الدرس في كتاب البيع 19، ألقاها
اللقطة تعرف لغة واصطلاحا وتقسم إلى ثلاثة أضرب وفقا للفقه الإسلامي، ويجوز أخذ بعضها والانتفاع به دون تعريف إذا كانت قليلة القيمة.
لا يجوز أخذ الحيوانات التي تيمتنع بنفسها مثل الإبل والخيل، بينما يجوز أخذ غيرها مع وجوب تعريفها إذا كانت ثمينة.
اللقطة الثمينة يجب تعريفها لمدة عام في مجامع الناس، وإذا جاء صاحبها ووصفها دفعت إليه، وإلا تصبح مالا للملتقط بعد التعريف.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قال الإمام، وفق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي، رحمه الله تعالى وغفر له، في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب البيع منه: قال "باب اللقطة". اللقطة في اللغة يقال: بضم اللام وفتح القاف، ويقال أيضًا: بضم اللام وإسكان القاف، هذان وجهان، ووجه ثالث يقال: بفتح اللام والقاف لقطة، ويقال كذلك: بفتح اللام وإسكان القاف لقطة. وأولها أشهرها وأفصحها، وهو في اللغة: التقاط ما كان ملقًى في الأرض، التقاط ما كان ملقًى من متاع أو نحوه. وعُرِّفت في اصطلاح الفقه، رحمهم الله تعالى، عُرِّفت اللقطة في اصطلاح الفقه رحمهم الله تعالى بأنه: التقاط مال مملوك للغير أو مختص به من غير تعمد. فحقيقتها هذا المعنى: أن إنسانًا يمر فيجد أمامهم شيئًا ملقًى، سواء كان ذلك الشيء الملقى ذا بال أو لم يكن ذا بال، وسواء كان من الحيوان أو كان من الأعيان. إذا التقطه، سُمِّي ذلك الملتقط ملتقطًا للقطة. وكما يقول الفقه، رحمهم الله تعالى: إن للقطة أركانًا ثلاثة، أولها: اللاقط، والثاني: اللقطة، والثالث: الالتقاط. وسأتكلم معنا بإذن الله تبارك وتعالى. وقال الكلام على مختصر في أحكام اللقطة في هذا المتن المختصر بإذن الله تبارك وتعالى. وقول الإمام ابن قدامة، رحمه الله تعالى: "باب اللقطة"، أي مدخل في الكلام على مسائل وأحكام اللقطة. قال رحمه الله تعالى: "وهي على ثلاثة أضرب"، أي أن اللقطة على ثلاثة أضرب، وذكر كما سيأتي معنا ثلاثة أضرب، وزاد بعض العلماء، رحمهم الله تعالى، ضربًا رابعًا، وزاد كذلك غيرهم ضربًا خامسًا. فالرابع: لقطة الحاج. لقطة الحاج لما جاء في حديث عبد الرحمن التميمي عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لقطة الحاج. فلقطة الحاج منهيٌ عن التقاطها على تفاصيل عند العلماء، رحمهم الله تعالى، لأن من التقاطها لأجل ردها للبحث عن صاحبها، لإعطائها للسلطان أو لنائبه، هذا لا بأس. فلقطة الحاج، كما يقول علماء، رحمهم الله تعالى: لا تمتلك بحال، سواء كانت ذا بال أو لم تكن كذلك. وذكروا أيضًا من أنواع اللقطة: اللقطة في الحرم. اللقطة في الحرم كذلك، فإنها لا تلتقط إلا لمنشد، كما جاء في الصحيح من حديث ابن عباس وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما ذكر لقطة الحرم قال: "ولا تلتقط لقطتها إلا لمنشد". إلا لمنشد، أي يبقى ينشدها أبدًا. من التقط لقطة الحاج يبقى ينشدها أبدًا، أي لمن وجد أو من ضاع عليه ضالة. من ضاع عليه شيء فليتكلم أبدًا، أو يدفعها كما يقول علماء، رحمهم الله تعالى: إن تعسر عليه ذلك يدفعها إلى السلطان أو من ينوبه السلطان، كما هو الحال بحمد الله تبارك وتعالى في أيامنا هذه، يعني في الحرم هناك أمكنة للضوال، من