الدرس في آداب المساجد 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن آداب الذهاب إلى المسجد مثل الخروج بسكينة ووقار وقول الأذكار والأدعية المأثورة والمشي إلى المسجد إذا لم يكن فيه مشقة. يشمل الأجر الذهاب والإياب وفضل كثرة الخطى إلى المساجد.
يشرح آداب الدخول والخروج من المسجد مثل الدخول بالرجل اليمنى والخروج باليسرى وتقصير الخطوات لزيادة الأجر. يستشهد بحديث نبوي وأقوال الصحابة والتابعين في هذا السياق.
يتناول أذكار الدخول والخروج من المسجد كما وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويناقش الخلاف بين العلماء حول وجوب أو استحباب هذا الذكر. يرى الإمام ابن حزم والشيخ الألباني وجوبه بينما يرى جماهير العلماء استحبابه.
يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل والصلاة على النبي محمد، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم. يمثل ختامًا لمحاضرة أو خطبة دينية ويتضمن عناصر من الأدب الإسلامي في الختام.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كان حديثنا بالأمس، إخواني في الله، حول ذكر آداب المساجد، وكان كلامنا حول الأدب الأول، وهو أن من أراد أن يذهب إلى المسجد أن يكون على حسن هيئة. وذكرنا أن الهيئة الحسنة تتضمن عدة صور منها التنظف والتطهر من الأنجاس والقاذورات، وأيضًا العناية بإزالة الروائح الكريهة، وثالثًا باختيار الزي واللباس الحسن، ورابعًا أن يكون الخروج بسكينة ووقار. وتحت كل مبحث من هذه المباحث الأربع مسائل تم ذكرها في درس أمس أيضًا، مما يتعلق، إخواني في الله، بآداب المساجد. وهي مما لها تعلق في فترة الخروج إلى بيت من بيوت الله، أنك تأتي بالأذكار والأدعية التي جاءت بها السنة المطهرة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى بعض الأدعية والأوراد يحرص عليها المصلي متى ما خرج إلى بيت من بيوت الله. ومن ذلكم ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم اجعل في سمعي نورًا، اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، واجعل خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، اللهم أعطني نورًا». فهذا الحديث مما كان يأتي به نبينا صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج للمسجد. فالمسلم يتحرى أن يأتي بهذه الكلمات عند خروجه، وليطلب من ربه جل وعلا أن يحفه بالنور. وهذا النور كائن لك في الدنيا، وهو كائن لك في الآخرة. قال عليه الصلاة والسلام: «بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة». في عرصات القيامة، عندما تضرب الظلمة على أهل الموقف، فحينها يعينك النور الذي يعطيك الله إياه. ومما يعينك على أخذ هذا النور هذا الدعاء عند خروجك لبيت من بيوت الله. وأيضًا مما يذكر من آداب الخروج إلى المساجد أنك تحرص، يا عبد الله، أن تذهب إليها ماشيًا. تذهب إليها ماشيًا، وهذا إذا استطعت لذلك سبيلًا، فهو الأفضل والأحسن والأكمل. أنك تذهب إلى بيت من بيوت الله مشيًا، وإن كان هذا لا يشق عليك. وقد جاءت الأدلة الكثيرة المتكاثرة على فضيلة المشي إلى بيوت الله جل وعلا. كما قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» فذكر مما ذكر: «وكثرة الخطى إلى المساجد». كثرة الخطى، أي الخطوات إلى بيوت الله. وجهت الأحاديث الدالة أيضًا على أن ما من خطوة يخطوها الإنسان إلا كانت لأحدها فضيلة في رفع درجة، والأخرى في حط خطيئة. تخيل، يا عبد الله، أنت تخطو هذه الخطوات، تستشعر ليس بالمشوار الكامل، بل الخطوة الواحدة كفيلة بأن تعطيك حسنة، والأخرى تحط عنك سيئة. ولا تزال على هذا الأمر، تزال على هذا المنوال، ترتفع درجات وتحط عنك السيئات. وأنت، يا عبد الله، تتلذذ بهذه الخطوات، فالأجر في ذلك كثير وعميم. