الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 51، ألقاها
يناقش حكم اقتباس الكلام من القرآن في الكلام اليومي، حيث ذكر الإمام النووي خلافًا حول هذه المسألة. يرى إبراهيم النخعي كراهة تأويل القرآن لشيء يعرض من أمر الدنيا.
يتناول أحكام الرد بآيات قرآنية أثناء الصلاة، حيث يرى العلماء جواز الرد إذا قصد به التلاوة. كما يتناول أحكام قطع القراءة عند سماع الأذان أو العطس أو السلام.
يتناول أحكام قطع القراءة في مواضع مختلفة مثل المرور على قوم أو عند السلام أو العطس. يُوضح استحباب قطع القراءة للسلام على المارة ووجوب رد السلام واستحباب تشميت العاطس.
يتناول حكم مقاطعة القراءة للإجابة على سؤال، حيث يرى أنه إذا طلب من القارئ حاجة أثناء القراءة، فالأفضل أن يجيب بإشارة مفهومة دون قطع القراءة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: فصل في قراءة القرآن يراد بها الكلام، بمعنى ما حكم اقتباس الكلام من القرآن؟ اقتباس الكلام من القرآن، قال رحمه الله تعالى: ذكر ابن أبي داود في هذا خلافًا. الإمام ابن أبي داود صاحب كتاب «المصاحف» قال: فروى عن إبراهيم النخعي التابعي الجليل رحمه الله تعالى وغفر له، أنه كان يكره أن يتأول القرآن لشيء يعرض من أمر الدنيا. فهذا رأي الإمام النخعي رحمه الله، أنه يكره هذا الفعل. يأتي إنسان يكلمه، يسأله عن مسألة، يمر عليه فيقول: «سلام عليكم» يعني وما شابه ذلك، يجبه القرآن، أي في قول الله عز وجل: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾. أو يقول: «سلام عليكم» ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾. أو مثلًا آخر، يأتي يسأذن عليه في البيت أو المجلس، فيقول: ﴿أُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ وما شابه ذلك. ما حكم ذلك؟ يقول النخعي: يقول ابن أبي داود رحمه الله تعالى: أن الإمام النخعي رحمه الله تعالى، وهو من أئمة التابعين، أنه كان يكره ذلك. قال: وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قرأ في صلاة المغرب بمكة ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ و﴿طُولَ سِنِينَ﴾، ثم رفع صوته بقوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. فقالوا: هذا يدل على جواز ذلك. أي: عمر كان في مكة يقرأ السورة، لما جاء عند هذه الآية رفع صوته: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. فقالوا: إذن في دلالة على جواز الاقتباس. قالوا: عن حكيم بن سعد، وهو من التابعين، أن رجلًا من الخوارج -المحكمة ممن دخل وتكلم في أمر التحكيم وذم الصحابة رضي الله عنهم على التحكيم- قال: أتى علي رضي الله عنه وهو في الصلاة، فقال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، أي: أن التحكيم تحكيم الرجال من الشرك بالله جل وعلا. يقول هذا. فعلي قال: فأجابه علي كرم الله وجهه وهو في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾. فهذا قالوا: جواب من علي رضي الله عنه وأرضاه على ذلك الرجل، وهو في الصلاة. لكن رد عليه بماذا؟ رد عليه بآية قرآنية. مع التنبيه هنا أن قوله: «فأجابه علي كرم الله وجهه» هكذا جاء في بعض النسخ، وفي بعضها من غير قوله: «كرم الله وجهه». وهذا هو الأنسب؛ لأن ذكر علي رضي الله عنه وأرضاه خاصة دون غيره من الصحابة بهذا الوصف، أي: بقوله: «كرم الله وجهه» أو «عليه السلام» أو ما شابه ذلك، هذا مما نبه عليه العلماء رحمهم الله تعالى، أن فيه رائحة تشيع. قال النووي رحمه الله تعالى: قال أصحابنا: وإذا استأذن إنسان على المصل، فقال المصل: ﴿أُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِينِينَ﴾، فإذا أراد التلاوة أو التلاوة والإعلام لم تبطل صلاته؛ لأنه أراد التلاوة والقرآن، وإن أدخل بها معنى الآخر. قال: وإن أراد الإعلام فقط، أو لم تحضره نية، بطلت صلاته؛ لأنه تكلَّم بكلام يجوز أن يكون ليس من القرآن بغير نية التلاوة، فيكون بذلك تكلَّم بكلام خارج عن حقيقة الصلاة، فتبطل صلاته بذلك. وعلى كلٍّ، فالأولى للمسلم، لاسيما إذا كان في صلاة، أن يبتعد عن مثل هذا. لكن إن احتاج إلى ذلك وقصد بذلك القراءة، فإن شاء الله تبارك وتعالى. ذكر في ترجمة الإمام الدارقطني رحمه الله الحافظ الكبير، أنه كان ذات يومٍ يصلي، فكان بعض أهل الحديث يقرأون الحديث، فأشكل عليهم إسناد، فما استظهروا الراوي، والإمام الدارقطني رحمه الله تعالى وهو في صلاته قال: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. ففطنوا أنه يعني يحيى. قالوا: فمثل هذا لا بأس به. قال رحمه الله تعالى: فصل فيما يقطع القراءة لأجله. أي: الإنسان إذا كان يقرأ القرآن في بعض الأمور يحتاج إلى قطع القراءة لأمر أو لآخر. فمن جملة هذه الأمور ما سيأتي ذكرها. قال رحمه الله تعالى: إذا كان يقرأ ماشيًا، فمر على قوم، يستحب أن يقطع القراءة ويسلم عليهم، ثم يرجع إلى القراءة. ولو أعاد التعوذ كان حسنًا. أي: يعيد يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». قال: ولو كان يقرأ جالسًا، فمر عليه غيره. فقد قال الإمام أبو الحسن الواحدي رحمه الله تعالى: الأولى ترك السلام على القارئ لاشتغاله بالتلاوة. وهذا أدب ينبغي أن يتفطن له المسلمون. إذا دخل إنسان على إنسان وهو يقرأ القرآن، أو على آخر وهو يعلم الناس في درس، فلا يعني ينبغي له أن لا يسلم عليهم؛ حتى لا يشغله ويشغل من حوله. قال: فإن سلم عليه إنسان، أي: لو حصل أن إنسان سلم عليه، قال: كفاه الرد بالإشارة. قال: فإن أراد الرد باللفظ، رده ثم استأنف الاستعاذة. قال: وهذا الذي قاله ضعيف، وهو كما قال رحمه الله. قال: والظاهر وجوب الرد باللفظ. فقد قال أصحابنا: إذا سلم الداخل يوم الجمعة في حال الخطبة، وقلنا: الإنصات سنة، وجب رد السلام على أصح الوجهين. قال: فإذا قالوا هذا في حال الخطبة مع الاختلاف في وجوب الإنصات وتحريم الكلام، ففي حال القراءة التي لا يحرم الكلام فيها بالإجماع، مع أن رد السلام واجب في الجملة. والله أعلم. معنى «واجب في الجملة»: أي إذا سلم على الجماعة، يكفي أن يرد عليه واحد من هؤلاء، هو من واجبات الكفاية بالنسبة للجماعة. قال رحمه الله تعالى: وأما إذا عطس في حال القراءة، فإنه يستحب أن يقول: «الحمد لله». وكذا لو كان في الصلاة. وإن عطس غيره وهو يقرأ في غير الصلاة، وقال: «الحمد لله»، يستحب للقارئ أن يشمت فيقول: «يرحمك الله». ولو سمع المؤذن قطع القراءة وأجاب بمتابعة في ألفاظ الأذان والإقامة، ثم يعود إلى قراءته. قال: وهذا متفق عليه عند أصحابه. قال: وأما إذا طلبت منه حاجة في حال القراءة، فالأولى أن يجيب السائل بالإشارة المفهمة، وعلم أنه لا ينكسر قلبه ولا يحصل له شيء من الأذى. فإن قطعها جاز. والله أعلم. طلب منه إنسان حاجة، هل عنده كذا كذا؟ يقول له بيده: «ليس عندي»، إشارة. أو برأسه: «ليس عندي»، ويمشي يستمر في قراءته، ولا يقطعها. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.