الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 80، ألقاها
اتفق العلماء على استحباب كتابة المصاحف وتحسين كتابتها وتبيينها وضبطها لضمان القراءة الصحيحة والحفاظ على القرآن. أصبح النقط والشكل مطلوبين بعد ضمان الحفاظ على القرآن.
تطورت كتابة المصحف مع مرور الوقت مع ظهور الخط والشكل، وأصبحت هناك حاجة لضبط كتابة القرآن. يُحظر كتابة القرآن بالنجس أو على شيء نجس، وتعمد ذلك يعتبر كفرًا.
لا يجوز كتابة الآيات القرآنية على الجدران لما فيه من امتهان للقرآن. يُناقش المقطع أيضًا آراء العلماء في التعامل مع المصاحف التالفة أو المخالفة للمصحف الإمام.
يُنهي النص بالدعاء بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مع التأكيد على بركة النبي وآله وصحبه وأهمية الصلاة عليهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال: إنه -رحمه الله تعالى وغفر له- في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن، قال: فصل في كتابة المصحف ونقطه وشكله. قال: اتفق العلماء على استحباب كتابة المصاحف وتحسين كتابتها وتبيينها وإيضاحها، وتحقيق الخط دون مشقة. وتعليقه: المشق هو الخط الذي فيه سرعة، وفيه كذلك خفة، وربما حصل شيء من الإرسال أو التبعثر للكتابة. فينبغي أن يكتب القرآن بأحسن الخطوط وأوضحها وأجملها، بتأن تام وصيانة تامة. قال: قال العلماء: ويستحب نقط المصحف وشكله؛ فإنه صيانة له من اللحن فيه والتصحيف. وأما كراهة النخع والنقط، فإنما كرهاه في ذلك الزمان خوفًا من التغيير فيه. وقد أمن ذلك اليوم، فلا يمنع ولا يمتنع من ذلك لكونه محدثًا؛ فإنه من المحدثات الحسنة، فلم يمنع منه كرذائره، مثل تصنيف العلم وبناء المدارس والرباطات وغير ذلك. والله أعلم. أي: أن كتابة المصحف وضبطه بالنقط، بل وبالشكل كذلك، هذه من أمور مطلوبة التي بها يضبط المصحف وتضبط القراءة. ومن كرهه في الزمن الأول من السلف؛ فخشية أن يحصل شيء من التغيير، ولا سيما وهم في أوائل الأمر -أي بعد زمن الصحابة-. فلما أمن هذا الأمر -بمعنى حفظه الحفاظ وتناقله القراء-، وبعد ذلك -بعد أن نسخ في المصاحف ونظر فيه من نظر من أئمة القراء- يحتاج إلى الضبط أولًا إلى النقط؛ لأن الناس في أول الأمر -كما يذكر علماء الكتاب والخط- لم يكن هناك نقط، كانت تكتب الحروف من غير نقط. ثم كانت بعد ذلك علامات معينة يعرفون بها هذه الكلمات. وكانوا غالبًا ما يأخذون العلم من أفواه المشايخ والعلماء، القرآن يأخذونه من أفواه القراء، وهكذا السنة يأخذونها من أفواه المحدثين. فلما ظهر الخط وانتشر، وصارت هناك مدارس للخط، وأضيف في الخط ما أضيف من النقط، احتاج علماء الكتاب والخط إلى كتابة المصحف بالعلامات الجديدة. ثم لما ظهر بعد ذلك الشكل، احتاجوا كذلك إلى تشكيل القرآن. وهكذا، فهذه من الأمور التي حصلت شيئًا فشيئًا، وكان فيها من الخير والنفع ما هو ظاهر، وما هو كذلك فيه المصلحة لحفظ القرآن وضبطه على الوجه المراد؛ حتى يقرأه من يقرأه من غير تصحيف، ومن غير كذلك تحريف، ومن