الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 28، ألقاها
يتناول هذا الفصل آداب حامل القرآن كما ذكرها الإمام النووي، مشيرًا إلى ضرورة تحلي حامل القرآن بالشمائل الكريمة والابتعاد عما نهى عنه القرآن. يشدد على أهمية أن يكون حامل القرآن على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل.
يجب على حامل القرآن أن يترفع عن المعاصي والمحرمات، وأن يكون شريف النفس، ويصون علمه، ويجتنب دنيء الاكتساب، ويتحلى بالتواضع للصالحين والمساكين، والخشوع، والسكينة، والوقار. يكون متعلقًا بالله وحده دون التطلع إلى الدنيا أو الحاجة إلى الناس.
يوصي هذا الفصل بتعظيم حق القرآن وتقديره، وعدم الانشغال أو اللهو أثناء حمله. ينتهي بالدعاء أن يعيننا الله على العمل بمقتضى هذه الآداب والوصايا، ويختم بالحمد والصلاة على النبي وآله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادِيَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن: «قال الباب الخامس في آداب حامل القرآن. قال: قد تقدم جمالٌ منه في الباب الذي قبل هذا، أي تقدمت جمالٌ من الآداب التي ينبغي أن يتحلَّى بها حامل القرآن. وإضافةً إلى ذلك قال: ومن آدابه -أي مع ما تقدم- أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل، وأن يُرفِع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه إجلالًا للقرآن، وأن يكون مصونًا عن دنيء الاكتساب، شريف النفس، مترفعًا على الجبابرة والجُفاة من أهل الدنيا، متواضعًا للصالحين والمساكين، وأن يكون متخشعًا ذا سكينةٍ ووقار». فقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «يا معشر القرآن، ارفعوا رؤوسكم فقد وضح لكم الطريق، واستبقوا الخيرات، ولا تكونوا عيالًا على الناس». قوله رحمه الله تعالى في آداب حامل القرآن -أي الآداب التي ينبغي أن يتحلَّى بها طالب العلم، ولا سيما حامل القرآن- آدابٌ منها أن يكون على أكمل الأحوال، أي من حيث الآداب، من حيث الشمائل، من حيث الصفات. لذا قال: «وأكرم الشمائل»، لماذا؟ لأنه قد حمل في صدره القرآن، فهو حاملٌ لأمانةٍ عظيمة ولأمرٍ كبير وكريم، حاملٌ لكلام الله جل وعلا، بل هو آياتٌ بيِّناتٌ في صدور الذين أوتوا العلم، حاملٌ لآياتٍ من كتاب الله جل وعلا. وقد يكون حاملًا للقرآن العظيم، وإذا كان هذا حاله فينبغي له أن يعلَمَ قدرَ هذه النِّعمة الذي آتاه الله إياها بأن يتحلى بأعظم الخصال التي دلَّ عليها القرآن وحثَّ عليها؛ لأجل أن يكون من أهل القرآن حفظًا، قراءةً، علمًا، عملًا، يكون من أهل القرآن كما أراد الله جل وعلا منه. قال رحمه الله: «وأن يُرفِع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه»، أي عن كل ما نهى سواء كان من المحرَّمات، وهذا يشترك فيها كل أحد، حامل القرآن وغيره يشتركون في هذا الأمر، أي يجب عليه أن يترفَّع عن المعاصي، عن ترك الواجبات، أو عن فعل المحرَّمات. ويتحتَّم هذا الأمر على طالب العلم وعلى حامل القرآن. وكذلك يختص طالب العلم وحامل القرآن كذلك بمزايا وخصائص ينبغي له أن يجتنبها، أن يجتنب أشياء تكملة للخصال التي ينبغي أن تكون فيه. لذا قال: «إجلالًا للقرآن»، «وأن يكون مصونًا عن دنيء الاكتساب»، أي لا يكتسب إلا الطيب، ولا يأكل إلا الطيب، ولا يقبل إلا الطيب، يترك المحرَّمات هو وغيره، ويترك كذلك المشتبهات من الاكتساب ونحوها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه». وحامل القرآن ينبغي له أن يستبرئ لذلك لدينه وعرضه؛ لأنه قد علم من العلم مما علَّمه الله جل وعلا مما قد يجهله بعض الجهال، فيقعون في الشبهات، بل وربما يتوصلون بها إلى الوقوع في المحرَّمات، بخلاف حامل القرآن فهو يتق الشبهات اتقاءً لله جل وعلا. وكما قيل: «لا يبلغ الرجل درجة المتقين حتى يدع ما ليس به بأس خشية من أن يقع فيما به بأس»، أي يدع شيئًا من الشبهات، وربما يدع شيئًا من المباحات التي فيها -كما يقال- خلاف الأولى، اتقاءً للشبهات. إذا وصل الإنسان إلى هذه الحالة فهو قد وصل إلى مرتبة من مراتب المتقين. قال رحمه الله: «شريف النفس»، أي بين الناس، لا يكون دنيئًا. حامل القرآن ينبغي أن يكون معظمًا للقرآن، فلا يكون في المجالس دنيئًا، متملقًا لأرباب الأموال أو لأرباب الجاه، بل ينبغي له أن ينزه نفسه عن كل ما يكون سببًا لحصول شيء مما قد يحصل مما هو نقص في حقه، والذي يكون سببًا في تنقص ما عنده من العلم. ينبغي له أن يصون العلم صيانةً عظيمة؛ لأنها أمانة عظيمة، فينبغي له أن يكون صائنًا له. قال: «مترفعًا على الجبابرة والجُفاة من أهل الدنيا»، لا ينظر إليهم نظرة إعجاب، ولكن ينظر إليهم نظرة إنسان مترفع عما هم عليه من الجبروت ومن الكبر، يترفع عن هذه الأفعال عن أفعالهم. وفي المقابل: «متواضعًا للصالحين والمساكين»، إذا جالس الفقراء، إذا جالس الصالحين، إذا جالس المساكين، خفض لهم الجناح، لان لهم الجانب، ألان لهم القول، ألان لهم الطبع. قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. هذا من العمل بالقرآن، إذا جالس أهل الإيمان الصالحين ألان لهم الجانب، وإذا جالس غيرهم عاملهم معاملة يستحقونها، فيها معنى من معاني إعزاز القرآن وإعزاز العلم، لا إفراط ولا تفريط. قال رحمه الله تعالى: «وأن يكون متخشعًا ذا سكينة ووقار»، كذلك أن يعرف بالسكينة، بالوقار، لا يكون كحال المترفين والطائشين والعابثين والسفهاء، بل يكون ذا سكينة ووقار، تظهر عليه علامات العلم وأدب القرآن. قال رحمه الله تعالى: فقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «يا معشر القرآن، ارفعوا رؤوسكم فقد وضح لكم الطريق، واستبقوا الخيرات، ولا تكونوا عيالًا على الناس»، أي عالةً على الناس، بل ترفعوا، تنزهوا. قال رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون». فمن كان عنده علم من الله كان على خشية من الله. وكما قال من قال من السلف: «من كان بالله أعرف كان منه أخوف»، والعكس بالعكس. قال: وعن الحسن رحمه الله تعالى قال: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم إلى كل شخص بعينه، فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار». أي يتعلمون تلك الرسائل وينظرون فيها ويتأملونها ويعملون بها في الليل، أي في قيام الليل. قال: وعن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: «ينبغي لحامل القرآن أن لا تكون له حاجة إلى أحد من الخلفاء فمن دونهم»، أي لا تكون له حاجة إلا إلى الله، لا يلتفت إلا إلى الله، ولا يحتاج إلا إلى الله تبارك وتعالى، ترفعًا عن تدنيس العلم والقرآن، وإكرامًا للقرآن. قال: وعنه أيضًا قال: «حامل القرآن حامل راية الإسلام، ولا ينبغي له أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو؛ تعظيمًا لحق القرآن». وصايا عظيمة، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعيننا على العمل بمقتضى هذه الآداب وهذه الوصايا، إنه قريب مجيب. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.