التبيان في آداب حملة القرآن 19

الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 19، ألقاها

آداب المعلم وتفرغه للتعليم

يستحب للمعلم التفرغ للتعليم وتقديمه على الشواغل الدنيوية، مع إفراغ القلب من الشواغل أثناء الجلوس للتعليم. ينبغي له أن يلقي الشواغل وراء ظهره ليتمكن من توصيل العلم كما يجب.

صفات المعلم المثالي ومراعاة الفروق الفردية

يوصى بأن يكون المعلم حريصًا على تفهيم الطلبة مع مراعاة الفروق الفردية بينهم في الفهم والاستيعاب. ينبغي له أن يعطي كل طالب ما يناسبه من الشرح والتفصيل.

واجب المعلم تجاه الطلبة المتفوقين وتوجيههم

ينبغي للمعلم أن يثني على الطالب المتفوق دون أن يخش عليه العجب، وأن يعتني بتعليمه وتوجيهه. يعود ثواب الطالب المتفوق على المعلم والطالب في الدنيا والآخرة.

خاتمة الدرس والدعاء للتوفيق

يتضمن المقطع الأخير دعاء للتوفيق وسداد الأمر من الله تعالى، ويليه صلاة وسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يعبر هذا عن ختام الدرس بدعاء يرجو فيه الطالب والمعلم التوفيق.