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إن أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى». إن من أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى. لماذا؟ الذي مشيه بعيد ينال الأجر الكثير، لكثرة الخطى التي تبذل في سبيل الوصول إلى بيت من بيوت الله. وهذا خُلق الله فيه التسلية، التسلية لبعض الناس، لربما عجز عن توفر مواصلات له لكي توصله إلى مسجد بعيد، وهو يحتاج إلى الذهاب إليه مسجد لكي يحضر حلقات العلم، مسجد عامر بالسنة. فتتسلّى، يا عبد الله، بمثل هذه الأحاديث التي بها تعظيم الفضل والأجر، والأجر لمن كان أبعد ممشى. ولا يقتصر الأمر على هذا الحد، بل ثبت في الصحيح، في صحيح مسلم، في قصة ذاك الصحابي الذي كان بيته بعيدًا عن مسجد رسول الله، فكان يذهب إليه مشيًا، فطلب منه أن يشتري حمارة لكي يستعين بها في الظهيرة وفي الظلمات، إلا أن هذا الصحابي رضي الله تعالى عنه رفض هذه الفكرة، وذكر الذي في نفسه، فقال: «إني أريد أن يكتب الله لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إلى أهلي». أي أن ليس فقط ذهاب إلى المسجد، بل ذهاب إلى المسجد ورجوعي إلى أهلي، أرجو أن الله يكتب لي فيه أجرًا. فلما بلغ ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، قال: «قد جمع الله لك كله». أي أعطاك الله هذا كله، ما هو الأجر من بيتك إلى المسجد، ومن المسجد إلى بيتك. وبهذا استفاد العلماء على أن هذا الفضل ليس خاصًا بهذا الصحابي، بل هو عام، وهو أنك عند الذهاب والإياب تنال الأجر، تنال الأجر. وهذا فضل عظيم، فضل عظيم يا عبد الله، أعده الله لعباده الصالحين. به تعلم فضيلة الإتيان إلى المساجد، فضيلة الإتيان إلى المساجد، وكيف أنك تغنم المغنم الكبير والكثير من الأجر والفضل. والمحروم من حرمه الله من بيوت الله. ومن هنا، إخواني في الله، لكثرة هذه الأجور وطمعًا للاستزادة منها، ذهب جماعة من الفقهاء رحمهم الله إلى أنك إذا أردت أن تذهب إلى المساجد، حاول أنك تقصر الخطوات، تقصر الخطوات، أي لا تتباعد في الخطوات. لماذا تقصر؟ قال: حتى يرتفع رصيدك من الخطوات. أنت بإمكانك مثلًا أن تأتي من بيتك إلى المسجد بواسع الخطى، لربما بخمسين خطوة. يقول الفقهاء: لا، لا تفعل هذا، وإنما قصر الخطوة، اجعل خطواتك متقاربة. لماذا؟ بدل ما تصلها إلى خمسين خطوة، صلها بستين خطوة، عشر خطوات هذه، هل تعد فارقًا؟ كيف لا؟ وأنت ستُكتب لك حسنة، وتعطى حسنة، وتحط عنك خطيئة، الفرق واضح. وهذا من ثقة جماعة من أهل العلم إلى أنه يستحبون لمن أتى لبيت من بيوت الله أن يقصر الخطوة حتى تتكاثر الخطى، فيرتفع بذلك الأجر والمغنم. ومن أهل العلم من أضاف أمرًا آخر، لكن هذا يحتاج إلى نظر، مشروعية المخالفة، أنك إن جئت إلى المسجد بطريق، ارجع من طريق آخر. وهذه السنة نعم، ثابتة في الذهاب إلى مصلى العيد، ثابتة في مصلى العيد. إلا أن جماعة من الفقهاء سحبوا هذه المسألة حتى في أي فرض، في أي فرض. لكن الصحيح