ضاع عليه شيء أو من التقط شيئًا ذهب إلى تلك الأمكنة المعدة لتلك الضوال ولتلك الأشياء الضائعة، فمن وجد شيئًا دفعها إلى تلك الأمكنة وتلك المكاتب المختصة من قبل ولي أمر تلك البلاد. قال رحمه الله تعالى: "قال وهي على ثلاثة أضرب". وقوله "على ثلاثة أضرب" أي ذكرها بهذا الأسلوب الذي فيه أسلوب الحصر، بناء على حديث زيد بن خالد الجهني، رضي الله عنه وأرضاه، المتفق عليه الذي يعتبره عمدة هذا الباب، أي عمدة باب اللقطة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم اللقطة في حديث زيد بن خالد إلى ثلاثة أقسام، سيأتي ذكرها بإذن الله تبارك وتعالى في ثنايا كلام الإمام ابن قدامة، رحمه الله تعالى وغفر له. قال رحمه الله تعالى: "وهي على ثلاثة أضرب، أحدها ما تقل قيمته". وهي على ثلاثة أضرب، أحدها يجوز أن يقال: أحدها، ويجوز أن يقال: أحدها. الرافع على ماذا؟ والكسر على ماذا؟ عند من؟ نعم، أحسنت. الكسر على البدلية، والرافع طيب أو يقال: على الاستئناف طيب. قال رحمه الله تعالى: يعني إذا قيل: "وهي على ثلاثة أضرب أحدها" يكون على البدلية، وإذا قيل: "أحدها" يكون على الاستئناف. قال رحمه الله تعالى: "ما تقل قيمته فيجوز أخذه والانتفاع به من غير تعريف". لقول جابر، رضي الله عنه: "رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصى والصوت وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به". حديث جابر، رضي الله عنه وأرضاه، رواه أبو داود وغيره، وفيه اختلاف مشهور عند المحدثين، والراجح فيه أنه موقوف، ولكن له حكم رفع. والراجح فيه أنه موقوف، لكن له حكم رفع لأنه جاء بلفظ: "كانوا لا يرون بأسًا في أخذ العصى والصوت وأشباه ذلك يلتقطه الرجل ينتفع به". وقوله "كانوا" المراد به في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون من قبيل المرفوع حكمًا. والمرفوع حكمًا يعتبر أو تعتبر الدلالة أو الاستفادة منه في إثبات أحكام، لأنه من قبيل المرفوع من قبل السنن المرفوعة الثابتة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن حكمًا. فاستدل العلماء، رحمهم الله تعالى، بحديث جابر المذكور على أن من كان على أن ما كان كذلك من اللقط فإنه يباح الانتفاع به. يباح الانتفاع به. الحديث المذكور. وفي ضبط ما يلتقط وينتفع به من غير تعريف عند الفقهاء، رحمهم الله تعالى، خلاف طويل، أي ما هو الضابط في الشيء الملتقط الذي يعرف، وما هو الضابط في الشيء الملتقط الذي لا يجب أن يعرف. العلماء، رحمهم الله تعالى، في الشيء الذي لا يؤبه له، الشيء يقول: الشيء الذي لا يؤبه له هو الذي لا يحتاج إلى تعريف، ومن التقطه فإنه يتملكه. مثل ما ذكروا مثل الصوت، مثل كذلك العصى الصغيرة التي لا يحتاجها الإنسان، وما شابه ذلك. والعبرة بالشيء الذي لا يؤبه له، كما يقول علماء، رحمهم الله تعالى: أن لا يأبه له أوسط الناس، لا الأغنياء لأن الأغنياء ربما لم يأبهوا للشيء الثمين لغناهم، ولا الفقراء الشديد الفقر لأنهم يأبهون لكل شيء. إذن المقصود بالشيء الذي لا يؤبه له أي لا يؤبه له عند أوسط الناس. عرفاء فيرجع إلى عرف أوسط الناس، فإذا كان أوسط الناس في الشيء المعين يقولون: مثل هذا ما أحد يلتفت له. ما معنى ما أحد يلتفت له؟ بمعنى أنه إذا سقط عن الإنسان لا يحتاج إلى أن يبحث عنه اليوم بعد اليوم. إذا سقط على الإنسان ما سيبحث عنه اليوم بعد اليوم ويرجع إلى الطريق يذهب ويرجع يذهب ويرجع. فمثل هذا يدل على أنه ماذا لا يؤبه له. مثال ذلك: إنسان متوسط، مثلًا يمشي في السوق، كانت في جيبه مثلًا في العملة اليمنية، نعم مثلًا مئتي ريال، خمسمئة ريال، فوضع يده في الجيب ما وجد الخمسمائة ريال. رجل متوسط، هل سيحتاج إلى أن يبحث في السوق عن الخمسمائة ريال؟ سيسأل: يا جماعة، من وجد ضائعة؟ من وجد خمسمائة ريال؟ هل يحصل هذا؟ لا يحصل لأنه شيء ماذا لا يؤبه له عند من عند الأواصط. بخلاف من الفقراء الشديد الفقر، ربما بحثوا عنه يبحثون عنه. وأما الأغنياء فربما آلاف إذا سقطت عليهم يمشون وما يبالون. فالعبرة بماذا بالأواصط؟ بأوسط الناس وعرف أوسط الناس في الشيء الثمين من عدمه، والشيء الذي له بال من عدمه. فهذا هو المعتبر في ما له بال وما ليس له بال. لذا جاء في حديث جابر: "كانوا يعني إذا التقطوا العصى والصوت وأشباه ذلك كانوا كان الرجل إذا التقطها انتفع بها". لماذا؟ لأن مثل لأن مثل هذا عند أوسط الناس ماذا لا يأبهون له ولا يحتاجون إلى البحث عنه. بخلاف بخلاف الأشياء الثمينة. إنسان سقط عليه شيء، مثلًا قطعة ذهب سقط عنه أو عليه مبلغ من المال آلاف، ألفين، ثلاثة، خمسة آلاف، مثلًا باليمن، سيحتاج إلى ماذا؟ سيحتاج إلى البحث والسؤال: يا جماعة، أحد وجد مبلغ من المال؟ ويبحث ويرجع الأماكن التي قد مر بها وما شابه ذلك. فمثل هذا ذو بال. فالحاصل بأن مسألة ما له بال وما ليس له بال يرجع في ذلك على الصحيح من أقوى العلماء إلى عرف أوسط الناس. هما عدوه ذا بال فإنه يكون كذلك، وما لم يعدوه كذلك فليس كذلك. طيب، هذه المسألة الأولى في هذا الباب في مسألة اللقطة وما يعتبر في تعريفها وما لا يعتبر في تعريفها. ونخلص منها بماذا؟ نخلص منها أن من وجد شيئًا ذا بال عند أوسط الناس أوسط الناس فإنه يجب عليه أن يعرفه عامًا على ما سيأتي معنا. وما لم يكن كذلك فإنه ينتفع به. فإنه ينتفع به. مجرد أن يأخذه يعني لو أن إنسان مر في طريق وجد مئة ريال يمن، مئتي ريال، ثلاثمئة ريال، هل يحتاج إلى أن يعرف عامًا؟ لا يحتاج. أخذها وينتفع بها. هذا هو المقصود. لكن لو أنه أخذها ووجد صاحبها قبل أن ينتفع بها فإنه يجب عليه أن يدفع إلى صاحبها. لماذا؟ لأنها في الأصل ملك لمن؟ لصاحبها. لأن في الأصل هي ملك لمن؟ لصاحبها. وإنما هو ملتقط، ولكن الشرع أذن له بالانتفاع بها إذا كان حالها على ما تقدم أنه لا يؤبه لها. قال رحمه الله تعالى: "الثاني أي ضرب الثاني الحيوان الذي يمتنع بنفسه من صغار السباع". قال "كالإبل والخيل ونحوها". فلا يجوز أخذه. لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالة الإبل فقال: "ما لك ولها؟ دعها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجرة حتى يأتيها ربها". كما في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني، رضي الله عنه وأرضاه. قال: "ومن أخذ هذا لم يملكه ولزمه ضمانه ولم يبرأ إلا بدفعه إلى نائب الإمام". هذا هو الضرب الثاني، وتحته مسائل. أولها قوله: قوله رحمه الله تعالى: "الحيوان الذي يمتنع بنفسه من صغار سباع". من أو المقصود بصغار سباع؟ قال العلماء، رحمهم الله تعالى: المقصود بصغار السباع هي السباع الصغيرة مما يفترس، مثل الفهود، وكذلك الذئاب والكلاب وما شابه ذلك. هؤلاء يقال فيهم بأنهم ماذا من صغار السباع؟ من صغار السباع. والفقه، رحمهم الله تعالى، حد هذا النوع هذا الضرب بأنه: يمتنع من صغار السباع. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن الإبل قال: "ما لك ولها؟ دعها". قال: "ما لك ولها؟ دعها معها حذاؤها وسقاؤها تريد الماء وتأكل الشجرة حتى يأتيها ربها". قال علماء، رحمهم الله تعالى: فإن النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن الشاة قال: "خذها فإنها هي لك أو لأخيك أو للذئب". ولما سئل عن الإبل قال: "ما لك ولها؟ دعها". الحديث. قالوا: فلماذا فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين اللقطة واللقطة؟ قالوا: لابد أن يكون هناك معنى وعلق النبي صلى الله عليه وسلم بها الحكم في الأول دون الثاني، أي أباحها في الأول ومنعها في الثاني. قالوا: ما هي العلة؟ بحث العلماء، رحمهم الله تعالى، عن تلك العلة، فوجدوها أن الإبل تمتنع بنفسها عن صغار السباع. يعني الإبل إذا جاءها كلب، إذا جاءها ذئب، إذا جاءها فهد، تستطيع عن ماذا؟ أن تدفع عن نفسها. أن تدفع عن نفسها. بخلاف الشاة فإنها لا تستطيع أن تدفع عن نفسها، وبخلاف كبار السباع فإن الإبل لا تستطيع أن تدفع عن نفسها منهم إذا. قالوا: العبرة بأن تستطيع أن تدفع عن نفسها من ماذا؟ من صغار السباع. فقالوا: كل ما كان يستطيع أن يدفع عن نفسه من صغار السباع، إما بحجمه يكون كبيرًا، مثل ماذا؟ مثل الإبل. وأدرج تحته قالوا: كذلك البقر، وكذلك ماذا؟ الخيل. وكذلك البغال. وبعضهم حتى الحق ماذا؟ الحمير. قالوا: لماذا؟ أن تشترك في ماذا؟ في الحجم. تدفع عن نفسها بهذا الاعتبار. وإن كان في بعض خلاف. وإن كان في بعض خلاف، أي باعتبار ماذا؟ للحاق كالحمار، هل يلحق بالشاة أو يلحق بالإبل؟ كذلك البغرة، هل تلحق بالشاة أم تلحق بالإبل؟ والذي عليه كثير من أهل العلم أنها تلحق بالإبل، باعتبار ماذا؟ باعتبار حجمها. كذلك ألحق العلماء، رحمهم الله تعالى، بمعنى الامتناع: ما كان يستطيع أن يمتنع عن صغار السباع وعدوه، وإن كان حجمه صغيرًا، مثل ماذا؟ قالوا: مثل الضبي، الغزالة، وكذلك الأرنب، وما شابه ذلك. فإن هذه وإن لم تكن ذا جسم قوي وكبير، إلا أنها تستطيع أن تحمي نفسها عن صغار السباع بماذا؟ بالعدو. قالوا: إذن لها خاصية تستطيع أن تمنع نفسها من صغار السباع. قالوا: وأيضًا يلحق به ما كان يمتنع بنفسه عن صغار السباع بطيرانه، أي يستطيع أن يطير إذا جاءه صغار السباع استطاع أن يمتنع عنها بالطيران، مثل الحمام، وما كان أيضًا في معناها. قالوا: فما كان كذلك فإنهم إذا وجدها الإنسان لا يلتقطها. لماذا؟ لأن حكمها حكم الإبل. يقال له: "دعها". "ما لك ولها؟" ترد الكلأ وتشرب وتشرب الماء حتى يأتيها ربها. لماذا؟ لأنها ممتنعة عن الصغار السباع بما آتاها الله جل وعلا من الخاصية. إذن قوله رحمه الله تعالى وغفر له: "الحيوان الذي يمتنع بنفسه من صغار السباع كالإبل والخيل". قوله "كالإبل" ثم قال: "والخيل" أي إلحاقًا بالإبل. وقال: "ونحوها" كذلك. "ونحوها" مما كان في معنى مما ذكر وأشير إليه. قال: "فلا يجوز أخذه". لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالة الإبل فقال: "ما لك ولها؟ دعها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الكلأ حتى يأتيها ربها". قال: "ومن أخذ هذا لم يملك". أي لو أن إنسانًا أخذ إبلًا ضالة، أخذ إبلًا ضالة، وجد خيلًا أخذه. قال: "هذه ضالة لقطة". ما الحكم هاهنا؟ يقول الإمام ابن قدامة، رحمه الله تعالى: "ومن أخذ هذا لم يملك أبدًا". إن أخذه لم يملك. بخلاف النوع الأول: الشيء الذي لا يؤبه له. بمجرد أن يملكه أو يتحصل عليه يلتقطه يكون ماذا؟ يكون مالكًا. إلا أن يأتي صاحبه قبل أن ينتفع به. أما النوع الثاني الذي يمتنع بنفسه عن صغار السباع، فإنه لا يجوز له أن يلتقطه. وإن التقطه فإنه لا يملك. ولزمه ضمانه. لماذا لم يملك؟ قال علماء، رحمهم الله تعالى: أن الأصل في ذلك الملتقط أنه ملك للغير. واضح. الأصل في ذلك الملتقط أنه ملك للغير. والأصل فيما كان ملكًا للغير أنه يكون ملكًا للغير. فمن أخذهم وتملكهم لم يكن متملكًا له في ماذا؟ في الحقيقة. وإن تلف عنده يعتبر معتديا على ذلك الشيء. فيلزمه ضمانه. فيلزمه ما؟ ضمانه. فإن قال قائل: فكذلك الشيء الصغير الذي لا يؤبه له، الشاة مثلًا هي ملك للغير. فكيف حل لنا أن نأخذها؟ أن ننتفع بها؟ يقال: بأن ذلك الأصل قابله أصل آخر. ما هو الأصل الآخر؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الحالة أذن بالانتفاع به وتملكه. واضح. جماعة. وأما مثل الإبل ونحوها فإنها بقيت على ماذا؟ على أصل المنع. بقيت على أصل المنع. فمن تملكها يكون غاصبًا. يكون معتديا على حق غيره. فلا يتملك بحال. وإن تلاف عنده وإن لم يكن بتعد وإن لم يكن بتفريط فإنه يضمنه. لأنه يعتبر ماذا؟ معتديا على مال غيره بوضع يده عليه بغير إذن غيره. قال رحمه الله تعالى: "ولم يبرأ إلا بدفعه إلى نائب الإمام". أي إلا بدفعه إلى الإمام أو من نوبه الإمام. بمعنى أنه لو وجد إبلًا مثلًا فأخذها ودفع إلى ماذا؟ إلى السلطان، إلى الوالي، إلى من فوضه الإمام، فإنه يكون بذلك ماذا؟ برئت ذمته. كذلك ذكر الفقهاء، رحمهم الله تعالى، مسألة هنا: لو أن إنسانًا مثلًا أخذ شيئًا خشي عليه التلف، مثلًا وجد إبلًا في مكان مسبعة، فيها سباع كبار، أسود وما شابه ذلك، خشي عليها أخذها معه. ماذا يصنع؟ قال علماء، رحمهم الله تعالى: لا يملكها. فيدفعها إلى من؟ إلى الإمام. فإن لم يكن مثلًا في تلك البلدة إمام، ليس فيها أو يقال فيها إمام، لكن يخشى أنه يتصرف فيها لا يرجعها إلى حقها لظلمه أو ما شابه ذلك. فماذا يصنع؟ والإبل تحتاج إلى نفقة كبيرة، إلى إطعام، إلى حفظ، إلى غير ذلك. كيف ماذا يصنع؟ جاء في ذلك أثر: أن أحد الصحابة في عهد عمر، رضي الله عنه وأرضاه، وجد ضالة إبل فأتى عمر، فقال له عمر، رضي الله عنه وأرضاه: يعني أمره بماذا؟ بالانتباه لها أو بحفظها. فجاء عمر مرة أخرى فقال: "يا أمير المؤمنين، قد ثقل علي أمرها أو قال: شق علي أمرها". فماذا أصنع؟ يريد خلص منها. يقول: خلصني. قال: "أو خلصني منها". قال: "فأمره عمر، رضي الله عنه وأرضاه، إلى إرجاعها إلى المكان الذي وجدها فيه". وجدها فيه. فاستدل بهذا الأثر جماعة من أهل العلم إلى أن البراءة كذلك تحصل بأن يرجعها إلى مكانها التي وجدها. لكن لا شك ولا ريب أن المكان إذا كان يغلب على ظنه أن تتلف، فينبغي له أن ينظر إلى حل آخر. وإلا بعض العلماء، بل جماهير العلماء، رحمهم الله تعالى، في مثل هذه المسألة يقولون: لو أنه أخذها ثم مكثت عنده أثرًا يوم، يومين، أكثر، ثم ضاق عليه الأمر فرد إلى مكانها فتلفت، فإنه يضمن. لماذا؟ لأنه قد حصل منه تعد. حصل منه ماذا؟ تعد. لكن أثر عمر، رضي الله عنه وأرضاه، يدل على ماذا؟ على أنه لا يضمن. وقول عمر أرفع وأوثق. والله أعلى وأعلم. وآثر عمر صحيح. رواه الإمام مالك، رحمه الله تعالى، في الموطأ وغيره. قال رحمه الله تعالى: "الثالث ما تكثر فيه قيمته من الأثمان". أي الضرب الثالث من أنواع اللقطة: ما تكثر قيمته من الأثمان والمتاع والحيوان الذي لا يمتنع بنفسه من صغار سباع. قال: "فيجوز أخذه ويجب تعريفه حولًا في مجامع الناس". طيب، هذا الضرب الثالث، وتحته مسائل كثيرة كذلك. نشير إليها إشارات. الأولى قوله رحمه الله تعالى: "ما تكثر قيمته من الأثمان والمتاع والحيوان". له قيمة. سواء كان من الأثمان، أي الأشياء التي لها ثمن. أشياء التي لها ثمن، مثل النقود، الدراهم، الذهب، الفضة، وما كان ذا ثمن. والمتاع، مثل الملابس وما شابه ذلك. والحيوان معلوم. قال: "الذي لا يمتنع بنفسه". لأنه ما كان يمتنع بنفسه تقدم الكلام عليه. بقي النوع من الحيوان الثمين، لكن لا يمتنع بنفسه، مثل ماذا؟ مثل الشاة. فما حكمها؟ قال رحمه الله تعالى: "الذي لا يمتنع بنفسه من صغار السباع". قال: "فيجوز أخذه". يجوز أخذه. وقوله "يجوز" يفهم منه ماذا؟ أنه يجوز أخذه ويجوز له تركه. لذا ذكر العلماء، رحمهم الله تعالى، ها هنا مسألة: وهي إذا رأى الإنسان لقطة، فهل الأفضل أن يأخذها أو أن يدعها؟ سواء كانت يعني سواء والمقصود هنا بالأشياء ماذا؟ باللقطة. إذا كانت ذا ثمن. إنسان وجد مثلًا عقدًا من ذهب، وجد مبلغًا كبيرًا من مال، وجد شاة. أشياء سيأتي معنا أمر أخف. لكن إذا وجد شيئًا من أشياء ماذا؟ ثمينة. فهل الأفضل أن يأخذها أو الأفضل أن يدعها؟ للعلماء، رحمهم الله تعالى، من حيث الجملة ثلاثة أقوال. الأول: الأفضل الأخذ. والثاني: الترك. والثالث: تفصيل، وهو الأقرب. وهو أنه إن علم من نفسه قوة على حفظها وخشي إن تركها أن تقع في يد تعبث بها ولا تردها إلى أصحابها، فإنه يأخذها وأجره على الله. وإن خشي على نفسه أو لم يكن يثق بنفسه أن يحفظها أو يرى أن غيره في ذلك المجتمع ربما يكون أحفظ وأصوب لها، فالأولى في مثل ذلك ماذا؟ أن يدعها. لأنها في الحقيقة حكمها كحكم الوديعة. والوديعة أمانة. والأمانة تحتاج إلى أمين. والأمانة تحتاج إلى ماذا؟ إلى أمين. لذا قال علماء، رحمهم الله تعالى، في اللاقط أو اشترط العلماء، رحمهم الله تعالى، في اللاقط أن يكون أمينًا. قالوا: بأن يكون عاقلًا، بالغًا، مكلفًا، وأن تكون يده أمينة. لأن اللاقط في مثل هذه الحال يكون ماذا؟ يكون أمينًا على ما التقطه من ذلك المال. والمقصود المال الذي له شأن. المال الذي له الذي له شأن. قال رحمه الله تعالى: "فيجوز أخذه ويجب تعريفه حولًا في مجامع الناس". وقوله "يجب تعريفه" لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن لقطة الذهب والورق، أي الفضة، قال: "اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها ولا تكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوم من الدهر فادفعها إليه". طيب، وقوله "فيجوز أخذه ويجب تعريفه حولًا في مجامع الناس". هذا هو الأصل. وستثنى العلماء، رحمهم الله تعالى، من ذلك أمورًا. قالوا: إذا كان ذلك الشيء مثلًا ثمينًا ولكنه إذا أخر يتلف، مثل ماذا؟ مثلا إنسان وجد لحمًا، كيس من اللحم في طريق، مثلًا وجد شاة، لكنه ماذا؟ كيس لحم في شاة في طريق. فالآن إذا أخذها قيمتها كبير، قيمتها من نحو عشرين ألفًا، ثلاثين ألفًا، لكن في ماذا؟ في كيس كبير مثلًا سقط من سيارة، ما أعرف من أين سقط، فوجدها. فهل يعرفها عام؟ هل ستبقى؟ يا جماعة، قالوا: لا. قالوا: مثل هذا لو أنه ينتفع بها، ولكن قبل أن ينتفع بها يثمنها، ينظر كم قيمتها، يذهب إلى صحاب السوق مثلًا: هذا اللحم كم وزنه؟ يقوم هذا مثلا عشر كيلو بكم؟ الكيلو يقوم بألفين. إذن عشرين ألفًا قيمتها. يحفظ قيمتها. أو رجل مثلًا وجد طعامًا أو شيء من الفواكه أو من الخضروات التي إذا تأخرت مدة فسدت. قال: ففي مثل هذه الحالة لا بأس أن ينتفع بها ولو قبل ماذا؟ قبل التعريف، أي قبل أن يعرفها عام. لماذا؟ لأنها إذا عرفت عامًا ستتلف. فالانتفاع بذلك المال وضمانه أولى وأفضل لمن؟ لصاحب المال. الرجوع من تلفه. فلذا قال: في مثل هذه الحالة يستفيد وينتفع من ذلك المال. ومتى جاء صاحبها وذكر أوصافها دفعها إليه. دفعها إليه. إذن قوله "ويجب تعريفه حولًا في مجامع الناس". إذا كان مثله يبقى ويدوم لمدة لهذه المدة، أي لمدة ماذا؟ عام. مثل ماذا؟ كما ذكر. مثل الأثمان والمتاع والحيوان. واضح. لكن ما كان يتلف فإنه لا بأس بأن ينتفع به. سواء كان بطعام أو كما قال علماء، رحمهم الله تعالى: ببيع. ببيع مثلًا كما ذكرنا. وقد لحم في كيس. ذهب إلى السوق: كم الكيلو اللحم؟ قال له: بألفين ريال. قال: بيعوا له هذا الكيس من اللحم. باعوا له بمبلغ. أخذ المبلغ. جعله ماذا؟ محفوظًا عنده. أو وجد شاة. شاة كما سيأتي معنا في الشاة: "هي لك أو لأخيك أو للذئب". قال علماء: إما أن يأكلها وإما أن يبيعها ويحتفظ بثمنها، وإما أن يعلفها حتى يأتي صاحبها فيدفع إليه قيمة أو أجرة ذلك العلف. قالوا: هذا أرضاء الأحوال. لماذا؟ أنه قد يأتي بعد السنة وقد دفع ماذا؟ يعني قيمة الشاة زيادة. فمثل هذا قالوا: ينبغي له أن يأخذ بالأحوط والأولى والأحفظ. لماذا؟ لصاحب المال. لماذا؟ لأنه أمين. والأصل في يد الأمين أن يعمل الأولى والأحوط والأفضل لمن ائتمنه. فهو بين أمرين: إما أن يبيعها ويعرف ثمنها عنده، يعني يبيعها ويأخذ ثمنها ويحتفظ به. وإما أن يذبحها. وقبل أن يذبحها كذلك يعرف كم قيمتها. قال: لو قيمتها مثلًا هذه الشاة قيمتها عشرون ألفًا يمنيًا. خلاص يعرف أن قيمتها كم؟ هذا المبلغ. ويحتفظ بأوصافها. يحتفظ بأوصافها. متى جاء صاحبها وأتى بأوصافها دفع له القيمة. قال رحمه الله تعالى: "ويجب تعريفه في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد". وهذا هو المعتبر في التعريف. المعتبر في التعريف أولًا أو يشترط في التعريف أولًا أن يكون ماذا؟ عامًا. وليس المقصود عام كما قال علماء: أن تخرج كل يوم تعرف تلك الضالة. لأن هذا لا يستطاع إليه. هذا لا يستطاع إليه. ولكن كما قال علماء، رحمهم الله تعالى: في بداية التقاط الضالة تكون ماذا؟ هناك متكرر الخروج إلى مجامع الناس. وكلما تأخر الوقت ينظر أوقات تجمع الناس فيعرفها. مثلا الجمع، مثلا يجعل في كل جمعة يقف عند الباب عند باب الجامع: يا جماعة، من ضاع عليه ضالة فليأتني. أو كما يفعل بعض الناس اليوم يعملون أوراق: من ضاع عليه شيء فليتصل برقم كذا وكذا. أو يذهب الأسواق وهكذا. وقال علماء كذلك: ينبغي أن يعرفها في المكان الذي وجدها فيه. أن يعرف في المكان الذي وجدها فيه. وفي مجامع الناس. ما يكون وجدها مثلًا على سبيل المثال وجدها في سوق. يعرف في سوق آخر. بل يعرف في ذلك السوق الذي وجدها فيه. لأنها مظنة لرجوع صاحبها إليه. بخلاف ما إذا عرفها في مكان آخر. أو يكون مثلًا أخذها في قريب من جامع. فيذهب فيعرف في جامع آخر بعيد. يقول: عبرة بماذا؟ بالجامع هذا جامع وهذا جامع. ليس العبرة بهذا. العبرة أن تلتمس أقرب الأماكن مظنة لوجود صاحبه تلك الضالة. فتعرف في ذلك المكان في ذلك المجمع. قال رحمه الله تعالى: "فمتى جاء طالبها". أي طالبها تلك الضالة. قال: "فوصفه فوصفه دفعه إليه بغير بينه". وهذه مسألة ذكر الفقهاء، رحمهم الله تعالى. وهي إذا عرف من التقط اللقطة اللقطة فجاء إنسان فقال: "هي لي". فقال له: "ما وصفها؟" فأتى بالوصف. واضح. جماعة. فهل يدفعها إليه؟ أم لابد من بينه؟ أي يقول: ائتني بشهود يثبتون أنك صاحب هذا الشيء. واضح. جماعة. خلاف بين الفقهاء. فذهب جماعة من الفقهاء إلى اشتراط مال البينة. أي أن يأتي بشهود يقول: نعم، الوصف أصبته، لكن لابد أن تأتي بماذا؟ بشهود يثبتون حقك. قالوا: كسائر ماذا؟ كسائر الحقوق. كسائر الحقوق. فإن لا تثبت إلا بماذا؟ إلا بالبينة. وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن ذلك لا يشترط في اللقطة. لماذا؟ قالوا: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فادفعها إليه". فادفعها إليه. يعني فعرفها فادفعها إليه. ما قال: فاطلب بالبينة. طالبه بالبينة. بل قال ماذا؟ فادفعها إليه. بعد أن بين لهم أن يحفظ عفاصها ووكاءها، أي ينظر إلى مدى إلى أوصافها. فالعلماء، رحمهم الله تعالى، أو طائفة من العلماء، رحمهم الله تعالى، قالوا ماذا؟ قالوا: بأن وصفه للضالة بذلك الوصف الدقيق الذي هو وصفها. قالوا: هذه هي البينة المعتبرة في ماذا؟ في اللقطة. واضحة. جماعة. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإن جاء طالبها فعرفها أو قال: فعرفها". قال: "فادفعها إليه". فادفعها إليه. قال رحمه الله تعالى: "قال وإن لم يعرف". أي لم يأت صاحبها. قال: "فهو كسائر ماله". سائر مال من؟ ذلك الملتقط. أي تصير كسائر ماله. أي ينتفع بها. ينتفع بتلك اللقطة. إنسان وجد مثلًا قطعة ذهبية قيمة، قيمة مثلًا مئة ألف. عرفها سنة بعد السنة. ما جاء أحد. ماذا يصنع؟ ينتفع بها. ينتفع بها. لكن كما يقول علماء: لا ينتفع بها إلا بعد ماذا؟ أن يعرف أوصافها وأن يضبط أوصافها. قال: "فهو كسائر ماله ولا يتصرف فيه حتى يعرف وعاءه ووكاءه وصفته". فمتى جاء طالبه فوصفه دفعه إليه. أو مثله إن كان قد هلك. أي ولو بعد سنة أو سنتين أو ثلاثة أو عشر. واضحة. جماعة. لما جاء في الحديث: "فإن جاء صاحبها يوم من الدهر". فماذا؟ فادفعها إليه. قال رحمه الله: "وإن كان حيوانًا". وقوله رحمه الله تعالى: قال: "فوصفه دفعه إليه أو مثله". قوله "دفعه إليه" أي إذا كان موجودًا.