  • 29 جمادى الأولى 1435هـ - 30/03/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: فصل، يستحب للمعلم أن يكون حريصًا على تعليمهم، أي على تعليم المتعلمين الذين أتوا إليه لأجل طلب العلم. فيستحب له أن يتفرغ لهم في تعليمهم ما ينفعهم، مؤثرًا ذلك على مصالح نفسه الدنيوية التي ليست بضرورية. أي إذا تزاحمت الأمور الدنيوية وأمور تعليم الطلبة، فيقدم التعليم إذا كان في الأمور التي ليست بضرورية، بخلاف ما إذا كانت أمورًا ضرورية ككفالة وإعالة نفسه ومن يعول، فإنها مقدمة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول». فإذا في الأمور الزائدة على الضروريات، إذا تزاحم الوقتان، يقدم التعليم؛ لما في تعليم الطلبة من النفع العام والنفع الديني، وهو مقدم على النافع الدنيوي، ولسيما في غير الضروريات. قال رحمه الله تعالى: وأن يُفرِّغ قلبه في حال جلوسه لإقرائهم من الأسباب الشاغلة كلها، وهي كثيرة معروفة. ومعنى هذا أن المعلم إذا جلس للتعليم، لا يقرئ الطلبة وباله منشغل بأمور قد تكون سببًا في تشويش ذهنه، فلا يستطيع أن يوصل ما يريد توصيله من العلم على الوجه المطلوب. فكما ذكر رحمه الله تعالى، ما ينبغي للمعلم أن يكون فارغ القلب عن المشاغل التي قد تؤثر على إيصاله العلم والمعلوم إلى الطلبة، قال: وهي كثيرة معروفة، أي سواء كانت في شواغل المعاش، أو كانت في شواغل ما يكون الإنسان في بيته، أو ما يكون له مع جيرانه، مع الناس في سوقهم، إلى غير ذلك. إذا جاء وجلس في مجلس العلم، يحرص على أن يلقي كل ذلك وراء ظهره، ثم بعد ذلك ينفرغ، ينظر في أموره التي يحتاجها. قالوا: أن يكون حريصًا على تفهيمهم، كذلك مما يستحب للمعلم أن يكون حريصًا على التعليم وعلى الإفهام، ليس المجرد أن يلقي المعلومة، فهمها من فهمها، وجهلها من جهلها، لكن يكون مُفهِمًا، مُوضِّحًا، مُبَيِّنًا للطلبة ما يحتاجون إلى تفهيم وإيضاح؛ لأن هذا في الحقيقة هو العلم، وهذا في الحقيقة هو الفقه؛ لأن حقيقة الفقه الفهم، وإن كان فهمًا دقيقًا فهذا أخص. فحقيقة العلم ومدار العلم على الفهم، وكلما كان الفهم دقيقًا، كلما كان العلم قويًا، كلما كان العلم قويًا بالنسبة للمتعلمين، أي من حيث التحصيل. قال رحمه الله تعالى: وأن يكون حريصًا على تفهيمهم. وهذا من إمام النووي، ورحمه الله تعالى، هذه التنبيهات وهذه التوجيهات ظاهرها أنها عن تجربة وعن خبرة وعن مجالسة؛ لأن هذه الدقائق لا يتنبه لها إلا من قد حصل له شيء من ذلك. لأن بعض المعلمين، كما هو معلوم، همهم وشغلهم الشاغل أن يفرغ الكتاب في آذان الطلبة، ولسيما في المدارس والجامعات النظامية، شغلهم الشاغل أن ينتهي من المنهج من الكتاب، فهمه من فهمه، وجهله من جهله، قام بمهمته. وهذا ليس بصحيح، وليس بصواب، بل الأمر الأعظم والأمر المهم أن يكون عند المدرس هذا الحرص، حرص إعلام الطالب ما يحتاج إليه، وتفهيمه ما يحتاج إلى إفهام، وتوضيح ما يحتاج إلى توضيح؛ فهذا هو العلم، وهذه هي مهمة المعلم. قال رحمه الله: وأن يعطي كل إنسان منهم ما يليق به، فلا يكثر على من لا يحتمل الإكثار، ولا يقصر عمن يحتمل الزيادة. أي ينظر إلى الطلبة ويفصلهم؛ لأن الناس في أفهامهم ليسوا سواء، منهم من آتاه الله جل وعلا فهمًا قويا، ومنهم دون ذلك، ومنهم دون ذلك. فليعامل الناس معاملة واحدة، فمن كان من أهل الفهم الواسع أعطاه ما يليق به، ومن كان دون ذلك أيضًا علمه بما يليق به، وينزل كل إنسان منهم منزلته اللائقة به. قال رحمه الله تعالى: ويأمرهم بإعادة محفوظاتهم، يراجع لهم دائمًا في مسألة المحفوظات، مراجعة الدروس. وهذا أمر مهم، ليس العبرة بأن يدرس الطالب الكتاب اليوم، يسمع الكتاب ويقرأ الكتاب ويدرس الكتاب، ويسأل عنه في اليوم الثاني فلا يجيب بشيء، هذا لا ينبغي من الطالب، وينبغي للمعلم أن يكون حريصًا على ألا يحصل ذلك من الطلبة. قال: ويثني على من ظهرت نجابته، ما لم يخش عليه فتنة بإعجاب أو غيره. أي من كان نابغًا، ظهر عليه علامات النبوغ، علامات كذلك النجابة الذكاء، فمثل هذا لا بأس بأن يثني عليه، ما لم يخش عليه من العجب، هذا لا بأس به؛ لأجل ماذا؟ من أجل تحفيزه وتشجيعه على الازدياد في الخير، لكن الأمر وسط، لا إفراط ولا تفريط. قال رحمه الله تعالى: ولا يحسد أحدًا منهم لبراعة تظهر منه. كذلك إذا رأى من طلبته من كان جيِّدًا ذكيًا، لا يحسده المدرس لأجل ذلك الذكاء ولذلك النبوغ الذي ظهر منه، بل ينبغي له أن يزداد حرصًا عليه في تعليمه وتوجيهه، عسى أن ينفع الله جل وعلا به، عسى أن ينفع الله جل وعلا به، فيعود الثواب والأجر بإذن الله جل وعلا إلى ذلك الطالب وإلى من علمه ذلك الخير. قال رحمه الله تعالى: «وَلَا يَسْتَكْثِرْ فِيهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْحَسَدَ لِلْأَجَانِبِ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ، فَكَيْفَ لِلْمُتَعَلِّمِ الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ». ويعود من فضيلته إلى معلمه في الآخرة الثواب الجزيل، وفي الدنيا الثناء الجميل. والله الموفق. والأمر كما ذكر، أي لا ينبغي للمعلم أن يقع فيه شيء على من تعلم عنده، بل ينبغي له أن يفرح بذلك، وأن يحرص على تكميل ما يراه يحتاج إلى تكميل في ذلك الطالب، وإلى توجيهه وإلى تحفيظه، وإلى الدعاء له بأن يثبته الله جل وعلا على الخير وعلى الاستمرار فيه؛ لأن ذلك أي ذلك الخير إذا استمر في ذلك الطالب، فإنه بإذن الله رب العالمين جل وعلا يعود ثواب ما يقوم به ذلك الطالب على ذلك الطالب وعلى من علمهم. فينبغي للمعلم أن يكون نبيهًا حريصًا على الخير، وأن يبتعد من مواطن الزلل؛ لأن هذا منقصة، ولأن هذا مذمة. نسأل الله تبارك وتعالى بمنه وكرمه التوفيق وسداد، إنه قريب مجيب. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على