الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 83، ألقاها
ناقش حكم كتابة المصحف للمحدث والجنب، وآراء العلماء في ذلك، وحكم مس كتب التفسير والحديث التي تحتوي على آيات قرآنية.
تناول حكم لمس الكتب التي تحتوي على آيات قرآنية للمتوضئ، وآراء العلماء في جواز أو تحريم ذلك.
ناقش حكم لبس الثياب المطرزة بالآيات القرآنية، وآراء الإمام الماوردي حول حمل كتب التفسير التي تحتوي على آيات قرآنية.
اختتم بتوضيح فهم كلام الإمام النووي رحمه الله، وتأكيد على المعنى المستخلص من كلامه، مع دعاء بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى وغفر له في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن: فصل في حكم كتابة المحدث المصحف. قال: إذا كتب الجنب أو المحدث مصحفًا، إن كان يحمل الورقة أو يمسها حال الكتابة فهو حرام. فإن لم يحملها ولم يمسها، ففيه ثلاثة أوجه: الصحيح جوازه، والثاني تحريمه، والثالث يجوز للمحدث ويحرم على الجنب. طيب، هذه المسألة كذلك من المسائل السابقة، كالمسائل السابقة في أمر مس المصحف للجنب والمحدث. وهذه المسألة تعتبر كذلك من فروع تلك المسائل. وتقدم معنا أن الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى وغفر الله لهم جواز ذلك كله، وأنه خلاف الأولى والأفضل. فالأولى والأفضل للمسلمين أن يمسوا القرآن، أن يقرأوا القرآن وهو على طهارة، وهو على هيئة كاملة تعظيمًا لكتاب الله جل وعلا. لكن لو أن إنسانًا، كما سمعتم، قرأ القرآن أو مس المصحف وهو ليس على تلك الحالة، فليس ثم دليل واضح صحيح يدل على تحريم ذلك. وأمر التحليل والتحريم للأحكام الشرعية التي تحتاج إلى أدلة. وكما مر معنا أن هذه مسألة خلافية بين العلماء، أن هذه المسألة من المسائل الخلافية بين الفقهاء رحمهم الله تعالى. والأمر في ذلك واسع، بمعنى أن من رأى التحريم أخذًا بكلام العلماء رحمهم الله تعالى القائلين بالتحريم، ما استدلوا به فله ذلك. ومن رأى القول بعدم التحريم أخذًا بقول العلماء الذين ذهبوا إلى ذلك واستدلوا لذلك كذلك، لا بأس به. فالأمر في ذلك واسع، والله أعلى وأعلم. والمسلم يدور مع الدليل، المسلم يدور مع الدليل حيث دار. قال رحمه الله تعالى: فصل في حكم مس كتب التفسير والحديث والفقه وما حوى آيات قرآنية. وهذا أعلم من الأول، هذا في مس كتب العلم أو ما كان من الكتب مما فيه آيات قرآنية. ما حكم مس تلك الكتب؟ قال رحمه الله تعالى: إذا مس المحدث أو الجنب أو الحائض أو حمل كتابًا من كتب الفقه أو غيره من العلوم، وفيه آيات من القرآن، أو ثوبًا مطرزًا بالقرآن، أو دراهم أو دنانير منقوشة به، أو حمل متاعًا في جملة مصحف، أو لمس الجدار أو الحلوة أو الخبز المنقوش به، فالمذهب الصحيح الحل؛ لأنه ليس بمصحف. وفيه وجه أنه حرام. والصحيح كما تقدم الحل، من حيث الجواز يجوز. بمعنى أن الإنسان إذا لم يكن على طهارة، كان محدثًا، سواء كان حدثًا أكبر أو كان حدثًا أصغر، هل يجوز له أن يقرأ كتابًا من كتب العلم فيه آيات من القرآن أم لا؟ كما ذكر في المسألة أو لا؟ منهم من رأى التحريم، ومنهم من رأى الإباحة، وهو الأرجح، وهو الأرجح لعدم الدليل على التحريم. قال رحمه الله تعالى: وقال أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي في كتابه الحاوي. أولًا: تنبيه على قوله رحمه الله تعالى: أقضى القضاة، هذا اللفظ ممن تقده العلماء رحمهم الله تعالى؛ لأن أقضى القضاة هو رب العالمين تبارك وتعالى. قال الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. فالله جل وعلا هو قاضي القضاة، وهو الذي يقضي بين عباده يوم القيامة، بل حتى يقضي بين القاضي والمقضي له. فلذا انتقد العلماء رحمهم الله تعالى التعبير بهذا التعبير أن يقال قاضي القضاة. قالوا: لكن لا بأس بالتقييد، كان يقال قاضي القضاة الشافعية، أو قاضي قضاة الشافعية، الحنابلة أو قاضي قضاة القطر الفلاني، هذا لا بأس إن كان مقيدًا. أما عند الإطلاق، فهذا لا يكون إلا لله رب العالمين تبارك وتعالى، فهو قاضي القضاة مطلقًا. قال رحمه الله تعالى: وقال أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي في كتابه الحاوي: يجوز مس الثياب المطرزة بالقرآن، ولا يجوز لبسها بلا خلاف؛ لأن المقصود من لبسها التبرك بالقرآن. قال رحمه الله تعالى: وهذا الذي قاله ضعيف، لم يوافقه أحد عليه فيما رأيته، بل صرح الشيخ أبو محمد الجويني وغيره بجواز لبسها، وهذا هو الصواب والله أعلم. بل الصواب فيما يبدو ويظهر، والله أعلى وأعلم، ما ذهب إليه الإمام الماوردي رحمه الله، وما ذكره من تعليل. ما ذكره من تعليل: أن من لبس الثوب المطرز بالقرآن فهو لا يخل من أحد أمرين: إما أن يلبسه للتبرك، وهذا لا يجوز، وإما أن يلبسه للزينة، وهذا كذلك لا يجوز؛ لأن القرآن ما أنزله الله جل وعلا لهذه المعاني، بل أنزله الله جل وعلا لأن يتلى، وأن يتدبر، وأن يعمل بمقتضاه، إلى غير ذلك من المعاني الجليلة التي لأجلها أنزل ربنا تبارك وتعالى كتابه العظيم. قال رحمه الله تعالى وغفر له: قال: وأما كتب تفسير القرآن -يعني معًا ما قد يحصل ممن لبس هذا الثوب من معنى الامتهان- فربما جلس على ذلك الثوب، وفيه آيات من كتاب الله جل وعلا، فيكون جالسًا على ما فيه آيات. إذا كان مطرزًا من جميع النواحي، وإذا كان مطرزًا مثلًا في أعلى العنق أو ما شابه ذلك، ربما دخل الخلاء وما شابه ذلك من أماكن التي ينبغي أن يصان القرآن عنها. فالحاصل أن مثل هذا الفعل لا يجوز كما ذكره الإمام الماوردي رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: وأما كتب تفسير القرآن، فإن كان القرآن فيها أكثر من غيره حرم مسها وحملها. وإن كان غيره أكثر، كما هو الغالب -أي: إن كان التفسير أكثر من القرآن كما هو غالب كتب التفسير- قال: ففيه ثلاثة أوجه: أصحها لا يحرم، والثاني يحرم، والثالث إن كان القرآن بخط يتميز بغلظ أو حمرة أو نحوهما حرم، وإن لم يتميز لم يحرم. قال صاحب التتمية من أصحابنا من الشافعية: وإذا قلنا لا يحرم فهو مكروه. والأظهر، والله أعلى وأعلم كذلك، ليس ثم دليل على هذه الأحكام، بل الظاهر الجواز. قال: وأما كتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يكن فيها آيات من القرآن لم يحرم مسها. والأولى ألا تمس إلا على طهارة. وإن كان فيها آيات لم يحرم مسها على المذهب، بل يكره. وفيه وجه أنه يحرم، وهو الوجه الذي في كتب الفقه. والأظهر كذلك الجواز. قال: وأما المنسوخ تلاوته -أي: من القرآن- كـ «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما» وما أشبه ذلك، فلا يحرم مسه ولا حمله. قال أصحابنا: وكذلك التوراة والإنجيل؛ لأنها منسوخة. وما كان منسوخًا فإنه لا يأخذ أحكام القرآن، فيجوز مسه. هذا معنى كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى وغفر له. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.