الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الثالثة 9، ألقاها
يناقش المقطع مسألة أصولية حول ما إذا كان الأمر يقتضي الفعل على الفور أم التراخي، ويُقدم رأي المؤلف والشنقيطي في أن الأمر يقتضي الفور استنادًا إلى الأدلة الشرعية واللغة العربية.
يناقش المؤلف عدة مسائل متعلقة بالأمر في العبادات والمعاملات، مثل سقوط الواجب المؤقت بفوات وقته، ووجوب القضاء بأمر جديد، ومدى اقتضاء الأمر للإجزاء عند الامتثال.
يناقش المقطع أحكام النهي واقتضائه للفساد أو الصحة، ومسألة دخول المعدوم في الخطاب وجواز الأمر بما لا يمكن فعله، مما يوضح جوانب متعددة من الأحكام الشرعية.
المقطع يتضمن الدعاء لله تعالى بالصلاة والسلام على نبيه محمد وعلى آله وصحبه، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلى وأعلم، ويُعتبر هذا ختامًا للكلام السابق.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى على المؤلف رحمه الله تعالى: مسألة الأمر يقتضي فعل المأمور على الفور في ظاهر المذهب، وهو قول الحنفية. وقال أكثر الشافعية: هو على التراخي إلى آخره. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، مسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قوله رحمه الله تعالى: قال المؤلف رحمه الله تعالى مسألة الأمر يقتضي فعل المأمور على الفور، هذه مسألة أصولية مشهورة، وهي هل الأمر يقتضي الفور أم لا؟ أي هل الأمر يدل على الفور أم لا؟ بمعنى لو قال السيد لغلامه مثلًا افعل كذا، هل يقتضي أن يمتثل الفعل مباشرة بمجرد ذلك الأمر، أو أن له أن يتراخى ويفعله في وقت آخر، في وقت متراخ؟ هذه هي المسألة التي ذكرها الأصوليون. فذكر الأصوليون رحمهم الله تعالى في المسألة قولين: منهم من ذهب إلى أن الأمر يقتضي الفور، وهو الذي اختاره المؤلف رحمه الله تعالى، وهو الراجح كذلك، اختاره جماعة من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. وفي طائفة آخرين من المحققين رحمهم الله تعالى، وهو الراجح الذي تدل عليه الأدلة الشرعية، وكذلك يدل عليه مقتضى اللغة العربية من صيغة الأمر، كما سيأتي بيان ذلك في كلام العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى وغفر له. قال رحمه الله: خلاصة ما ذكره في هذا المبحث أن فيه القولين المذكورين، وكونه للفور هو الحق لأمور: الأول أن ظواهر النصوص تدل عليه، كقوله تعالى: ﴿سارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾، وقوله: ﴿وسارعوا إلى مغفرة﴾ الآية، وقوله: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ الآية. وقد مدح الله تعالى المسارعين بقوله: ﴿أولئك يسارعون في الخيرات﴾، فهذه أدلة القرآن تدل على الأمر بالمسارعة في فعل ماذا؟ الطاعات، ويدخل فيها دخولًا أوليًا المأمورات، والأصل في هذه الأوامر أنها للوجوب، هذا هو الأصل إلا أن تدل قرينة على عدم ذلك. وقول الله جل وعلا: ﴿وسارعوا﴾ أمر، وقوله تبارك وتعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ كذلك، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وسابقوا إلى مغفرة من ربكم﴾ كذلك، كلها أوامر تدل على ماذا؟ على وجوب الفور بامتثال تلك الأوامر التي أمر الله جل وعلا بها. قال رحمه الله: الثاني أن السيد لو أمر عبده فلم يمتثل، فعاقبه لم يكن له عذر بأن الأمر على التراخي، وذلك مفهوم من وضع اللغة. وهذا كما قال، وذلك مفهوم من وضع اللغة. فالثاني هو في الحقيقة دليلان: الدليل الأول أنه وضع اللغة، الصيغة "افعل" في اللغة تدل على ماذا؟ على المبادرة، على المبادرة بامتثال ذلك الفعل على الفور. هذا يفهم منه ماذا؟ على مقتضى اللغة. وكذلك دل عليه العرف، كذلك دل عليه ماذا؟ العرف. حتى إن السيد إذا قال لغلامه افعل كذا، فإذا لم يفعل على الفور فعاقبه لم يكن ماذا؟ لم يكن مخطئًا في ذلك العقاب. لماذا؟ لأنه ما بادر بامتثال الأمر، أي أمر ما بادر بامتثال ذلك الأمر على الفور، فاستحق العقوبة. فدل ذلك على أن الأمر على الفور على الصحيح. قال رحمه الله: الثالث أنه لو قيل هو على التراخي، فلابد أن يكون لذلك التراخي غاية أو لا. فإن قيل له غاية، قلنا مجهولة، والتكليف بالمجهول لا يصح. وإن قيل إلى غير غاية، قلنا أدى ذلك إلى سقوطه، والفرض أنه مأمور به. وإن قيل غايته الوقت الذي يغلب على الظن البقاء إليه، فالجواب أن ظن البقاء معدوم؛ لأنه لا يدري أيخترمه الموت أم لا. قال رحمه الله: وقد حذر تعالى من التراخي لئلا يفوت التدارك باغتراب الأجل، بقوله: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى يكون قد اقترب أجلهم﴾، ولا سيما والإنسان طويل الأمل، يهرم ويشب أمله، يهرم ويشب أمله. وأشار في المراقي إلى أن كونه للفور مذهب مالك أيضًا، بقوله: وكونه للفور أصل المذهب، وهو لدى القيد بتأخير الأبي، وهو الصواب. أن الصواب أن الأمر يقتضي الفور، لما تقدم ذكره. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل الواجب المؤقت لا يسقط بفوات وقته، ولا يفتقر القضاء إلى أمر جديد، وهو قول بعض الفقهاء. وقال الأكثرون: لا يجب القضاء إلا بأمر جديد، واختاره أبو الخطاب إلى آخره. حاصل هذا المبحث أن العبادة المؤقتة بوقت معين إذا فات وقتها، فهل يجب قضاؤها بالأمر الأول، وهو اختيار المؤلف، أو لا يجب إلا بأمر جديد، وهو قول الأكثرين؟ حجة الأول أن الأمر قد شمل أمرين: أحدهما فعل العبادة، والثاني اقترانها بالوقت المعين لها. فإذا فات الوقت تعذر أحدهما، وبقي الآخر، وبقي الآخر في الإمكان، فيجب الإتيان بالممكن؛ لأن المركب من أجزاء ينسحب حكمه عليهما. قال رحمه الله تعالى: في المسألة قولان، والأول الذي هو قول الأقل هو الذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وابن قدامة. وهؤلاء لهم حجة، ما هي هذه الحجة؟ يقول: أن الأمر قد شمل أمرين: أحدهما فعل العبادة، والثاني اقترانها بالوقت المعين لها. أي مثلًا إذا قال الله جل وعلا: وأقيموا الصلاة، وأمر الله جل وعلا بصلاة العصر أن تصلى في وقت العصر، يقول هذا القائل: بأن أمر الله جل وعلا بإقامة الصلاة تضمن مدلول أمرين: الأمر الأول بإقامة الصلاة، والأمر الثاني بأدائها في الوقت. قال رحمه الله: وحجة الثاني أنها لما قرنت بالوقت المعين، علم أن مصلحتها مختصة به؛ إذ لو كانت في غيره لما خصصت به، فيحتاج القضاء إلى أمر جديد. وإلى هذه المسألة أشار في المراقي بقوله: والأمر لا يستلزم القضاء، بل هو بالأمر الجديد جاء؛ لأنه في زمن معين يجئ لما عليه من نفع بني. قال رحمه الله: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر يقتضي الإجزاء بفعل المأمور به إذا امتثل المأمور بكمال وصفه وشروطه إلى آخره. حاصل هذا المبحث أن من امتثل الأمر وجاء به على الوجه المطلوب، اختلف فيه: هل يقتضي ذلك الإجزاء وعدم القضاء، أو لا؟ والحق الذي لا شك فيه أنه يقتضيه، ولا يعترض عليه بمثل الفاسد من الحج، ولا بمن صلى يظن الطهارة ثم تبين حدثه؛ لأنه في الأول أفسد حجه، وفي الثاني صلى محدثًا، فلم ينتثل واحد منهما على الوجه المطلوب. قال رحمه الله: قال المؤلف رحمه الله تعالى: مسألة الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به، ما لم يدل عليه دليل. مثاله قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مروهم بالصلاة لسبع» ليس بخطاب من الشارع للصبي، ولا بإيجاب عليه. مع أن الأمر واجب على الولي، لكن إذا كان المأمور النبي صلى الله عليه وسلم كان واجبًا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لقيام الدليل على وجوب طاعته وتحريم مخالفته. قال رحمه الله: وقال بعض أهل العلم: الأمر بالأمر أمر، فالأول مأمور بالمباشرة، والثاني بالواسطة، وله وجه من النظر. فمسألة الأمر بالأمر بالشيء لا يقال فيها بأنها قاعدة مضطردة، فيقال: كل أمر بالأمر بالشيء واجب، ولا يقال بأنه ليس بواجب، بل يقال: ينظر في توجيه الأمر. فإن كان على الآمر يعني إن كان الآمر وجه الخطاب أو الأمر على المأمور الأول دون الثاني، مثل الأمر بالصلاة للصبيان، كان واجبًا في المبلغ دون من أمر بأمرهم. وإن كان موجهًا إليهما، كان عليهما. قال رحمه الله: أما إذا حصل في اللفظ ما يدل على الأمر، فهو أمر بلا خلاف، كقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعمر في شأن طلاق ابنه عبد الله: «مره فليراجعها»؛ لأن لام الأمر صدرت منه صلى الله عليه وسلم متوجهة إلى ابن عمر، فهو مأمور منه بلا خلاف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل الأمر لجماعة يقتضي وجوبه على كل واحد منهم إلى آخره. خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أن الأمر لجماعة يقتضي وجوبه على كل فرد منهم، إلا بدليل يدل على أنه على الكفاية، كقوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾. والتحقيق في فرض الكفاية أنه واجب على كلهم، يسقط بفعل بعضهم؛ بدليل أنهم إن فعلوه كلهم نالوا ثواب الواجب كلهم، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم. قال رحمه الله: والدليل على أنه ليس على واحد معين: تعذر تكليف المجهول. وأشار إليه في المراقي قوله: وهو على الجميع عند الأكثر لإساءتهم بالترك والتعذر. يعني تعذر تكليف المجهول. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل إذا أمر الله تعالى نبيه بلفظ ليس فيه تخصيص إلى آخره. قدمنا هذا الفصل مستوفى في مثاله: الشرع من قبلنا. وذكر المؤلف هنا أن ما خوطب به صحابي واحد يعم غيره. وأشار في المراقي إلى أن غير حنابلة خالفهم في عموم خطاب الواحد، بقوله: خطاب واحد لغير الحنبلي من غير رأي النص والقيس الجلي. قال رحمه الله: وأشار إليه في المراقب قوله: وما يعم يشمل الرسول، وقيل لا. ونذكر التفصيل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل الأمر يتعلق بالمعدوم إلى آخره. اعلم أولًا أن الخلاف في هذا المبحث لفظي؛ لأن جميع العلماء مطبقون على أن أول هذه الأمة وآخرها إلى يوم القيامة سواء في الأوامر