الدرس في حلية طالب العلم 51، ألقاها
يتحدث الشيخ عن أهمية إخلاص النية لله تعالى في طلب العلم وحفظه والعمل به، ويحذر من جعله وسيلة للرياء والمفاخرة. طالب العلم يجب أن يخلص نيته ويجاهد لتحقيق الإخلاص في أعماله.
المقطع يحذر من طلب العلم للعرض والرياء ويعتبره دليلاً على عدم صلاح النية وسوء القصد. كما يحذر من آفات العلماء مثل حب الرئاسة وكثرة الجدل، ويشدد على أهمية ربط حفظ العلم بالعمل به.
ينبغي للدعاة أن يكونوا على هيئة أهل العلم والصلاة ظاهرا وباطنا تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه الهيئة تشمل الجوانب الظاهرة والباطنة وترتبط بآداب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سلوكه ومظهره.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى: قال: وما زلنا في الفصل الخامس في آداب الطالب في حياته العلمية. قال رحمه الله تعالى: حفظ الرعاية أن ينبغي لطالب العلم أن يحفظ العلم حفظ رعاية، أي عناية بالعلم ظاهرا وباطنا، بأن يكون عاملا بعلمه ظاهرا وباطنا، ويكون مقصده من طلبه للعلم رفع الجهل عن نفسه أولا، وعن غيره ثانيا، والعمل بما تعلم. قال رحمه الله تعالى: أبذل الوسع في حفظ العلم حفظ رعاية، بالعمل والاتباع. بالعمل بالعلم ظاهرا وباطنا، ظاهرا بأن يعمل بما تعلم ظاهرا من الفرائض، من الواجبات، من الآداب والمستحبات، وباطنا بإخلاص النية لله جل وعلا، وتصحيح النية وصدق النية، إلى جانب الأمور الأخرى التي هي من أمور الباطن التي يحتاجها الطالب في مسيره إلى الله جل وعلا في طلبه للعلم. قال رحمه الله تعالى: قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: يجب على طالب الحديث أن يخلص نيته في طلبه. يجب على طالب الحديث أن يخلص نيته في طلبه، ويكون قصده وجه الله سبحانه. وتقدم معنى الإخلاص في أوائل هذا الكتاب، في أول مسألة الكلام عن الإخلاص، وأن الإخلاص عزيز، وأن الإخلاص قد عانى في طلبه وتحصيله الصالحون في كل زمان ومكان، وجاهدوا أنفسهم لأجل نيل الإخلاص. مع أن الطالب أول أمره قد يكون طلبه للعلم لأجل غرض، لأجل غرض ليس بشرعي، كأن يكون حب الرياسة، حب الشهرة، أن يكون له منصب. فبعضهم ربما طلب العلم لأجل هذا المعنى. ونجد في كتب التراجم عن أئمة أكابر أجلة يقول أحدهم: طلبت العلم لغير الله، فأبى العلم إلا أن يكون لله. أبى العلم إلا أن يكون لله، هذا العلم النافع الذي انتفع به طالبه، وانتفع به محصره، إذ أنه قاده إلى أعظم الأمور وأجلها، قاده إلى تصحيح نيته وإخلاص نيته، وتصفية نيته عن الشوائب والأخلاق التي قد تحول بينه وبين ربه جل وعلا. فهذه المسألة كما سمعتم قد تقدم شيء منها في أوائل هذا الكتاب، وذكرنا أن الصالحين عانوا معاناة عظيمة لأجل هذا الأمر، لأجل أن يجاهدوا أنفسهم لأجل إخلاص أعمالهم لله. وذكرنا حينها بعض الآثار من الآثار المذكورة، ما جاء في قصة عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه، أمير المؤمنين وخليفة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وخير هذه الأمة بعد نبيها وأبي بكر، حينما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان بأسماء المنافقين. ذهب إليه عمر يسأله، وهو عمر رضي الله عنه وأرضاه: يا حذيفة، أسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟ يخشى على نفسه النفاق عمر بن الخطاب، وهو عمر رضي الله عنه وأرضاه يخشى على نفسه النفاق، فكيف بمن هو دون عمر؟ وانظر كذلك إلى حال صديق الأكبر، صديق هذه الأمة رضي الله عنه وأرضاه، حينما لقيه تعلب، فقال: نافق تعلب. قال: وما ذاك؟ قال: كنا إذا كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرنا بالله كنا على حال، فإذا رجعنا إلى انقلبنا إلى بيوتنا وعافسنا النساء والأولاد. قال: صرنا إلى ما صرنا إليه. فقال: أوبك نعم وأنا كذلك. فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالحاصل أنهم كانوا يخشون على أنفسهم النفاق، يخشون على أنفسهم النفاق. ثابت بن قيس رضي الله عنه وأرضاه، نزل قول الله جل وعلا في جهر الصوت: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. فقده النبي صلى الله عليه وسلم أين ثابت؟ فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنا آتيك بخبره. فانطلق إلى ثابت بن قيس فأخبره. ثابت بن قيس بما أنذر الله، وأن ثابت بن قيس كان صوته كان صوته عاليا، فقد حبط عمله. قال: فقد حبط عملي. فقد حبط عملي. فرجع الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قال ثابت. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس هو من أهل النار، بل هو من أهل الجنة». قال أنس: «كمشيحين». قال: «فبشره بالجنة». فالحاصل أن القوم كانوا على هذه الحال، كانوا يخشون على أنفسهم، يجاهدون أنفسهم، ويصلحون نياتهم، ويخافون على أنفسهم أن تكون حبطة أعمالهم، أو أن يكونوا عملوا من الأعمال ما هي ليست خالصة لله جل وعلا. وكذلك ما مر معنا أيضا في قصة أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، حينما سأله الرجل: جاء أبا هريرة، أخبرني بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته أذناك ووعاه قلبك. فقال أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه: حدثني صاحب هذه الدار، أو قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشار إلى داره. ثم أغشي على أبي هريرة، ثم أفاق. ثم قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحجرة، وأشار إلى حجرة عائشة. ثم أغشي عليه، ثم أفاق. فقال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحجرة، ليس بيني وبينه أحد. قال: ثم خر حتى نخر، أي أغشي عليه أشد مما كان قبله. قال: فلما أفاق، فلما أفاق، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث». قال: أول من تسعر بهم النار ثلاثة: قارئ للقرآن، ومتصدق، ومجاهد. وذكر الحديث، وهو في مسند أحمد بإسناد صحيح، وأصله في الصحيح، وأصله في صحيح مسلم. فالحاصل أنهم كانوا يخشون الله جل وعلا، ويخشون على أنفسهم أن تكون أعمالهم ليست خالصة لله جل وعلا. ولكن خلف من بعدهم خلف اطمأنوا لأعمالهم، ورأوها كأنها الحسنات الكبار. وفي المقابل نظروا إلى سيئاتهم وذنوبهم فهشوها، كما يهش الإنسان الذباب إذا وقع على أنفسهم. إنا لله وإنا إليه راجعون. قال رحمه الله تعالى: وليحذر أن يجعلهم، وليحذر. قال: يجب على طالب الحديث أن يخلص نيته في طلبه، ويكون قصده وجه الله، ويكون قصده وجه الله سبحانه. وليحذر أن يجعله سبيلا إلى نيل الأعراض، إلى نيل الأعراض، وطريقا إلى أخذ الأعواض. فقد جاء الوعيد لمن افتغى ذلك بعلمه، أي أن يطلب العلم لأجل العوض. يطلب العلم لأجل العوض، هذا على خطر عظيم. على خطر عظيم. وقد جاء التهديدات والوعيد الشديد في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله: وليتق المفاخرة والمباهات به، أي على طالب العلم أن يكون حذرا من المفاخرة والمباهة في علمه، أن يفتخر بالعلم، أن يباهي بعلمه: أنا وقفت على ما لم تقف عليه، وحفظت ما لم تحفظ، وآتاني وأوتيت من العلم ما لم تؤت، وما شابه ذلك. هذا يدل على عدم صلاح النية، ويدل كذلك على سوء القصد في طلب العلم. ويكاد أن ينقطع به عن العلم، ويكون العلم وبالا عليه. