتري بأنها سليمة، فيشتريها. ففي هذه الحالة يكون للمشتري الحق في رد السلعة على البائع، واسترجاع الثمن -كما ذكر- رحمه الله تعالى. ها هنا يكون البائع غاشًا، يكون البائع غاشًا؛ يعلم بأن السلعة فيها ما فيها، لكن أي شيء يعمل؟ يزينها، ويحاول يبعد العيوب التي قد تظهر، يلمعها، ويجملها، ويبين للرجل أنها سليمة. بل بعضهم ربما يحلف -والعياذ بالله- وبعضهم يقول: مضمون، اذهب بها عند أي أحد، وهو يعلم أنها ماذا؟ فيها ألف عيب -كما يقال- لكن يقول: مضمون، اذهب إلى أي أحد، ما فيها أي شيء. فهذا غاش، ظالم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من غشنا فليس منا». فإن حصل البيع، إن حصل البيع، المشتري كذلك له الخيار، المشتري كذلك له الخيار الذي هو خيار التدليس، يرجع السيارة، له أن يرجع السيارة بهذا العيب، أن يرجع السيارة بهذا العيب الذي دلسه عليه البائع. هذه جملة من المسائل متعلقة بالخيار، وتحتها مسائل، ولكن -كما سمعتم- نكتفي -كما يقال- بهذه المسائل، بالمسائل الإجمالية. المسألة الخامسة: شروط البيع، قالوا: يشترط لصحة البيع الشروط الآتية. يعني: البيع له شروط حتى يكون صحيحًا. البيع -كغيره من العقود- لابد أن تتوفر فيه شروط حتى يكون ذلك البيع صحيحًا. فمن هذه الشروط، أو أولًا: التراضي بين البائع والمشتري. العلماء -رحمهم الله تعالى- يعني جملة ذكروا في البيوع سبعة شروط، ومنهم من نقل عليها الإجماع، ومنهم من أضاف إليها شرطًا ثامنًا، ولكن حقيقة: بأنه داخل في الشروط المذكورة السبعة. المسألة الخامسة: شروط البيع، قالوا: يشترط لصحة البيع الشروط الآتية. أولًا: التراضي بين البائع والمشتري، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. الشاهد من الآية: أن الله جل وعلا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ أي: أن التجارة مباحة، ولا بد أن تكون عن تراض من كلا الطرفين، عن تراض من كلا الطرفين. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما البيع عن تراض». والحديث رواه مالك وغيره، وإسناده حسن. الشاهد منه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما البيع عن تراض»، أي: لابد من التراض من كلا الطرفين. قالوا: فلا يصح البيع إذا أكره أحدهما بغير حق. فإن كان إكراه بحق -كأن يكره الحاكم شخصًا على بيع شيء لسداد ديون- صح. هذا الشرط تحته مسائل كثيرة، أشير هنا إلى مسألة: وهي الإكراه. من باع مكرهًا، هل يصح بيعه أم لا؟ العلماء -رحمهم الله تعالى- قسموا الإكراه على قسمين: إكراه بباطل، وإكراه بحق. فأما الإكراه بباطل: فإنه لا يجوز، لا يجوز إجماعًا؛ لقول الله جل وعلا: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما البيع عن تراض». فلا يجوز إنسان أن يكره إنسانًا: إما أن تبيع، وإما أن أضربك، وإما أن أفعل بك كذا وكذا. وإن حصل البيع، فإنه بيع فاسد، باطل، غير نافذ؛ لماذا؟ لفقد شرط من شروط البيع، وهو ماذا؟ التراضي. وهو التراضي. لكن العلماء -رحمهم الله تعالى- استثنوا الإكراه بحق. الإكراه بحق: وهو -يعني- صورته -كما ذكر- أن يكون على إنسان ديون، غارم، عليه ديون، وحقوق للآخرين: يا فلان، اعط الناس حقهم. يقول: لا، ما سأعطيهم. فلحاكم أن يأمره بذلك، يحبسه، ويقول له: بيع -مثلًا- عنده سيارة، يقول له: بيع هذه السيارة، واقض الناس ديونهم. إذا قال: لن أبيعها. فلحاكم أن يكرهه إكراهًا، أن يكرهه إكراهًا، يقول له: سأسجنك، ولن أطلقك حتى -حتى ماذا؟- حتى تبيع هذه السيارة. فها هنا إكراه يكون ماذا؟ إكراه بحق. إكراه بحق. فيكون البيع نافذًا؛ لماذا؟ لأن مصلحة بيع هذه السيارة من ذلك المعتدي أعلى من إرضائه. أعلى من إرضائه. والشريعة جاءت بتحصيل أعلى المصلحتين، وكذلك بدرء أعلى المفسدتين. فهذه جملة من المسائل التي تذكر هنا، ولها مزيد -بإذن الله جل وعلا- نذكرها في الدرس اللاحق -بإذن الله جل وعلا-. لا إله إلا أنت سبحانك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.