الدرس في كتاب النكاح والطلاق 11، ألقاها
يشترط لوقوع الطلاق أن يكون الزوج بالغًا عاقلًا ومختارًا، ويصح من وكيله، بينما لا يقع من غير الزوج أو من ليس عاقلًا أو بالغًا. يُستند في ذلك إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
الطلاق غير معتبر إذا وقع من مكره أو غضبان لا يدري ما يقول، بينما يعتبر إذا كان الغضبان يعقل ما يقول. الطلاق مشروع بالكتاب والسنة والإجماع لفسح المجال للفرقة بين الزوجين عند استحالة العشرة.
الطلاق مشروع ومباح عند الحاجة، ويكره من غير حاجة، وقد يكون واجبًا في حالات مثل فجور الزوجة. يشرح أيضًا حكمة مشروعية الطلاق كحل للمشكلات الزوجية عند عدم الوفاق.
المرأة الناشز تعتبر فاسقة وقد تصل إلى درجة الكفر عند بعض العلماء، وتقع بين الكفر الأكبر والأصغر. التوبة والاستغفار ضروريان في مثل هذه الحالات.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد: الباب الرابع في الطلاق، وفيه مسائل. أي أن الباب الرابع معقود لأحكام الطلاق ومسائله، لذا قيل: وفيه مسائل، أي أنه تضمن مسائل تدخل في هذا الباب. المسألة الأولى: معناه وأدلة مشروعيته وحكمته. فالمسألة الأولى تضمنت أمورًا ثلاثة، أولها: معنى الطلاق، أي تعريفه لغة وشرعًا. والأمر الثاني: مشروعية الطلاق. والثالث: الحكمة التي لأجلها شرع الله جل وعلا الطلاق. أولًا: تعريف الطلاق. الطلاق لغة: التخلية، يقال: طلقت الناقة إذا سرحت حيث شاءت، فهو من الإطلاق، أي حل عقد أو قيد الناقة لتنطلق حيث شاءت. وشرعًا: حل قيد النكاح أو بعضه. حل قيد النكاح: أي بالكلية، بأن يطلقها ثلاثة تطليقات، فهذا حل قيد النكاح مطلقًا. أو بعضه: بأن يطلق دون الثلاث، أن يطلق الرجل زوجته دون الثلاث تطليقات، فهو حل بعض ذلك العقد لا كله. الأمر الثاني: من يصح طلاقه. أي من يصح طلاقه ومن لا يصح طلاقه من الأزواج. يصح إيقاع الطلاق من الزوج البالغ العاقل المميز المختار الذي يعقله، أي يعقل الطلاق ومعناه. أو من وكيله، أي إن وكله أن يطلق عنه. فلا يقع طلاق غير الزوج؛ لأنه ليس بيده عقدة النكاح، ولا الصبي؛ لأنه ليس له تصرف في نفسه، فمن باب أولى في عقوده وما ترتب عليها. لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم الصبي حتى يحتلم». فالصبي تصرفاته الأصل فيها أنها تكون محجورة، فلا تنفذ إلا بإيقاع تلك الأمور والعقود من وليه؛ لأنه أشد دراية، ولأنه صبي، ولأنه فيه كذلك معنى السفه؛ لأنه لا يعلم مصلحته من عدمها. ولا المجنون؛ لأن المجنون لا يعقل ما يخرج من رأسه، فتصرفات المجنون غير معتبرة؛ لأن مناط التكليف وما يترتب على الأمور والعقود يكون بواسطة العقل. ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة، ومنهم المجنون حتى يفيق». فالمجنون أفعاله، أقواله، أفعاله التكليفية مرفوعة، غير معتبرة. ولا السكران؛ الصحيح من أقوال أهل العلم أن السكران أفعاله على قسمين، أو أن السكران له حالتان: الحالة الأولى: ألا يعقل ما يخرج من رأسه، وهو ما يسمى: قد طمث عليه السكر، فصار كالمجنون، لا يدري ما يصدر منه من أقوال ولا من أفعال. فهذا حكمه حكم المجنون، فلا تقع عقوده ولا فسوخه؛ أي أن عقوده وفسوخه وأقواله وأفعاله غير معتبرة؛ لأنه في حكم المجنون؛ لأنه لا يعقل ما يخرج من فيه. والحالة الثانية: السكران الذي شرب