الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 44، ألقاها
يناقش حكم قراءة القرآن بأكثر من قراءة في مجلس واحد، ويستعرض آراء العلماء حول الموضوع. يرى النووي جواز الانتقال إذا انقضى ارتباط الكلام.
يُناقش ترتيب السور في القراءة، ويستدل على أن الترتيب ليس بشرط، مع الإشارة إلى بعض الاستثناءات الواردة في السنة النبوية. الأفضل اتباع ترتيب المصحف.
يتناول حكم قراءة سور القرآن بترتيب مخالف للمصحف، ويشير إلى آراء مختلفة بين العلماء حول جواز أو كراهة ذلك في بعض الحالات.
يشير إلى خاتمة الحديث بإظهار تعظيم الله تعالى والإقرار بعلمه الأعلى، ويتضمن تسبيحًا لله والاستغفار والتوبة إليه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال النووي رحمه الله تعالى في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن: فصل في حكم الانتقال من قراءة إلى أخرى. قال: إذا ابتدأ بقراءة أحد القراء فينبغي أن يستمر على القراءة بها ما دام الكلام مرتبطًا، فإذا انقضى ارتباطه فله أن يقرأ بقراءة أخرى من السبعة. والأولى دوامه على الأولى في هذا المجلس. هذه مسألة يذكرها النووي رحمه الله تعالى هنا، وهي هل لقارئ القرآن إذا كان في مجلس واحد أن يقرأ القرآن في المجلس الواحد بأكثر من قراءة؟ بمعنى أنه يبدأ السورة فيقرأ، ثم في أثناء سورة يقرأ بقراءة أحد القراء، ثم في أثناء قراءة يقرأ بقراءة أخرى، مثل هذا هل يشرع أم لا؟ يقول النووي رحمه الله تعالى: ينبغي أن يستمر على القراءة بها ما دام الكلام مرتبطًا، فإذا انقضى ارتباطه فله أن يقرأ بقراءة أخرى من السبعة. وهذا قول أن النووي رحمه الله تعالى سبقه إليه كذلك الإمام بن الصلاح رحمه الله. وذهب آخرون إلى المنع مطلقًا، بمعنى أنه إذا قرأ قراءة فإنه لا ينبغي أن يقرأ بقراءة أخرى حتى يفرغ من قراءة تلك السورة. وذهب بعضهم إلى التفصيل، فقال: إن كانت إحدى القراءتين مرتبة على الأخرى منع ذلك، منع تحريم، كمن يقرأ ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾، فجاءت قراءتان: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ على قراءة ابن كثير، وجاءت قراءة غيره: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾، فيقول هؤلاء: لو أنه قرأ «فتلقى آدم» على قراءة غير ابن كثير، ثم قال «من ربه كلمات» فرفع في الموضعين، قالوا: هذا يحرم؛ لأنهم لا يوافق اللغة ولا اللسان، ولم يقرأ بهذه القراءة على هذا الوجه. قالوا: فمثل هذا يحرم. أما إذا لم يكن كذلك فإنه يجوز. مع التنبيه على أمر نبه عليه العلماء رحمهم الله تعالى، وهو أن القراءة - ولا سيما إذا كانت في الصلاة - فينبغي للقارئ أن يقرأ بما اشتهر عند الناس واعتاده الناس، ولا سيما عند عوام الناس؛ حتى لا يظن الناس أن القرآن ليس توقيفيًا وأنه يجوز أن يقرأ بأكثر من وجه بحسب آرائهم. فينبغي أن يراعى هذا الأمر، إذا كان في مجتمع يعرف هذه الأحكام فلا بأس، أما إذا كان في مجتمع ربما حصل فيه تشويش فينبغي أن يترك هذا. نبه على هذا العلامة العثيمين رحمه الله تعالى وغيره من العلماء. قال رحمه الله تعالى: فصل في ترتيب القراءة. قال العلماء: والاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف، فيقرأ الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران ثم ما بعدها على الترتيب، وسواء قرأ في الصلاة أو في غيرها. حتى قال بعضهم: إذا قرأ في الركعة الأولى سورة «قل أعوذ برب الناس» يقرأ في الثانية بالفاتحة من البقرة. وهذا في تجديد، يعني هذه مسألة: هل يشترط الترتيب في القراءة؟ بمعنى أن من قرأ القرآن يبدأ بسورة الفاتحة، إذا قرأ الفاتحة فإنه يقرأ البقرة ولا محالة. ومن بدأ فاستفتح مثلًا بسورة الكهف، يجب عليه أن يقرأ بعدها سورة مريم. ومثل هذا هذا لا يجب، ولا يشترط. ومسألة أنه الأفضل أو ليس الأفضل يحتاج إلى دليل. ولا سيما أن الناظر في قراءات النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الثابتة في السنة: أنه لا يراعي هذه الأمور، كما سيأتي معنا أمثلة على ذلك. قال رحمه الله: قال بعض أصحابنا: ويستحب إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها ما تليها. ودليل هذا: أن ترتيب المصحف إنما جُعل هكذا لحكمة. أي هذا هو التعليل الذي بنوا عليه جواز أو استحباب أو أفضلية الترتيب في القراءة. قال: فينبغي أن يحافظ عليها إلا فيما ورد الشرع باستثنائه، كصلاة الصبح يوم الجمعة يقرأ في الأولى «ألم السجدة» وفي الثانية «هل أتى على الإنسان». وهذا كما ترون ليس فيه ترتيب. قال: وصلاة العيد في الأولى «بسبح» وفي الثانية «اقتربت الساعة». وهذا كذلك. وركعتا سنة الفجر في الأولى «قل يا أيها الكافرون» وفي الثانية «قل هو الله أحد». وركعتا الوتر في الأولى «سبح اسم ربك الأعلى» وفي الثانية «قل يا أيها الكافرون». وهذا كذلك ليس فيه تتابع وترتيب. قال: وفي الثالثة «قل هو الله أحد والمعوذتين». والصحيح أن زيادة المعوذتين لم تثبت. فالظاهر من هذه النصوص ونحوها: عدم مراعاة الترتيب في أثناء القراءة، سواء كان في الصلاة أو في غيرها. يعني معنى هذا: لو أن الإنسان مثلًا قرأ في الصبح سورة البقرة، فأراد أن يقرأ بعدها سورة النساء، فهل يستحب له أن يقرأ آل عمران قبلها؟ إن فعل ذلك فحسن. لكن هل هذا يكون من المستحبات؟ وما شابه ذلك؟ هذا يحتاج إلى دليل. أي استحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل. ومن باب أولى في الصلاة. ومن باب أولى مسألة مراعاة ذلك في الصلاة. ولا سيما أن بعضهم شدد وقال: بأن هذا مما ينبغي فعله، كما ذكر أنه إذا قرأ «بيقول أعوذ برب الناس» فإنه يبدأ فيقرأ بعده بالفاتحة، أي لا يقرأ سورة قبلها. وهذا كما ترون لا دليل عليه على هذا الوصف. قال رحمه الله تعالى: ولو خالف الموالى فقرأ سورة لا تلي الأولى، أو خالف الترتيب فقرأ سورة ثم قرأ سورة قبلها جازا. وهذا والصحيح الأمر واسع. قال: فقد جاءت بذلك آثار كثيرة. وقد قرأ عمر رضي الله عنه في الركعة الأولى من الصبح بالكهف، وفي الثانية بيوسف. وقد كره جماعة مخالفة ترتيب المصحف. وروى ابن أبي داود عن الحسن أنه كان يكره أن يقرأ القرآن إلا على تأليفه في المصحف. فيحمل كلام الحسن رحمه الله تعالى على أن ذلك الزمن ما زال ترتيب القرآن حديثًا، فكان يكره ذلك؛ لئلا تقدم سورة على سورة أي في المصحف العثماني. قالوا: بإسناده الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قيل له: إن فلانًا يقرأ القرآن منكوسًا. فقال: «ذلك منكوس القلب». وأثر ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه يحمل على التنكيس في الآيات، لا التنكيس في السور. بمعنى أنه لو قرأ مثلًا «قل أعوذ برب الناس» ثم قرأ بعدها «قل أعوذ برب الفلق» ثم قرأ بعدها «قل هو الله أحد» وهكذا، هذا لا شيء فيه. لكن لو قرأ السورة نفسها منكسة، بدأ من الآخر إلى الأول، هذا كما قال ابن مسعود: «منكوس القلب». قال رحمه الله تعالى: وأما قراءة السورة منكوسًا من آخرها إلى أولها، فممنوع منعًا متأكدًا؛ فإنه يذهب بعض ضروب الإعجاز، ويزيل حكمة ترتيب الآيات. وقد روى ابن أبي داود عن إبراهيم النخعي - الإمام التابعي الجليل - والإمام مالك بن أنس: أنهما ما كرها ذلك. وأن مالكًا كان يعيبه ويقول: «هذا عظيم». أي هذا الفعل عظيم. وهو كما قال رحمه الله. قال: وأما تعليم الصبيان من آخر المصحف إلى أوله فحسن. أي أنه يبدأ معهم من أواخر المصحف، من سورة «قل أعوذ برب الناس» وهكذا. قال: ليس من هذا الباب؛ فإن ذلك قراءة متفرقة في أيام متعددة، مع ما فيه من تسهيل الحفظ عليهم. والله أعلم. أي أن فعل المسلمين وصنع المسلمين في تعليم أبنائهم بالبدء من آخر المصحف إلى أوله، هذه طريقة مشروعة؛ لأن فيها يسرًا وتسهيلًا للطفل والصغير على حفظ كتاب الله تبارك وتعالى، وعلى تنشيطه على حفظه. وهذا مطلب مراد. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.