شرح المذكرة - مقرر السنة الثالثة 8

الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الثالثة 8، ألقاها

دلالة الأمر على الوجوب واستدلالاته

يناقش دلالة الأمر في اللغة العربية على الوجوب، حيث يذكر أربعة أقوال حول هذه المسألة ويستدل على أن الأصل في الأمر هو الوجوب. يستند الاستدلال إلى أدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية.

حكم الأمر بعد الحضر وتعدد الآراء

تناول مسألة حكم الأمر بعد الحضر في اللغة العربية والشريعة الإسلامية، حيث اختلف الأصوليون والفقهاء في دلالة صيغة الأمر بعد الحظر على الوجوب أو الإباحة. ذكر ثلاثة أقوال في المسألة واستدلال كل قول بالأدلة الشرعية.

حكم الأمر المطلق وتكراره وتعدد الكفارات

يناقش حكم الأمر المطلق في الفقه الإسلامي وهل يقتضي التكرار أم لا، ويستعرض آراء الفقهاء والأصوليين في هذه المسألة. كما يشرح أمثلة على الأحكام التي تتكرر فيها الإجماع وتعدد الكفارات بتعدد الأفعال.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الشقيطي رحمه الله تعالى: مسألة، قال المؤلف رحمه الله تعالى: إذا ورد الأمر متجرداً عن القرائن اقتضى الوجوب في قول الفقهاء إلى آخره. خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أربعة أقوال: الأول أن الصيغة المذكورة للوجوب، الثانية أنها للإباحة، وحجته أن رأينا الأمر قد يأتي لها، كقوله: ﴿فاستعدوا﴾، فنحمله على أدنى الدرجات وهو الإباحة، الثالث أنها للندب، وحجته أن صيغة إفعل تقتضي طلب الفعل، وأدنى درجات الطلب الندب، فنحمله عليه، الرابع الوقف حتى يرد الدليل ببيانه. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، ثم أما بعد. قوله رحمه الله تعالى وغفر له: مسألة، قال المؤلف: إذا ورد الأمر متجرداً عن القرائن، متجرداً عن القرائن اقتضى الوجوب في قول الفقهاء، وهذه المسألة في الحقيقة تقدم الكلام عليها، ولكن لما كررها المؤلف وذكر الأقوال فيها كررت هاهنا مرة أخرى، فذكر أن من الناس من يحمل الأمر المجرد عن القرهائن منهم من يحمله على الوجوب، كما تقدم قول فقهاء، ومنهم من يحمله على الإباحة أخذاً بأنه قد وجدت بعض النصوص ذكر فيها الأمر وأريد به الإباحة، ومنهم من ذهب إلى أنه للندب بناء على أن أقل أحوال الطلب الندب، ومنهم من توقف للتردد بين الندب والوجوب والإباحة. قال رحمه الله: والحق أنها للوجوب إلا بدليل صارف عنه، لقيام الأدلة، كقوله: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ترد عليهم فتنة في الدنيا ولهم عذاب أليم﴾، فالتحذير من الفتنة والعذاب الأليم في مخالفة الأمر يدل على أنه للوجوب، وقوله: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾، فإنه جعل أمر الله ورسوله مانعاً من الاختيار، وذلك دليل الوجوب، وقوله: ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾، فهو ذم على ترك امتثال الأمر بالرفوع، وهو دليل الوجوب، وقوله: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾، فقرعه على مخالفة الأمر، وهو دليل الوجوب، وقوله: ﴿أفعصيت أمري﴾، وهو دليل على أن مخالفة الأمر معصية، وذلك دليل الوجوب، وقوله: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾، إلى غير ذلك من أدلة الكتاب والسنة. قال رحمه الله: وقد ذكر أدلة متنوعة تدل على أن الأمر للوجوب، تارة بأن الله جل وعلا رتب على ترك الأمر العقاب والعذاب الأليم، وتارة أن الله عز وجل منع الخيرة بعد أمر الله ورسوله، أنه إذا جاء أمر الله ورسوله فليس لأحد أن يختار الفعل أو الترك، وكذلك بعد أن ذكر الأمر قالوا: ﴿إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾، فهو كذلك ذم على ترك الأمر، وكذلك ذكر رحمه الله تعالى ما حصل لإبليس بسبب عدم امتثاله لأمر الله: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾، على تقريع لماذا التقريع له لمخالفة أمر الله جل وعلا، وقال له أيضاً: ﴿أفعصيت أمري﴾، يعني هذا فقول: ﴿أفعصيت أمري﴾، أي في حق من؟ في حق موسى عليه السلام مع أخيه، فدل على أن الأمر الأصل فيه أنه يكون للوجوب إلا أن تدل قرينة صارفة تخرج عن ذلك. وما ذكر من أقوال سواء كان القول الثاني أو القول الثالث، هذه خرجت عن هذا الأصل بقرينة، الأول لأنه أمر بعد نهي، بعد حضر، والثاني في قوله بأن أصل أن أقل أحوال الطلب الندب، يقال: إذا كان طلباً مجرد طلب، أما هذا أمر، ففرق بين الطلب وبين الأمر، لأن معنى الطلب فيه شيء من الاختيار، الطلب فيه معنى شيء من الاختيار، لكن فعل أفضل من الترك، أما باب الأمر فليس فيه شيء من ذلك، بل يلزم من أمر أن يأتمر، وإلا كان عاصياً لذلك الأمر. قال رحمه الله: ولا خلاف بين أهل اللسان العربي أن السيد لو قال لعبده: افعل، فلم يمتثل، فأدبه لأنه عصاه، أن ذلك واقع موقعه، مفهوم من نفس صيغة الأمر، وعزاه في المراقب إلى الأقوال في هذه المسألة بقوله: وفعل لدى الأكثر للوجوب، وقيل للندب أو المطلوب، وقيل للوجوب أمر الرب وأمر من أرسله للندب. قال رحمه الله: والحق أن دليل اقتضاء فعل الوجوب الشرع واللغة كما ذكرنا، وقيل العقل كما أشار إليه في المراقب بقوله: ومفهم الوجوب يدري الشرع أو الحجى أو المفيد الوضع، يعني: ومفهم الوجوب، يعني أيش الذي يستفاد الوجوب من أيش؟ هل هو مستفاد بالشرع أم مستفاد بالعقل أم مستفاد باللغة؟ فقوله: ومفهم الوجوب يدري الشرع، أي أنه بالشرع يعرف، أو الحجى أي أو يعرف بالعقل، أو المفيد الوضع، أي أنه يفيد بالوضع العربي. قال المؤلف رحمه الله: فصل، إذا وردت صيغة الأمر بعد الحضر اقتضت الإباحة، وهو ظاهر قول الشافعي. هذه مسألة مشهورة عند الأصوليين، وهي كذلك عند الفقهاء، وهي ما حكم الأمر بعد الحضر؟ ما مع الحضر؟ أي أن الله جل وعلا إذا حرم شيئاً ثم أمر به، إذا حرم شيئاً ثم أمر به، ما حكم هذا الأمر؟ أي هل الأمر بعد الحضر يقتضي الوجوب أو لا يقتضي الوجوب؟ أقوال في المسألة سيأتي ذكرها. قال رحمه الله: خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أن صيغة إفعل إذا وردت في أمر كان ممنوعاً، ففيما تفيده ثلاثة أقوال، وقوله: ثلاثة أقوال، أي من حيث الجملة، وإلا بعضهم ذكر تحته أقوالاً كثيرة إلى أكثر من عشرة أقوال. قال رحمه الله: الأول أن الأمر بعد الحضر للإباحة، لماذا؟ لأنه بعد الحضر، فلو كان من دون حضر قالوا: كان يقتضي الوجوب عند تجرده، لكن لما كان بعد الحضر فدل على أن ذلك الشيء المحرم صار حلالاً، القول الثاني قالوا: أنها كالتي لم يتقدمها حضر، أنها كالذي لم يتقدمها حضر، أن يجعلها أمراً مجرداً، لذا قال هنا: وقد قدمنا أنها للوجوب عند تجردها من القرائن، يعني حاصل القول هذا أنه: أن الأمر للوجوب، القول الأول للإباحة، الثاني للوجوب، القول الثالث فرق بين صيغة وصيغة، فقال: إذا كان إذا ورد الأمر بصيغة إفعل فهي للجواز، أي مثل القول الأول للإباحة، وإن ورد بمثل: أنتم مأمورون، قال: فكالتي لم يتقدمها حضر، أي كالقول الثاني. قال رحمه الله: حجة القول بالوجوب هو ما قدمنا من أدلة كون إفعل للوجوب، وحجة القول بالإباحة وهو اختيار المؤلف أن عرف الاستعمال في الأمر بعد الحضر بالإباحة، بدليل أن أكثر أوامر الشرع بعد الحضر بالإباحة، كقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾، وقوله: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾، وقوله: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾، إلى غير ذلك من الأدلة. قال رحمه الله: وحجة القول الثالث أن الجملة الإسمية قد تفيد من الثبوت والدوام ما لا تفيده صيغة إفعل، ولا يخفى ضعف هذا القول. يقول: وحجة القول الثالث أن الجملة الإسمية: أنتم مأمورون، مبتدأ وخبر جملة إسمية، يقول: قد تفيد من الثبوت والدوام أي قوتها على الأمر أظهر وأقوى من صيغة إفعل، وإذا كان كذلك فماذا قالوا؟ فإذا كانت الجملة إسمية فإنها تفيد الوجوب، وإذا لم تكن إسمية وإنما كانت بصيغة إفعل فإنها لا تفيد الوجوب. قال رحمه الله: وحاصل معنى اختيار المؤلف أنها للإباحة هو أن الحضر الأول قرينة طارفة للصيغة عن الوجوب إلى الإباحة، قال مقيده عفا الله عنه: أي أن المؤلف -وهو الإمام ابن قدامة- استدل بأمرين: الأول عرف الشرع باعتبار أكثر الأغلب الأمر، الثاني أن الأمر لما كان بعد حضر أي بعد التحريم كان هذا قرينة على خروج الأمر عن أصله إلى أصل آخر وهو الإباحة. قال رحمه الله: قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر لي في هذه المسألة هو ما يشهد له القرآن العظيم، وهو أن الأمر بعد الحضر يدل على رجوع التالي إلى ما كان عليه قبل الحضر، إن كان قبله جائزاً رجع إلى الجواز، وإن كان قبله واجباً رجع إلى الوجوب. قال رحمه الله: فالصيد مثلاً كان مباحاً ثم منع للإحرام، ثم أمر به عند الإحلال، فيرجع لما كان عليه قبل التحريم، وقتل المشركين كان واجباً ثم منع لأجل دخول الأشهر الحرم، ثم أمر به عند انسلاخها في قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخت الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، فيرجع إلى ما كان عليه قبل التحريم، وهكذا، وهذا الذي اخترناه، قال به بعض الأصوليين، واختاره ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، الأمر المطلق لا يقتضي التكرار في قول أكثر الفقهاء والمتكلمين، واختيار أبي الخطاب، وقال القاضي وبعض الشافعية: يقتضي التكرار إلى آخره. هذه كذلك من المسألة الأصولية في مباحث الأمر، وهي هل الأمر المطلق ومعنى الأمر المطلق الذي لم تحفه قرينة تدل على معنى خاص، مطلق ليس بمقيد بوصف ولا بشرط، هل صيغة إفعل تقتضي التكرار أم لا تقتضي التكرار؟ الأصل فيها تقتضي التكرار أم لا تقتضي التكرار؟ هذا معنى المسألة. قال رحمه الله: خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أن الأمر المطلق أي غير المقيد بمرة ولا تكرار ولا صفة ولا شرط، فيه أربعة أقوال: الأول لا يقتضي التكرار، وهو الحق، الثاني يقتضيه، الثالث إن علق على شرط اقتضى التكرار وإلا فلا، الرابع إن كرر لفظ الصيغة اقتضى التكرار وإلا فلا. قال رحمه الله: اعلم أولاً أن ذكر القول بأنه إن علق على شرط مكرر سهو من المؤلف رحمه الله، لأن الكلام في الأمر المطلق خاصة، والمعلق على شرط غير مطلق، والحق أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، بل يخرج من عهدته بمرة واحدة، فلو قال لوكيله: طلق زوجتي، فليس له إلا تطليقة واحدة، ولو قال لعبده: اشتري متاعاً، لم يلزمه ذلك إلا مرة واحدة، وهذا لا شك فيه، سواء قلنا باقتضائه المرة أو مطلق الماهية. قال رحمه الله: وكذلك تكرار الصيغة، فكونه للتأكيد أظهر، يعني على القول الرابع قال: إن كرر لفظ الصيغة اقتضى التكرار وإلا فلا، فيقول العلامة الشنقيطي: وكذا تكرار الصيغة، فكونه للتأكيد أظهر، أي أنه لا يفيد التكرار، لماذا؟ لأنه لو أن رجلا قال لوكيله: يا فلان طلق عني امرأتي، ثم قال: يا فلان طلق عني امرأتي، هل يفهم منه أنه يطلقها مرتين؟ لا، ولكن يؤكد له المعنى. قال رحمه الله: تنبيهان: الأول إذا علق الأمر على شرط فالظاهر أنه يكون بحسب ما يدل عليه ذلك الشرط لغة، إن كان يفيد التكرار تكرر وإلا فلا، مثال الأول: كلما جاءك زيد فأعطيه درهماً، ومثال الثاني: إن جاءك زيد فأعطيه درهماً. قال رحمه الله: الثاني: قول المؤلف وقولهم: إن الحكم يتكرر بتكرر العلة، فكذا الشرط، قلنا: العلة تقتضي حكمها فيوجد بوجودها، والشرط لا يقتضي إلى آخره. قال رحمه الله: ومعناه أنه قائل بأن الحكم يتكرر بتكرر علته، وكذلك كلام محشيه -محشي أي ابن بدران رحمه الله- قال رحمه الله: والظاهر أن ذلك لا يصح على الإطلاق، لأن تكرار العلة قد يتكرر معه الأمر وقد لا يتكرر، إما إجماعاً وإما على قول. قال رحمه الله: فمثال ما لا يتكرر فيه الأمر بتكرر علته قولاً واحداً: من بال مرات متعددة، أو جامع كذلك، فعلة وجوب الوضوء والغسل متكررة، والأمر بهما غير متكرر، بل يكفي فيهما واحد، وكذلك من زنى مرات قبل أن يحد، وقيم عليه حد واحد. قال رحمه الله: ومثال ما يتكرر فيه إجماعاً: أن يضرب أن يضرب امرأة حاملاً فتسقط جنينين، فعليه غرتان، معروف في حديث أبي هريرة، وحيث حمل بالنابغة الذبياني أنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم في السقط بغرة عبد أو أمة، لو أن امرأة ضربت في بطنها فأسقطت توأماً اثنين، كم عليه من غرّات؟ غرتين. قال رحمه الله: ومثال ما اختلفت فيه: تعدد صاع المصرات بتعدد الشياة، وتعدد كفارات الظهار إن ظاهر من زوجات، وتعدد غسل الإناء بتعدد ولوق كلب أو كلاب، وتعدد الحمد بتعدد العطاس، وحكاية أذان المؤذنين إلى غير ذلك. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على