الخمر، ولكنه ليس بطافح، يعقل ما يخرج من فيه. فمثل هذا أقواله وأفعاله معتبرة، ويُؤخذ عليها. هذا التفصيل هو الصحيح من أقوال أهل العلم رحمهم الله تعالى في هذه المسألة؛ أي في التفريق بين السكران الذي لا يعقل ما يخرج من فيه، وبين السكران الذي يعقل. ولا المكره؛ كذلك المكره الذي أكره على طلاق امرأته، هذا طلاقه غير معتبر، إن كان طلق دفعًا للإكراه، ولم يقصد الطلاق حقيقة. فهذا كذلك طلاقه غير معتبر؛ لأنه يشترط في الطلاق أن يكون من عامد قاصد، وهذا قد فقد هذين الوصفين؛ أي أنه مكره، وليس متعمدًا للطلاق، ولا قاصدًا له، ولكنه قال ما قال دفعًا لذلك الإكراه. ولا الغضبان غضبًا شديدًا لا يدري معه ما يقول؛ كذلك الغضب يقسمه العلماء رحمهم الله تعالى إلى قسمين، وللغضبان حالتان: الحالة الأولى: غضب لا يشعر معه، ولا يدري معه ما يقول. فمثل هذا طلاقه غير معتبر؛ لماذا؟ لأن من شرط الطلاق القصد، وهذا لم يقصد الطلاق، ولم يريده، ولم يخطر على قلبه، ولكنه خرج منه ما خرج وهو لا يدري ما خرج من رأسه. والحالة الثانية: الغضبان الذي غضب غضبًا شديدًا، ولكنه يعقل ما يقول، وقصد ما يقول. فطلق زوجته أثناء غضبه الشديد، لكنه طلقها وهو يعلم، وهو يقصد، وهو متعمد لذلك الطلاق. فمثل هذا طلاقه يكون معتبرًا. الأمر الثالث: مشروعية الطلاق. الأصل في الزواج استمرار الحياة الزوجية بين الزوجين، هذا هو الأصل؛ لأن ربنا تبارك وتعالى شرع الزواج لأجل أن تدوم العشرة، والمودة، والسكن، وتحصل الأسرة، والأولاد بسبب ذلك الزواج. قال تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾. فهي آية من آيات الله تبارك وتعالى أن يحصل بسبب الزواج من المودة والتراحم والسكن بين الزوجين. فالأصل فيه الاستمرار؛ لأنه مطلوب شرعي، ولأنه محبوب إلى الله تبارك وتعالى. وقد شرع الله تعالى أحكامًا كثيرة وآدابًا جمة في الزواج لاستمراره وضمان بقائه. بمعنى أن الزوجين لو عملا بما أرشدهما شرعنا الحنيف لكان ذلك سببًا لاستمرار الحياة الزوجية السعيدة. ولكن لما فرط فيها من فرط، وقصر فيها من قصر، وقع بين الزوجين ما يقع بينهما، الذي يكون سببًا في المآل إلى الفرقة بين الزوجين. قالوا: إلا أن هذه الآداب قد لا تكون مرعية من قبل الزوجين أو أحدهما؛ أي إما الزوجين مفرط فيهما، هذا لا يعطي زوجته حقها، وهذه لا تعطي زوجها حقه، كلاهما لا يرعيان الآداب الشرعية، أو أن أحدهما لا يرعاها. قال: فيقع التنافر بينهما حتى لا يبقى مجال للإصلاح. وهذا واقع؛ أنه لو حصل التقصير في حق الزوج لزوجته، والعكس حصل شيء من النفرة، وإذا ازداد ذلك ازدادت النفرة، حتى يصل إلى طريق مغلق. فكان لابد من تشريع أحكام تؤدي إلى حل عقدة الزواج على نحو لا تهدر فيه حقوق أحد الزوجين، ما دامت أسباب التعايش قد باتت معدومة فيما بينهما. أي أن ربنا تبارك وتعالى من حكمته ولطفه جعل الطلاق سببًا لحصول الفرقة بين الزوج وزوجته عند عدم استقامة الحال، وعند حصول التنافر والتباغض والأذية لأحدهم من الآخر، أو لكلا الطرفين. فحينها شرع ربنا تبارك وتعالى الطلاق؛ ليسير كل إنسان، أو كل منهما السير الذي يراه مناسبًا، والذي يرضي ربنا تبارك وتعالى. والطلاق مشروع بالكتاب والسنة، وكذلك الإجماع. نقل الإجماع على مشروعية الطلاق غير واحد من الأئمة رحمهم الله. أما الكتاب، فقد