ليس هناك دليل يدل على المخالفة في الذهاب والإياب لبيوت الله، وإنما هذه السنة خاصة ثابتة عن رسول الله في ذهابه لمصلى العيد. هذا كما قلنا، يا إخواني في الله، في حق من استطاع أن يأتي ويذهب لبيت من بيوت الله مشيًا. أما من لم يستطع لذلك سبيلًا لضعفه، لعجزه، لمرضه، لكبر سنه، فحينها يركب بما شاء أن يركب من المركوبات، ولن يضيع الله عز وجل عمل المحسنين. وكل له أجره، وكل له أجره. لكن كما قلنا، الأكمل والأفضل والأحسن من استطاع أن يأتي مشيًا فليفعل، فإن الأجر في ذلك عظيم. كذلك مما يشرع عند الذهاب إلى بيوت الله، ومن الآداب، إذا وصلت إلى بيت من بيوت الله، فإنه يستحب لك، يا عبد الله، أن تدخل بالرجل اليمنى، أن تدخل إلى المسجد برجلك اليمنى. وهذا في سائر المساجد، في بيت الله الحرام، في المسجد النبوي، في مسجد الجامع، في أي مكان أو دور العبادة من المساجد والجوامع، يستحب أنك تدخلها برجلك اليمنى. وعند الخروج يستحب أن تخرج برجلك اليسرى. والدليل على ذلك ما جاء عند الحاكم في مستدركه بسند صحيح من قول أنس رضي الله تعالى عنه قال: «من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى». فقول أنس «من السنة» قال العلماء: أن قول الصحابي «من السنة» هذا يكون له حكم الرفع، فلا يمكن لصحابي أن يقول «من السنة كذا» إلا لأمر علمه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. لهذا جعل هذا من آداب الدخول إلى المساجد، أن تدخل برجلك اليمنى، وإذا خرجت تتعاهد رجلك اليسرى بالخروج. ولهذا، بواب الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، قال: «باب التيامن أو التيامن في دخول المسجد وغيره». وذكر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه: «كان يدخل المسجد برجله اليمنى، وكان يخرج برجله اليسرى». فدل ذلك على فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، على فقه العلماء، على أن الإنسان إذا أراد أن يدخل المسجد فليطبق هذه السنة. لا يدخل هكذا، لكن يتأنه، ينظر، يقدم الرجل اليمنى، وهو أمر سهل ميسر، وهو وأجره عظيم، تعظيمًا لمقام سنة النبي عليه الصلاة والسلام. ثم تأتي السنة الرابعة التي نختم بها هذا المقام، فإن دخلت برجلك اليمنى أو خرجت برجلك اليسرى، فإنه يستحب كذلك أن تأتي بذكر، تأتي بذكر عند الدخول وعند الخروج. فمن تلكم الأذكار والأوراد الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي أسيد أو من حديث أبي حميد، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المسجد قال: «اللهم افتح لي أبواب رحمتك». وإذا خرج قال: «اللهم إني أسألك من فضلك». حديث يسير، كلمات سهلة، ليست بالكثيرة، تدخل: «اللهم افتح لي أبواب رحمتك». وإذا خرجت: «اللهم إني أسألك من فضلك». هذا ثابت في صحيح مسلم، مما أثر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وقد جاء في بعض الروايات أنه كان يصلي على نفسه، صلوات ربي وسلام عليه. فلك كذلك أن تأتي مع هذا الدعاء بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم صل على محمد»، «اللهم افتح لي أبواب رحمتك»، «اللهم صل على محمد». وتأتي بالسلام، لبعض الروايات: «اللهم صل وسلم على محمد»، «اللهم افتح لي أبواب رحمتك». وإذا خرجت، كذلك جاءت روايات أنك تسلم على الرسول، ثم تقول: «اللهم إني أسألك من فضلك». هذا مما