الدرس في كتاب النكاح والطلاق 9، ألقاها
يُسن إعلان النكاح وإقامة وليمة العرس، مع شروط شرعية محددة. يُشجع على حضور الوليمة الأولى.
يجب حضور وليمة العرس إذا كانت الأولى، ويستحب في اليوم الثاني. يجب الأكل من الطعام إذا لم يكن هناك عذر.
توجد شروط لوجوب إجابة دعوة الوليمة، مثل أن يكون الداعي مسلمًا وغير مجاهر بالمعصية. يُشرح أيضًا حكم حضور مجالس المنكر لمن يستطيع الإنكار.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، المسألة الخامسة من هذا الباب، أي باب النكاح، المسألة الخامسة: إعلان النكاح. قالوا: يُسنُّ إعلان النكاح وإظهاره وإشاعته، والضرب عليه بالدف، لقوله صلى الله عليه وسلم: «فصل ما بين الحرام والحلال الصوت والدف في النكاح». والحديث رواه أحمد وغيره، وإسناده حسن، حسنه العلامة الألباني رحمه الله. وقولهم: ويكون الضرب بالدف للنساء دون الرجال، والشرط أن لا يصحب ذلك فحشًا في القول أو ما يخالف الشرع. طيب، هذه المسألة الخامسة، وهي مسألة إعلان النكاح، وكما ذكرنا في الدرس الماضي أو في درس قد مضى، أن طائفة من العلماء رحمهم الله تعالى ذهبوا إلى أن إعلان النكاح شرط من شروط العقد، أنه شرط من شروط العقد، لهذا الحديث: «فصل ما بين الحرام والحلال الصوت والدف في النكاح». فكما ذكر فيما مضى، إعلان النكاح بالصوت، كما هو معلوم، أي بأن يحصل شيء من الفرح وانتشار الخبر واجتماع الناس، فهذا من إعلان النكاح. وقد ذكرنا في الدرس الماضي أن أقل ما يصح به إعلان النكاح أن يكون بحضور الشاهدين، وأن يكون ذلك الحضور على سبيل الإعلان لا على سبيل الإسرار، لذلك النكاح لا على سبيل الإسرار. وأتم ذلك أن يكون هناك إعلان بضرب الدف واجتماع الناس عند العروس، هذا كذلك من الإعلان. وكذلك أن يحصل ما يحصل من الدعوة للوليمة وما يتبع ذلك من الأمور، هذا كذلك نوع من الإعلان. لكن كما ذكر، إذا حصل الضرب بالدف، أن يكون الضرب بالدف النساء خاصة دون الرجال، لأنه أذن للنساء فيه دون الرجال، لأنه من آلات الضرب، لكنه رخص فيه بهذه الصورة المعينة، الدف دون غيره، لأنه ليس فيه المعاني التي في آلات الضرب الأخرى. وهو كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، أن يكون آلة تسد أحد وجهتيها بشيء بجلد أو نحوه، ولا ترجع الصوت، لأن طرفها الآخر يكون مفتوحًا. فهذا الدف يكون للنساء خاصة، لأنه هو الذي أذن به. لأن القاعدة عند العلماء رحمهم الله تعالى، أن ما رخص فيه أو أن الرخص لا تتعدى إلى غيرها، إذا رخص في شيء فلا تتعدى هذه الرخصة إلى غيرها، ولا يقاس عليها غيرها، إلا إذا كان ذلك الشيء المقيس مما هو أعلى أو أشد ظهورًا وحاجة من تلك الرخصة. وشرط أن لا يصحب ذلك فحشًا في القول، أيضًا عند ضرب الدف، وحصول شيء من الغناء المشروع، بشرط أن لا يحصل فيه فحش في القول، كأن لا يذكر فيه ما يهيج النساء للرجال أو العكس، ولا ذكر الخدود ولا غير ذلك. ولكن يكون شعرًا فيه نوع من أنواع الشعر العربي الحميد الذي ليس فيه شيء من الشيء المذموم، يعني كما جاء في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم أن يقولوا: «أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم، لولا الحنطة السمراء لما سمنت ذراريكم». فمثل هذا، كما ترون، كلام سهل وكلام عربي، فمثل هذا لو أنشد في الأزواج أو في أثناء العرس، فهذا شيء لا بأس به شرعًا. لكن أن يتوسع كما هو الحاصل في كثير من الأمكنة، تجد بعض النساء في حفلات الزواج ربما تؤتى بفرقة، وهذه فرقة تأتي بمغنيات أو تأتي بأغاني هي كأغاني أولئك الفاسقات من حيث التمطيط والتلحين وذكر بعض الأشياء التي هي فيها شيء من المخالفة، فمثل هذا مما لا ينبغي. فالحاصل أنه لا بأس، بل ويسن الضرب