والنواهي. فإذن خلاصة المسألة أن خلاف اللفظ اعتباري، وإلا من حيث العمل والثمرة هم متفقون، مجمعون على أن كل أمر أمر الله جل وعلا به الصحابة، بل أمر به الأمة على وجه العموم، نحن داخلون به، المتأخرون داخلون في تلك الأوامر وفي تلك النواهي. قال رحمه الله: والذين يقولون: لا يدخل المعدوم في الخطاب، يقولون: تكليف المعدوم وقت الخطاب بأدلة منفصلة، كقوله تعالى: ﴿وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾ الآية. واحتجوا بأن الخطاب صفة إضافية لا تعقل بدون مخاطب. قال رحمه الله: وأجاب الآخرون بأن الخطاب متوجه إليهم بشرط وجودهم، متصفين بصفات التكليف، وهذا لا إشكال فيه. قال رحمه الله: وتبع صاحب المراقي القرافي في أن المعدوم لا يدخل في الخطاب؛ لأن المعدوم ليس بشيء، وأن تكليفهم بعد وجودهم علم بالضرورة من الدين، لا من الخطاب اللغوي. قال رحمه الله: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل ويجوز الأمر من الله سبحانه لما في معلومه أن المكلف لا يتمكن من فعله. وعند المعتزلة لا يجوز إلى آخره. والتحقيق فيه الجواز، والحكمة الإبتلاء. ويوضح أنه تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده، وهو يعلم أنه لا يمكنه من ذبحه بالفعل، وصرح بأن الحكمة في ذلك الإبتلاء، إبتلاء بقوله: ﴿إن هذا لهو البلاء المبين﴾ الآية. قال رحمه الله: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل يعلم أن ما ذكرناه من الأوامر تتضح به أحكام النواهي إلى آخره. أي فكما أن الأمر استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، فالنهي استدعاء الترك بالقول على وجه الاستعلاء. ومعنى هذا أن أحكام النهي كأحكام الأمر إلا أنها عكسها. فالأمر له صيغة، والنهي له صيغة. وصيغة الأمر "افعل"، وصيغة النهي "لا تفعل". ولا يشترط فيه إرادة النهي. والنهي يقتضي الفور، خلافًا للأمر في الأولى على الصحيح. والأمر يقتضي الإجزاء، والنهي يقتضي الفساد. واقتضاءه الفساد هو الحق، خلافًا لأبي حنيفة القائل: يقتضي الصحة. قال رحمه الله: والدليل على اقتضائه الفساد قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». والمنهي عنه ليس من أمرنا، فهو مردود. بهذا النص المتفق عليه. قال رحمه الله: وأشار في المراقي إلى اقتضائه الفساد على الصحيح، بقوله: وجاء في الصحيح للفاسد إن لم يجي الدليل للسداد. قال رحمه الله: قال مقيده عفى الله عنه: في اقتضاء النهي الفساد أقوال كثيرة عند أهل الأصول. ومدار تلك الأقوال على أن النهي إن كانت له جهة واحدة، كالشرك والزنا، اقتضى الفساد بلا خلاف. قال رحمه الله: وإن كان له جهتان، هو من إحداهما مأمور به، ومن الأخرى منهي عنه. وهم متفقون على أن جهة الأمر إن انفكت عن جهة النهي، لم يقتض الفساد. وإن لم تنفك عنه اقتضاه. قال رحمه الله: فالحنفي يقول: الصلاة بالحرير مأمور بها من جهة كونها صلاة، منهي عن لبس الحرير فيها. والصلاة في الأرض المغصوبة لا تنفك فيها الجهة؛ لأن نفس شغل أرض غير بفعل الصلاة حرام، فهي باطلة. قال رحمه الله: فالحاصل أو مراد العلامة الشنقيطي رحمه الله أنهم وإن اتفقوا في التقعيد، إلا أنهم ربما اختلفوا في التطبيق. واختلافهم في التطبيق لا ينقض اتفاقهم في التقعيد. هذا والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.