أثر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وحتى أن جماعة من أهل العلم، هذا يدلك على أهمية هذا الذكر، بعض العلماء، مكتفٍ بالحكم بالاستحباب، بل من أهل العلم من جعل هذا الذكر واجبًا. ومن من صرح بالوجوب الإمام ابن حزم في المحلى، وقال: «ويجب على كل داخل للمسجد أن يقول: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج أن يقول: اللهم إني أسألك من فضلك». قال: «ويأثم إن لم يأتِ بهما». وليس هذا فقط قول ابن حزم، بل إن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى تابعه في هذه المسألة. فالشيخ الألباني يرى كذلك الوجوب للإتيان بهذا الذكر، قال: لعدم وجود صارف، لأن الحديث قال: «فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك». قال: هذا يدل على الوجوب. فالشيخ الألباني رحمه الله تعالى متشبث بحكم الوجوب. وأما جماهير العلماء على أنه للاستحباب، على أنه للاستحباب. وإنما أذكر هذه مسألة حتى يتنبه لها المسلم، يتنبه لها المسلم، فهي ذكر ولها فضل ولها أجر، وهي من آداب الدخول لبيوت الله. ناهيك عن الخلاف الحاصل بين العلماء في حكمها وفي مشروعيتها. طبعًا هذا من أذكار، هناك ذكر آخر كذلك مما جاء في السنة الصحيحة، عند أبي داود، من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المسجد يقول: «أعوذ بوجه الله، اللهم إني أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم». نعم، يحسن. الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وجماعة من أهل العلم، على أن هذا الحديث مما يؤتى به عند الدخول. لكن الأشهر والأيسر، وهو الذي جاء به في الصحيح، في الصحاح: «اللهم افتح لي أبواب رحمتك»، «اللهم إني أسألك من فضلك»، عند الدخول وعند الخروج. بقي مسألة، لماذا عند الدخول تسأل ربك الرحمة، وعند الخروج تسأل الله من فضله؟ والتفقه لهذه الكلمات يعينك على حفظها. قال العلماء: المسلم إذا دخل المسجد، ما الذي عساه أن يريده من بيوت الله؟ فهو بين صلاة وبين ذكر وبين تسبيح وبين تنفل وبين أداء فريضة، كل ذلك ما الذي يقول إليه؟ يقول إلى هذا المصلي أنه ينال رحمة ربه، ينال رحمة ربه سبحانه وتعالى. فأنت تسأل ربك أن يرحمك بما ستؤديه في هذا البيت من بيوت الله. وأنت عند الخروج، فأنت ستذهب إلى مصالحك الشخصية، من بيع، من شراء، من تبضع، من التماس حوائج، من السعي لأهلك، إلى غير ذلك، في أمور دنياك. فأنت تسأل الله أن يعينك، وأن يعطيك من فضله. فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله، وابتغوا من فضل الله، هذا من فضل الله عز وجل. فأنت عند الدخول تسأل ربك جل وعلا أن يعينك على آخرتك، وعند الخروج تسأل ربك جل وعلا أن يعينك على دنياك. فأنت في كل الأحوال، في الدين والدنيا والآخرة، تستعين بالله عز وجل. فالمسلم، إخواني في الله، يتعاهد مثل هذا الدعاء عند الخروج، مع التنبه لحركة الرجل. فإذا دخل المسجد يدخل برجله اليمنى، قائلًا: «اللهم صل على محمد»، «اللهم افتح لي أبواب رحمتك». وإذا خرج بدأ برجله اليسرى، قائلًا: «اللهم إني أسألك من فضلك»، أو «اللهم صل على محمد»، «اللهم إني أسألك من فضلك». هذا مما يذكر، إخواني في الله، من آداب المساجد، والمتعلقة في الذهاب إليها، وعند الدخول. وبقيت آداب كذلك عند الاستيطان, في المسجد، تترك إن شاء الله في درسي. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.