قال تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾. وقال عز وجل: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾. الشاهد منه: ﴿الطلاق مرتان﴾، فدل هذا على مشروعية الطلاق. وقال في الآية الأخرى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾، فدل على مشروعية الطلاق في العدة، في عدة النساء. وفي سنة الحديث: ابن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «ليراجعها، فإذا طهرت، فإن شاء أمسك، وإن شاء فليطلقها». فدل هذا على مشروعية الطلاق. وأجمع علماء الأمة على جواز الطلاق ومشروعيته. الرابع: حكمة مشروعية الطلاق. أي ما الحكمة التي لأجلها شرع الله تبارك وتعالى الطلاق؟ شرع الطلاق لأنه حل للمشكلات الزوجية عند الحاجة إليه، وبخاصة عند عدم الوفاق، وحلول البغضاء التي لا يتمكن الزوجان معها من إقامة حدود الله، واستمرار الحياة الزوجية. وهو بذلك من محاسن الدين الإسلامي. فالطلاق يعتبر من محاسن الدين الإسلامي؛ لماذا؟ مر معنا وذكرنا أن الأصل في الزواج البقاء والاستمرار، لكن إن تكدرت الحياة الزوجية، إما بسبب أحد الزوجين أو بسببهما، بحيث أن أحدهما أو كلاهما لم يستطع أن يبقى مع الآخر، كره أن يبقى مع الآخر. دخل بينهم المصلحون، حصرت بينهم النصيحة، التذكير، الوعظ، ما نفع، ما ازداد إلا تنافرًا وتباعدًا، كلاهما يريد أن يتخلص من صاحبه. ففي مثل هذه الحالة شرع الله تبارك وتعالى الطلاق. وهذا كما سمعتم من محاسن الشريعة؛ أن الله تبارك وتعالى جعل لهم مخرجًا وسبيلًا يسيرون فيه عند عدم حصول الوفاق بين الزوجين في ذلك الزواج. فإن حصل الطلاق، لعل الله تبارك وتعالى أن يجعل لكل منهما خيرًا ومخرجًا، الرجل لعله يجد خيرًا منها، والمرأة لعلها أن تجد خيرًا منه. فهذا كما سمعتم من حكمة الشارع، ومن فضائل ومحاسن هذا الدين الحنيف الذي ما من خير إلا ودل الأمة عليه، وما من شر إلا وحذرها منه. المسألة الثانية: حكم الطلاق، وبيد من يكون؟ الأصل في الطلاق أن يكون جائزًا مباحًا، هذا هو الأصل عند الضرورة والحاجة إليه، كسوء خلق المرأة، وسوء عشرتها. ويكره من غير الحاجة إليه؛ لإزالته النكاح المجتمل على المصالح المندوب إليها، من إعفاف نفسه وزوجه، وطلب النسل، وغير ذلك. ويحرم الطلاق في بعض الأحيان، كما سيأتي بيانه في الكلام على الطلاق البدعي. وقد يكون واجبًا على الشخص، أي أن يطلق امرأته؛ كما لو علم بفجور زوجته، وتبين زناها. رجل علم بأن امرأته فاجر، والعياذ بالله، فيجب عليه أن يطلقها؛ لماذا؟ لأجل أن لا تدنس فراشه، وأن لا يختلط ماؤه بماء غيره، فيكون ولدًا من غير مائه. وكذلك لو كانت الزوجة غير مستقيمة في دينها، كما لو كانت تترك الصلاة، ولم يستطع تقويمها، كذلك يجب عليه أن يطلقها؛ لأنها تاركة للصلاة. الأصل أنه ينصحها، أن يذكرها بالله تبارك وتعالى، يعظها، ما استجابت، ما نفع معها النصح، ولا التنبيه، ولا التحذير. فمثل هذه لا تبقى معه، بل يطلقها؛ لأنها امرأة فاسقة، أقل أحوالها أنها فاسقة، وإلا على قول جماعة من أهل العلم بأنها تكفر بتركها للصلاة. فالحاصل أن أقل أحوالها بأنها فاسقة، وأشد من ذلك أنها كافرة عندها، أو على قول طائفة من العلماء، فهي واقعة بين الكفر الأكبر أو الأصغر، ولا محالة. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.