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين». قالوا: أن يكون قصده في طلب الحديث نيل الرئاسة، واتخاذ الأتباع، وعقل المجالس. فإن الآفة الداخلة على العلماء أكثرها من هذا الوجه. الخطيب رحمه الله تعالى البغدادي، وهو أحد الأئمة، بل ذكر بعضهم أنه خاتمة الحفاظ المتقدمين، يقول: آفة العلماء هذا الأمر حب الرئاسة، كثرة الجدل، وإظهار العلم والمسائل، كذلك أن يكون قصده كثرة الأتباع، أن يكون له أتباع يقولون بقوله وينهجون بنهجه. قال: فإن الآفة الداخلة على العلماء أكثرها من هذا الوجه. وقد قال بعض السلف: آخر داء يتخلص منه الصالحون حب الرئاسة. حب الرئاسة آخر داء يتخلص منه الصالح، يسير معه حيث ثار، ويقف معه حيث وقف. فإن صدق مع الله، وجاهد نفسه، وأخلص نيته لله جل وعلا، تخلص من هذا الداء. وإلا فإنه كما سمعتم، وقد رص على هذا غير واحد من السلف، بأنه داء الصالحين. حب الرئاسة داء الصالحين. وحب الرئاسة آخر داء يتخلص منه الصالح، بعد المجاهدة، وبعد الصدق، وبعد النظر في نفسه بين الوقت والآخر، يتخلص من هذه الخصلة. فنعوذ بالله جل وعلا من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا صالح الأعمال. قال رحمه الله تعالى: وليجعل حفظه للحديث حفظ رعاية، لا حفظ رواية. وليجعل حفظه للحديث حفظ رعاية، حفظ علم وعمل ظاهرا وباطنا، لا حفظ رواية، أي ليس مجرد حفظ رواية، يحفظ الأحاديث والأسانيد دون أن يمتثل الأوامر، ويمتثل كذلك النواهي باجتنابها. بل يكون العلم إنما هو علم ورق، لا ينتفع به في حياته، لا في عبادته، ولا في معاملاته، ولا في سلوكه، ولا في آدابه. فلا ينفعه العلم وهو كذلك. قال رحمه الله تعالى: فإن رواة العلوم كثير، ورعاتها قليل. العلماء الربانيون قليل. وأما العلماء أصحاب المسائل، وكثرة المسائل، والحفظ، وما شابه ذلك، فكثير. انظر إلى المجتمع اليوم، كم من إنسان قيل فيه بأنه عالم، وأنه عندهم من العلم كذا وكذا، وعندهم من الحفظ كذا وكذا. لكن أين العاملون بالعلم؟ أين رعاة العلم؟ بعدون بماذا؟ بالأصابع. فصدق رحمه الله تعالى إذ قال: فإن رواة العلوم كثير، ورعاتها قليل. رعاة العلم ظاهرا وباطنا، علما وعملا، قليل. قال: ورب حاضر كالغائب. هو بين العلم، ولكنه غائب عن العلم. هو يسمع ويتعلم، ولكنه غائب عن العلم. لماذا؟ لأن علمه علم رواية، لا علم رعاية. قال: وعالم كالجاهل. ما الجامع؟ قال: وحامل للحديث ليس معه منه شيء، إذ كان في اطراحه لحكمه بمنزلة الزاهد عن معرفته وعلمه. عالم كالجاهل، ما الجامع بينهما؟ هذا لا يعمل، وهذا لا يعمل. هذا لا يعمل وعنده علم، وهذا لا يعمل وهو جاهل. يجتمعان في ماذا؟ في عدم العمل بالعلم. بل الأول قد يكون أشد وأشر. لماذا؟ لأن العيب يظهر في الإنسان إذا كان عليه سمة الصلاح والخير، ما لا يظهر في غيره. وكما قيل: الثوب الأبيض يظهر فيه الوسخ، ولو كان يسيرا. وغيره قد لا يظهر فيه الوسخ، ولو كان كثيرا. وقد قال بعضهم: فالعيب في الجاهل المغمور مغمور، وعيب ذي الشرف المذكور مذكور. قلامة الظفر تخفى من حقارتها، ومثلها في سواد العين مشهور. فالشاهد من هذا أن الأمر إذا كان من إنسان قد انتسب إلى العلم، الخطأ منه يكون ماذا؟ ظاهرا، ويكون قبيحا. عدم العلم بعدم العمل بالعلم يكون ماذا؟ يكون قبيحا. بخلاف الجاهل، هو ماذا؟ حسبه أنه جاهل، أن يقال فيه بأنه ماذا؟ أنه جاهل. جاهل يعني هذه وصمة، وصمة كافية في ذنبه لأنه جاهل. قال رحمه الله تعالى: وينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق العوام، باستعمال آداب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمكنه، وتوظيف السنن على نفسه. فإن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. بمعنى أن طالب العلم يكون مميزا، أو متميزا بمظهره، كما أنه ينبغي بل يجب أن يكون متميزا في مخبره. فيكون على هيئة أهل العلم، وهيئة أهل الصلاة. وكذلك ينبغي أن يكون مخبرهم، أن يكون على هذه الهيئة ظاهرا وباطنا، تأسيا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم. وإلى هنا. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.