غير كذلك تغيير لمعانيه. وهذه الأمور حصلت بحمد الله تبارك وتعالى وبفضله أولًا وآخرًا، ثم بالضبط الذي ضبطه العلماء -رحمهم الله- لكتابة أو في كتابة المصحف، سواء كان باعتبار النقط أو كان باعتبار الشكل. قال -رحمه الله تعالى-: فصل في حكم كتابة القرآن بالنجس وعلى الجدران. قال: لا تجوز كتابة القرآن بشيء نجس. ومعنى بشيء نجس: أي بشيء فيه نجاسة. أما إذا تعمد كتابة القرآن بشيء نجس -كحيض المرأة ونحوها- تعمد هذا الفعل، فإن هذا الفعل كفر وردة -والعياذ بالله-؛ من تعمد كتابة القرآن بهذا الوصف، فهذا فيه استهانة بكتاب الله تبارك وتعالى. والله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. لكن لو أن إنسانًا مثلًا كتب القرآن بمادة من المواد -مثلًا حبر-، لكن ذلك الحبر فيه شيء من نجاسة أو من مكونات النجاسة؛ فكما ذكر -رحمه الله تعالى-: لا يجوز أن يكتب القرآن بشيء هذا حاله؛ لما فيه من معنى الامتهان والتنقص لكتاب الله تبارك وتعالى. فكتاب الله جل وعلا يجب أن يصان، وأن يكتب في خط واضح، وكذلك بمداد طاهر. وهذا من تعظيم شعائر الله جل وعلا وحرمات الله تبارك وتعالى. قال: «وَتُكْرَهُ كِتَابَتُهُ عَلَى الْجُدْرَانِ عِنْدَنَا وَهُوَ الصَّوَابِ، وَمِنْهُ يُعْلَمْ خَطَأُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي زَخْرَفَتِهِمُ الْمَسَاجِدَ»؛ أي: جدران المساجد بكتابة بعض الآيات. كثير من المساجد إذا نظرت إليها ودخلت فيها رأيت على جدران المساجد مكتوبًا بعض الآيات القرآنية، وكذلك ربما وجد في بعض البيوت على مداخلها كتابة بعض الآيات القرآنية. فهذا كما مر معنا: أنه لا يجوز أن يفعل؛ لأنه إن فعله للزينة، فيقال: بأن القرآن لم ينزله الله تبارك وتعالى لهذا المعنى، وهذا وضعه للزينة فيه شيء من الامتهان له. وإن وضع لمعنى آخر -أي حفظ البيت أو المكان من العين أو من الشياطين أو ما شابه ذلك-؛ فيكون حكمه كحكم التميمة. قال: «وفيه مذهب عطاء الذي قدَّمناه، وتقدَّم الكلام عليه». قال: وقد قدَّمنا أنه إذا كُتب في الأطعمة؛ فلا بأس بأكلها مع كراهية كذلك. كتب القرآن في الأطعمة، بل لو قال قائل بالتحريم لما أبعد. قال -رحمه الله تعالى-: وأنه إذا كتب على خشبة؛ كُرِه إحراقها؛ لأنه سيكون أحرق شيئًا من كلام الله جل وعلا، إلا إذا كان أراد أن لا يُمتَهَن كتاب الله وكلام الله جل وعلا، فأراد أن يمحو ذلك، وكان ذلك لا يُمحى إلا بذلك؛ فلا بأس. فقد حرَّق عثمان -رضي الله عنه وأرضاه- المصاحف التي خالفت المصحف الإمام؛ فلأجل هذا ذكر العلماء -رحمه الله تعالى- هذه المسألة، وهي أنه لو أن إنسان وجد مصحفًا ممزقًا أو مصحفًا فيه سقط أو فيه بعض الزيادات أو النقصان؛ فماذا يصنع به؟ فذكر العلماء -رحمه الله تعالى-: بأن المصحف إذا كان كذلك؛ فلا بأس بإحراقه؛ لأجل أن لا يُمتَهَن، يُحرَق لأجل أن لا يُمتَهَن. وعلى ذلك فعل صحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم-. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.