بالدف، لكن بالضوابط الشرعية، لا إفراط ولا تفريط، لا يمنع مطلقًا لأنه مؤذن فيه، ولا يفتح المجال على مصرعيه فيدخل فيه ما ليس منه. المسألة السادسة من مسائل هذا الباب: الوليمة في النكاح. الوليمة: طعام العرس، يدعى إليه الناس ويجمعون. وحكمها: قالوا هنا: ويسن عمل وليمة النكاح، لحديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه تزوج امرأة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أولم ولو بشاه». والحديث متفق عليه. وأيضًا أولم النبي صلى الله عليه وسلم على زينب بخبز ولحم، وأولم النبي صلى الله عليه وسلم على بعض نسائه بمدين من شعير. طيب، في هذه المسألة أو تضمنت هذه المسألة مسألتان: المسألة الأولى: حكم الوليمة. وكما ترون أنهم رجحوا هاهنا أنها من السنن، أن الوليمة في العرس من السنن. وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنها واجبة على القادر المستطيع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاه». لأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لواحد من أمته أمر لجميع أمته، إلا أن تدل قرينة هاهنا على التخصيص، فيبقى الأمر عامًا، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وهذا هو الأظهر، أن الوليمة واجبة على الزوج إن كان قادرًا مستطيعًا. الأمر الثاني: بماذا تكون الوليمة؟ الوليمة كما جاء في حديث عبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاه»، أي إن استطاع الإنسان أن يولم بشاه فحسن، وإن استطاع الإنسان أن يولم بشاه فصاعدًا، وهذا يختلف باختلاف الناس، يعني رب إنسان عنده سعة ويستطيع أن يذبح أكثر من الشاه، ما لم يكن فيه إسراف ولا تبذير، هذا لا بأس به. فإن لم يستطع على الوليمة، نعم إذا لم يستطع على الشاه، فليذبح ما تيسر، إن استطاع أن يذبح دجاج فعل، وإن ما استطاع يولم بوليمة بأي طعام استطاع أن يعمله، فيجمع الناس عليه. يدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على زينب بشعير وتمر وأقط، أي لبن جاف، فكانت هذه وليمته لها. وأولم على بعض نسائه بصاعين من شعير، فدل ذلك على أن الوليمة يصدق عليها كل طعام يعده الإنسان لأجل الزواج، سمى ماذا وليمة، يسمى وليمة، سواء كان من خبز مع إدام، كان من لحم، كان من غير ذلك من الطعام، فإنه يسمى وليمة. بقي أمر ثالث ومسألة ثالثة، وهي: متى يكون أو تكون وقت الوليمة؟ هل هو قبل الدخول أو بعد الدخول؟ ذهب بعض أهل العلم إلى الأول، وذهب بعض الآخر إلى الثاني، وذهب آخرون إلى أنه واسع، إلى أن الأمر في ذلك واسع، أي له أن يولم بعد العقد قبل الدخول، وله أن يولم بعد الدخول، وذلك كله واسع، إن فعل ذلك فعل الأول أو الثاني، فقد أدى الذي عليه من الوليمة التي هي وليمة العرس، إذ أنها وليمة سببها العرس، لها سمية وليمة العرس، أي سببها العرس، فمن باب إضافة الشيء إلى سببه. المسألة السابعة: حكم إجابة دعوة وليمة العرس. قالوا: يجب على من دعي لوليمة عرس أن يجيب، واجب عليه أن يجيب، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها». والحديث متفق عليه. وحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله». والحديث في صحيح مسلم. وهاهنا ننبه كذلك لأمر، يعني أولًا أن إجابة دعوة الوليمة كما سمعتم واجبة، لكن هل يشترط أن يأكل من الطعام؟ هل يشترط أن يأكل من الطعام أو لا يشترط ذلك؟ الجواب: أن ذلك بحسب حال الإنسان، إن كان إنسان مثلًا صائمًا، فيحضر الوليمة ولا يجب عليه أن يأكل منها، لكن يجيب الدعوة، يحضر ويكون مع الناس ولا يأكل، لا يجب عليه أن يأكل. لكن من حضرها ولم يكن صائمًا وكان قادرًا على الأكل أو كان ممن يشتهي الأكل، فإنه يأكل من تلك الوليمة، إذ أنه لم يدع إلى الوليمة إلا ليأكل من ذلك الطعام، ولأنه إذا حضرها ولم يكن له عذر وترك الطعام كان مسيئًا، ووقع في شيء من الجفاء. فالحاصل من هذا أن من دعي الوليمة وحضر الوليمة، الأصل أنه ما جاء إلا ليأكل من تلك الوليمة ومن ذلك الطعام تطييبًا لخاطر صاحبها الذي دعاه. لكن إن كان صائمًا أو كان به عذر، كأن يكون إنسان يمنع من أكل ذلك الطعام المعين، فلا بأس أن يدع ذلك الطعام وأن لا يأكل منه، لكن يجيب الدعوة، إلا أن يعتذر فيعذره من دعاه. والدليل على وجوبها قوله صلى الله عليه وسلم كما سمعتم: «إذا دعي أحدكم إلى وليمة»، والألف واللام في الوليمة للعهد الذهني، والمراد به وليمة العرس، إذ أن غيرها من الدعوات إذا دعي إليه الإنسان فإنه لا يجب عليه أن يجيب، إن أجاب فحسن، وإن لم يجب فلا شيء عليه. يعني لو أن إنسانًا صنع طعامًا في بيته لا لوليمة، ولكن أحب أن يدعو إليه أو إلى ذلك الطعام بعض الناس، فهل يجب عليهم الإجابة؟ الجواب: لا يجب عليهم الإجابة، إن أجاب فحسن، وإن لم يجب فلا شيء عليهم، بخلاف وليمة العرس، فإنه إذا دعاهم بأعيانهم، فالأصل أنه يجب عليهم الإجابة، إلا أن يقوم بهم عذر أو يعتذر من ذلك، فحينها لا يسقط عنهم ذلك الوجوب. وأيضًا يدل على الوجوب حديث أبي هريرة: «من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله»، فقد دل هذا الحديث على أن ترك إجابة الدعوة معصية لله تبارك وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم. شروط إجابة دعوة وليمة العرس، يعني أن وليمة العرس تجب على من دعي إليها، ولكن بشروط. فمن هذه الشروط أولًا: أن تكون هي الوليمة الأولى، فإن أولم في أكثر من يوم، استحب في اليوم الثاني، وكره في الثالث، لحديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طعام يوم حق، وطعام يوم الثاني سنة، وطعام يوم الثالث سمعه، ومن سمع سمع الله به». وهذا الحديث رواه الترمذي وغيره، ولكنه فيه ضعف، ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغيره. والحاصل أن الوليمة تجب تطييبًا لخاطر ذلك الداعي إليها في اليوم الأول، صح هذا الحديث أو لم يصح. أما إذا كان الرجل كرر الوليمة، فلا يجب على من دعي إليها أن يجيب كل دعة، لأنه قد امتثل وأتى بالمطلوب في إجابة في اليوم الأول. ثم هاهنا مسألة كذلك في هذه المسألة ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، وهي: هل يسن أو يشرع تكرار الوليمة أم لا؟ رجل ذو مال أولم أول يوم، ثم أولم في اليوم الثاني، هل يسن ذلك؟ وهل يشرع ذلك؟ كره ذلك بعض أهل العلم، وبعض أهل العلم قالوا: إن كان الرجل من أهل السعة، ولم يكن في ذلك إسراف ولا تبذير، فلا بأس بذلك، قالوا: قد فعله بعض السلف. والله تعالى أعلى وأعلم. الأمر الثاني: أن يكون الداعي مسلمًا، فلا تجب إجابة دعوة الكافر، لماذا؟ لأن الأحاديث الدالة على الوجوب، في بعضها التصريح بالمسلم: «إذا دع أحدكم أخاه إلى وليمة فليجب»، وما شابه ذلك، فدلت على أن الوجوب خاص بأهل الإسلام، لأن من معانيها حصول المودة والتآلف والتراحم والترابط بين أهل الإسلام، وهذا المعنى غير مطلوب بين المسلمين وغيرهم من الكافرين، فدل هذا على أن إجابة دعوة المسلم للكافر ليست بواجبة، لكن إن أجابه ولم يكن في ذلك منكرًا، ولكن أجابه وكان في إجابة مصلحة، كأن يدعوه إلى الإسلام أو ما شابه ذلك، فلا بأس بذلك، لكن ليس بواجب عليه الإجابة. الأمر الثالث: أن يكون الداعي من غير العصاة المجاهرين بالمعصية، وأن لا يكون ظالمًا أو صاحب مال حرام، بمعنى أن الرجل الداعي إلى الوليمة، إن كان صاحب فجور، صاحب فسوق، رجل معروف مثلا من أصحاب الطرب، أصحاب الفجور، أصحاب الخمور، معروف بأنه بياع خمور أو مخدرات أو ما شابه ذلك، أو أكالي الحرام، فإنه لا يجب إجابة دعوته، لماذا؟ لأن مخالطة مثل هؤلاء غير محمودة ولا مرضية، فلا يخالطوا، ومن يبتعد عنهم ويعتزلهم. الأمر الرابع: أن تكون الدعوة معينة، فإن دعاه في جمع فلا تجب الإجابة. كذلك من الأمور التي تجب الدعوة إذا عين الإنسان، إذا قال إنسان لأخيه: «يا فلان، أنت مدعو للغداء، مدعو للوليمة»، عينه. أما إذا جاء إنسان مثلا إلى مسجد، فقال: «يا أهل المسجد، كلكم مدعوون للوليمة عندي غدًا»، أو «مدعوون للوليمة اليوم عندي»، على وجه ماذا؟ على وجه التعميم، فهذا لا يجب على كل من دعاه، بل من ذهب فحسن، ومن لم يذهب فلا شيء عليه، لماذا؟ لأنه لم يعين في الدعوة، وذلك للمعنى الذي لأجله شرع أو حصل معنى الوجوب في الوليمة. لأن العلماء رحمهم الله تعالى علّلوا الوجوب بأن الإنسان إذا دعى أخاه فامتنع، كان ذلك سببًا لحصول التباعد والتنافر والتقاطع فيما بينهما، بخلاف ما إذا أجابه، حصل معنى التواد والتراحم والتواصل فيما بينهما، وهذا مطلوب والأول ممنوع، فلأجل هذا المعنى وجب إجابة الدعوة إذا كان من معين لمعين، أما إذا كان من معين لجماعة غير معين، فلا تجب. كذلك لو وكل أو فوض صاحب الوليمة أناسًا، قال لفلان وفلان وفلان: «أدعوا من أردتم»، لم يعين، فدعوا من أراد، هل يجب إجابة دعوة؟ الجواب: كذلك لا تجب، لماذا؟ لأنهم غير معينين. الأمر الخامس: أن يكون القصد من الدعوة التودد والتقرب، فإن دعاه لخوف منه أو طمع في جاه، فلا تجب الإجابة. يعني كما ذكر: أن يكون القصد من الدعوة التودد والتقرب، أن يحصل تقارب وتواد وتعاطف وتناصر بين المسلمين بعضهم لبعض، أما كانت الدعوة لأجل أنه يخاف إن لم يدعوه بطش به، أو حصل له ضرر، فمثل هذا المدعو لا يجب عليه الإجابة، إن أجاب فحسن، وإن لم يجب فلا شيء عليه. الأمر السادس: أن لا يكون في الوليمة منكر، كخمر وغناء ومعازف واختلاط رجال بنساء، فإن وجد شيء من ذلك، فلا تجب الدعوة، أي لا يجب لمن دعي أن يجيب إلى الدعوة، لحديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يقعدن على مائدة يدار عليها الخمر». وكذلك يدخل في هذا المعنى ما كان في معنى من المنكرات، فيما إذا يدار فيها الخمر، فيما إذا يدار فيها الخنزير، فيما إذا يؤكل فيها لحم الميتة، فيما إذا ملئت بالحرام بأكل المال الحرام، فيما إذا ملئت بالقمار، فيما إذا ملئت بالأغاني، غناء ومنكر وما شابه ذلك، اختلاط رجال ونساء، فهذا يدخل فيه معنى كل منكر. فإن كان المدعو يستطيع إزالة المنكر بحضوره، وجب عليه الحضور وإجابة الدعوة وإزالة المنكر، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». ومعنى هذا أن الأصل في الرجل إذا دعي إلى وليمة هذا حالها، الأصل أنه لا يجيب، لكن إن كان عنده قدرة على تغيير ذلك المنكر، كأن يكون ذا ولاية، كأن يكون ذا ولاية رجل له سلطة، ويكلمهم، يقول: «أنا سأحضر، لكن ما أريد أن أرى شيئًا من المنكرات»، يقول: «تحضر وما طلبته كما يقال ينفذ»، فمثل هذا لا بد أن يأتي. أو عالم مثلا له احترامه وإجلاله بين العرس، يقول لهم: «أنا سأحضر، لكن بشرط لا أحب أن أرى أمامي ولا يجوز أن أرى أمامي شيئًا من المنكرات»، فقالوا له ذلك، فليحضر، وهذا يكون ضابطًا للمنكر بحضوره، أو يكون بحضوره يخف الشر، يعني مثلًا الناس إذا ما حضر، ربما أفشوا المنكرات، حصل الغناء ظاهرا، حصل مثلًا شرب الخمر في المجالس ظاهرا، لكن إذا حضر هذا الإنسان، ربما خفيت أو اختفت هذه المظاهر، وخفف ذلك الشر، فكذلك يحضر تخفيفًا لشر ودفعًا له، وتخفيف الشر وتقليله من مقاصد شريعة، لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وكذلك جاءت بإزالة المفاسد وتخفيفها. والله تعالى أعلى وأعلم، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.