التبيان في آداب حملة القرآن 82

الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 82، ألقاها

حكم السفر بالمصحف إلى أرض العدو وبيعه للذمي

يُحرم السفر بالمصحف إلى أرض العدو خشية وقوعه في أيدي الكفار، كما يُحرم بيعه للذمي لصيانته من العبث والامتهان. النووي ذكر في كتابه التبيان مسائل تتعلق بذلك.

حكم مس المصحف وحمله للمحدث

يحرم على المحدث مس المصحف وحمله، سواء كان الحدث أكبر أو أصغر. يشمل التحريم مس المكتوب والحواشي والجلد وغيرها إذا كانت متصلة بالمصحف.

تتمة الكلام عن حكم مس المحدث للمصحف وحمله

الجواز هو الرأي الصحيح لعدم وجود دليل على التحريم، مع التأكيد على استحباب التعظيم والتوقير في التعامل مع المصحف. يُستحب التعامل مع المصحف باحترام.

الختام بالصلاة على النبي

المقطع يتضمن الدعاء للنبي بالصلاة والسلام والبركة، وامتداد هذا الدعاء ليشمل آله وصحبه. يُظهر الختام أهمية الصلاة على النبي في الختام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد: قال النووي رحمه الله تعالى وغفر له في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: قال في حكم السفر بالمصحف إلى أرض العدو، وبيعه من الذمي، وحمله للمجنون والصبي. أي: ذكر فيه رحمه الله تعالى مسائل: أولها السفر بالمصحف إلى أرض العدو، وثانيها بيعه من الذمي، أي: بيعه للذمي، والثالث حمله للمجنون والصبي. أي: حكم حمل الصبي والمجنون للمصحف. هذه مسائل ثلاث. قال رحمه الله تعالى: «وتحرم المسافرة بالمصحف إلى أرض العدو». هذا الحكم الأول في المسألة الأولى، أنه يحرم تحرم المسافرة بالمصحف إلى أرض العدو، إذا خيف وقوعه في أيديهم، للحديث المشهور في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. وهو كما ذكر رحمه الله تعالى في الصحيحين، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وقد علل العلماء رحمهم الله تعالى ذلك بأن السفر بالقرآن إلى أرض العدو يكون سببًا لعبث الكفار بالمصحف وامتهانه، فلذا نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن السفر بالمصحف إلى أرض العدو؛ لأجل هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: «ويحرم بيع المصحف من الذمي». والذمي هو الذي قطن في بلاد المسلمين بعهد الذمة. قال: «فإن باعه ففيه» - أي: في صحة البيع - قولان. أولاً: يحرم بيع المصحف من الذمي؛ لماذا؟ لأنه ليس بمسلم. وقد تقدم معنا أن المصحف يجب أن يصان، ومن صيانته أن لا يباع لكافر؛ لأن الكافر مظنة للعبث بالمصحف والامتهان، إلى جانب ما فيه الكافر من النجاسة المعنوية - نجاسة الشرك والكفر بالله تبارك وتعالى - كما قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَاسَةٌ﴾، أي: نجاستهم نجاسة معنوية على قول الجمهور. فلا يباع المصحف من الذمي. فإن باعه إنسان، فما حكم ذلك العقد؟ يقول: «فإن باعه ففي صحة البيع قولان». للشافعي أصحهما: لا يصح. والثاني: يصح، ويؤمر في الحال بإزالة ملكه عنه. وما قاله إلى الأول. فالحاصل أن البيع من الذمي حرام، لا يجوز لمسلم أن يبيع المصحف من الذمي. ثم إذا وقع البيع، هل يصح أم لا؟ هذا يرجع إلى ماذا؟ إلى النظر في حقيقة العقد. فإذا كان النهي يعود على حقيقة العقد أو شرطه أو وصف ملازم اقتضى الفساد على الصحيح. وأما إذا كان النهي لأمر خارج - كما هو الأمر فيما يبدو هاهنا - فلا يقتضي الفساد. والله أعلى وأعلم. ومع هذا - كما ذكر - إذا صح، فإنه يؤمر بالحال بإزالة ملكه منه؛ لماذا؟ لأنه لا يجوز أن يبقى المصحف في يد كافر؛ لأنه مظنة لامتهان المصحف. قال رحمه الله تعالى: «ويمنع المجنون والصبي الذي لا يميز من حمل المصحف؛ مخافة انتهاك حرمته». قال: «وهذا المنع واجب على الولي». وهذا المنع واجب على الولي وغيره ممن يراه يتعرض لحمله. أي: أن هذا يكون من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمعنى أن من رأى مصحفًا بيد مجنون، فالأصل أن وليه يمنعه. من رأى مصحفًا في يد صبي، فالأصل أن وليه يمنعه. فإن لم يكن وليه موجودًا أو ما منعه، فإنه يجب على كل مسلم أن يمنعه من ذلك؛ أخذًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». لأن المجنون والصبي مظنة للعبث بالمصحف، والمصحف يجب أن يصان. قال رحمه الله تعالى وغفر له: فصل في حكم مس المصحف وحمله للمحدث. وهذه مسألة، أو هذا فصل كذلك فيه، أو تضمن مسألتان: الأولى حكم مس المصحف، والثانية حكم حمل - يعني حكم مس المصحف للمحدث، وحكم حمل المصحف من المحدث. قال رحمه الله تعالى: «يحرم على المحدث مس المصحف وحمله». والمراد بالمحدث هاهنا الحدث الأكبر أو الأصغر. قال: «يحرم على المحدث مس المصحف وحمله، سواء حمله بعلاقة أو بغيرها، سواء مس نفس المكتوب أو الحواشي أو الجلد». ويحرم مس الخريطة - الخريطة: أي الذي يوضع فيها المصحف، كان في الزمن الأول يضعوا المصحف في شيء ويربطونه حفظًا عليه. قال رحمه الله تعالى: «والعلاقة والصندوق إذا كان فيهن المصحف». هذا هو المذهب الصحيح المختار. أي: يحرم مس الخريطة والعلاقة والصندوق إذا كان فيهن المصحف. قال: «هذا هو الصحيح المختار، هذا هو المذهب الصحيح المختار». وقيل: لا تحرم هذه الثلاثة. وهو ضعيف؛ بل هو الصواب: أن هذا المذكور ليس عليه دليل. أي: التحريم ليس عليه دليل دليل. بل المحدث أن يمس المصحف، وأن يحمل المصحف، وأن ينقل المصحف؛ إذ لا دليل يدل على أنه نهى عن ذلك. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في مسألة قراءة المحدث للقرآن، وما تفرع عن هذه المسألة. والصحيح - كما مر معنا - أنه يجوز للمحدث أن يمس المصحف، ويجوز أن يقرأ منه، ويجوز أن يحمله إلى غير ذلك مما ذكر؛ لعدم الدليل الدال على التحريم. نعم، الأولى والأفضل أن يقرأ القرآن على طهارة، وهذا من التعظيم المستحب. أما أن يقال بأنه واجب، فالوجوب يحتاج إلى دليل وبرهان، ولا دليل على هذا القول. والله أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى: «ولو كتب القرآن في لوح فحكمه حكم المصحف». قال: «ولو كتب القرآن في لوح فحكمه حكم المصحف، سواء قل المكتوب أو كثر، حتى لو كان بعض آية كتب للدراسة، حرما مس اللوح». والصحيح - كما سمعتم - الجواز. قال رحمه الله تعالى: فصل في حكم حمل المصحف بواسطة أو حائل. أي: أن يحمل المصحف بشيء، مثلاً كيس أو ما شابه ذلك. أو حائل: أي دون أن يمسه مباشرة. قال: «إذا تصفح المحدث أو الجنب أو الحائض المصحف بعود أو شبهه، ففي جوازه وجهان لأصحابنا» - أي: للشافعية. قال: «أظهرهما جوازه، وبه قطع العراقيون من أصحابنا؛ لأنه غير ماس ولا حامل». والثاني: تحريمه؛ لأنه يعد حاملاً للورقة، والورقة كالجميع. قال: «وأما إذا لف كمه على يده» - إذا لف كمه، أي: طرف يده، جعل على كفه كمه - قال: «وقلب الورقة به فحرام بلا خلاف» - أي: بلا خلاف عند الشافعية. قال: «وغلط بعض أصحابنا فحكى فيه وجهًا». والصواب القطع بالتحريم؛ لأن القلب يقع باليد لا بالكم. هكذا قال. والصواب - كما سمعتم - أنه لا يحرم؛ لعدم الدليل على التحريم. مع ما تقدم ذكره من أن المصحف ينبغي أن يصان، وأن يحترم، وأن يجل، وأن يقرأه الإنسان على أحسن هيئة. هذا من باب الفضل، ومن باب الاستحباب. أم من يقال بأنه يجب، ومن لم يفعل فإنه يكون آثمًا، فعل حرامًا؟ فهذا يحتاج إلى دليل. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على