الدرس في كتاب النكاح والطلاق 10، ألقاها
الخلع لغةً هو إزالة الشيء، وشرعًا فرقة بين الزوجين بعوض. يُستخدم لوصف مفارقة المرأة لزوجها بعوض مالي.
الخلع مشروع بالقرآن والسنة، وهناك خلاف حول كونه طلاقًا أو فسخًا، والراجح أنه فسخ. يُلخص أحكام الخلع في عدة نقاط مهمة.
الخلع جائز لسوء العشرة، ويشترط فيه الرضا والعوض المالي من الزوجة. يحرم إيذاء الزوجة لمنعها حقوقها لإجبارها على الخلع.
المقطع ينتهي بدعاء لله تعالى بالصلاة والسلام على النبي محمد. يظهر فيه توقير للنبي وأتباعه ورغبة في نيل البركة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب الثالث في الخلع، وفيه مسألتان. الباب الثالث في الخلع، أي في الكلام على أحكام الخلع وما يتعلق به. ومر معنا مرارًا أن الباب يطلق في اللغة على معنى المدخل، وهو إما أن يكون مدخلًا حسيًا أو معنويًا، وهو ما يدخل منه ويخرج. والمراد به ها هنا الباب المعنوي، فالمعنى مدخلٌ في أحكام الخلع ومسائله. وفيه مسألتان، أي تضمَّن هذا الباب مسألتان. المسألة الأولى: معناه وأدلة مشروعيته، أي معنى الخلع والأدلة الدالة على مشروعية الخلع. أولًا: تعريف الخلع. الخلع لغةً مأخوذٌ من خلع الثوب، لأنّ كلًا من الزوجين لباسٌ للآخر. قال العلماء رحمهم الله تعالى: إنه من حيث اللغة، الخلع مأخوذٌ من خلع الثوب. وخلع الثوب حسٌّ، وسمِّي به مفارقة المرأة لزوجها بعوض؛ لأن الزوج لباسٌ للزوجة والزوجة لباسٌ للزوج، كما قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿هنَّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن﴾. فربنا تبارك وتعالى بيَّن أنه يحصل لباسٌ من الرجل للمرأة والعكس، واللباسُ هاهنا معنوي. فلما كانت العلاقة مشتركة سمِّي الخلع بالخلع، للاشتراك من حيث المعنى، بمعنى الخلع الحسِّ هو خلع الثياب. ولكن كما قال من قال من العلماء رحمهم الله تعالى: لما كان الخلع معنويًا، كان خلع ثوب الزواج معنويًا، سمِّي خلعًا بضمِّ الخاء المعجمة. وشرعًا: فرقةٌ بين الزوجين على عوضٍ تدفعه المرأة لزوجها بألفاظٍ مخصوصة. فشرعًا: تعريفهم فرقة تكون بين الزوجين على عوضٍ تدفعه المرأة لزوجها، أن يكون هذا العوض من قبل المرأة لزوجها، تفتدي نفسها من زوجها بأن يفارقها بمقابل عوض تدفعه لأجل ذلك الفراق. مشروعية الخلع: الخلع مشروع لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾. ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال صلى الله عليه وسلم: «أترجعين عليه حديقته؟» قالت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة». وفي الحديث خلاف ونزاع بين العلماء: هل الخلع يعد طلقة من الزوج لزوجته مقابل عوض، أم أنه لا يكون تطعليقًا وإنما يكون مجرد فسخ. فمن أهل العلم من يقول: بأن خلع مخالعة المرأة لزوجها إذا كان بلفظ الطلاق مقابل عوض، بأنه يكون طلقة، أي تحسب من تطليقاتها. وإذا كان كذلك، ترتب عليه أثر ذلك. ومن أثر ذلك: أن للزوج الرجعة؛ لأنها إذا كانت طلقة، فهي في عدة طلاق رجعي، إن كانت من أهل الرجعة. وإن كانت في ثالثة، فثالثة. وعلى القول الآخر، وهو الصحيح: أن الخلع فسخ وليس بتطليق. وهذا القول ذهب إليه جماعة من السلف والخلف رضي الله عنهم. واستدل ابن عباس رضي الله عنهما ومن معه بقول الله تبارك وتعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا جناح عليهم فيما افتدت به﴾، ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره﴾. قال: فذكر الله تبارك وتعالى الخلع بعد التطليقتين، ثم ذكر التطليقة الثالثة، فدل ذلك على أن الخلع ليس بتطليق؛ إذ لو كان طلقة لما قال الله تبارك وتعالى بعد الخلع: ﴿فإن طلقها﴾. المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة به، والحكمة منه، أي الأحكام المتعلقة بالخلع، وكذلك الحكمة التي لأجلها شرع الله تبارك وتعالى الخلع. أولًا: أحكام الخلع: تتلخص أحكام الخلع في الآتي: 1. أن الخلع جائز لسوء العشرة بين الزوجين، ولا يقع إلا بعوض مال تفرضه الزوجة للزوج. 2. لا يقع من غير الزوجة الرشيدة؛ لأن غير الرشيدة لا تملك التصرف لنقص الأهلية. 3. إذا خالع امرأته، ملكت المرأة بذلك أمر نفسها، ولم يبق للزوج عليها من سلطان ولا رجعة له عليها. وهذا من آثار الخلع، وأنه فسخ؛ لأنه لا يترتب عليه شيء من أمور عدة الرجعية. 4. لا يلحق المخالعة طلاق أو ظهار أو إيلاء أثناء عدتها من زوجها الذي خالعها؛ لأنها تصير أجنبية عن زوجها. 5. يجوز الخلع في الحيض والطهر الذي جامعها فيه؛ لعدم الضرر عليها بذلك. 6. يحرم على الرجل أن يؤذي زوجته ويمنعها حقوقها حتى يضطرها إلى خلع نفسها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾. 7. يكره للمرأة مخالعة زوجها مع استقامة الحال ودون سبب يقتضيه. الحكمة من مشروعية الخلع: من المعلوم أن الزواج رابط بين الزوجين وتعاشر بالمعروف، قال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾. فإذا لم يتحقق هذا المعنى، فلا توجد المودة بينهما، أو لم توجد من الزوج، فساءت العشرة، وتعسر العلاج، فإن الزوج مأمور بتسريح الزوجة بإحسان، لقول تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾. مسألة أخرى: هل يشترط الرضا بين الزوجين في الخلع؟ الأصل أنه يشترط ذلك لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾، فلا جناح عليهما، على الزوج والزوجة فيما افتدت به، أي حصل التراضي منهما. مسألة أخرى: هل يجوز للرجل أن يطلب أكثر مما دفع للمرأة في العوض؟ ذهب الجمهور من أهل العلم إلى جواز ذلك، إلى جواز الفداء بالمثل والأقل والأكثر. وذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز الزيادة على ذلك، مستدلين بقول الله تبارك وتعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾، وبقوله تعالى: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.