قصة المفاخر بأبائه

قصة المفاخر بأبائه

الدرس في قصة المفاخر بأبائه، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التفاخر بالأحساب والأنساب في الجاهلية

يروي النبي قصة رجلين انتسبا على عهد موسى، حيث افتخر أحدهما بآبائه بينما افتخر الآخر بالإسلام، مما يدل على خطورة التفاخر بالأحساب. هذا الفعل من عادات الجاهلية التي قد تبقى في الأمة.

خطورة الافتخار بالنسب والآباء الكافرين

يناقش المقطع خطورة التفاخر بالنسب والآباء ويحذر من الافتخار بالكافرين أو الفجرة، مشيراً إلى أن النسب الحقيقي هو النسب إلى الإسلام والتقوى.

الحكمة من وجود القبائل والشعوب

النص يحذر من التفاخر بالنسب والتعصب القبلي، ويبين أن الحكمة من وجود القبائل هي التعارف وصلة الرحم، وأن التكرم عند الله يكون بالأعمال الصالحة.

الدعاء والصلاة على النبي ختاماً

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله المستمعين ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: انتسب رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى انتسب أي كل يذكر من نسبه ومن ينتسب إليه. انتسب رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهما: أنا فلان ابن فلان ابن فلان، فمن أنت لا أم لك؟ تأمل يا عبد الله في هذا الانتساب الصادر من هذا الرجل، أنا ابن فلان ابن فلان ابن فلان، فمن أنت لا أم لك؟ يخاطب الثاني الذي بإزائه. فكان كل واحد منهما ينتسب إلى آبائه، فكان نبينا بحضرة هؤلاء، فإذ به صلوات ربي وسلام عليه يذكر لهؤلاء قصة، وهذا الذي يراد في هذا المقام أن نذكر قصة من قصص النبوة مما حكاه نبينا صلى الله عليه وسلم عن من كان قبلنا. فقال عليه الصلاة والسلام: انتسب رجلان على عهد موسى عليه السلام، فدل ذلك على أن هذه العادة المذمومة قد تتابعت عليها الأمم والأجيال، مسألة الفخر بالأحساب والأنساب والمفاخرة بالآباء والأجداد كان ذلك منذ القدم. فها هو نبينا يحكي عما كان قد جرى في زمن موسى، ما الذي جرى؟ انتسب رجلان، كل ينتسب إلى أصله وفصله، وهذا كذلك وقع في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام كما في هذه الواقعة، انتسب رجلان على عهد رسول الله. وستأتي الأجيال والأمم، وسيتوارثون مثل هذه الخصلة، فقصح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أربع من أمر الجاهلية في أمة لا يتركونهن، ومنها الفخر بالأنساب»، فنبينا أخبر أن هذه من العادات التي ستبقى في هذه الأمة، الفخر بالأحساب. تجد أن كثيرا من الناس لربما يبحث عن نسبه، أو لربما يذكروا من أجداده وآبائه، ليس فقط التعرف لهم أو المعرفة لهم، وإنما يريد بذلك أن يترف على غيره، أن يترف على غيره من المسلمين. قال عليه الصلاة والسلام: «انتسب رجلان على عهد موسى عليه السلام، فقال أحدهما: أنا فلان ابن فلان حتى عد تسعة، ثم قال: فمن أنت لا أم لك؟» انظر لهذه المفاخرة، عد تسعة من آبائه وأجداده، فلان وفلان وفلان وفلان وفلان، وكلها عظماء كما يظهر في انتسابه. عد تسعة من آبائه وأجداده، ثم قال لصاحبه: فمن أنت؟ يعني من تساوي؟ ما هو أصلك؟ ما هو نسبك؟ إذا هذه المفاخرة الذي سمعتها مني، قال: فمن أنت لا أم لك؟ فقال هذا الرجل، وكان الثاني رجلا حصيفا ذكيا فقيها تقيا كما يستشفى ذلك من جوابه، قال الآخر: فقال أحدهما: أنا فلان ابن فلان ابن الإسلام، ما افتخر بآبائه ولا افتخر بأجداده، وإنما افتخر بدينه. إذ أن الأول افتخر بتسعة من آبائه وأجداده، لو ربما كانوا من الكفرة، لو ربما كانوا فجرة، وهذا الظاهر، تسعة آباء وأجداد، كيف كانوا هؤلاء؟ هؤلاء من أهل الكفر، ومع ذلك تعظم بهم واستعل بهم على غيره، فينتسب بآبائه الكفرة وأجداده الفجرة. أما هذا لا، إنما كان نسبة لأهل الإسلام، أنا ابن فلان ابن الإسلام فقط، وما زاد، لأن زيادة عن هؤلاء سيدخله إلى آبائه الكفرة، وما أراد أن يفتخر بأحد كافر، ما أراد أن يفتخر بأحد من أهله من الكفرة، فانتسب ممن هو على الإسلام، أنا فلان ابن فلان ابن الإسلام. فماذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام؟ قال: «فأوحى الله إلى موسى عليه السلام أنقل لهذين المنتسبين، أما أنت أيها المنتمي أو المنتسب إلى تسعة في النار، فأنت عاشرهم»، أي المنتسب هذا، يا من انتسبت، انتسبت إلى من؟ إلى تسعة هم من نار، هم من أهل النار، وأنت عاشرهم، وأنت تلحق بهم، تلحق بهؤلاء الذين افتخرت بهم، هم على كفر وعلى ضلال وعلى الشرك، وتفتخر بهم، فأنت أهل لهم، فأنت تتبع لهم، تلحق بهم ولا كرامة. قال: «أنت عاشرهم»، ثم قال ربنا عز وجل: «وأما أنت أيها المنتسب إلى اثنين من الجنة، أنت ثالثهما في الجنة»، أنت ثالثهما في الجنة، وهذا إخوانا في الله، إن دل من فوائد هذا الحديث على خطورة باب المفاخرة، خطورة باب المفاخرة بالآباء والأجداد، وخاصة إن كانوا من الكفر والفجر. وهذا لا زال يوجد في مثل هذا الأزمان، على مستوى بعض البلدان، أنهم يبحثون عن حضارات حتى ينتمون إليها، فتجد هناك من يبحث تحت الركام، فينبش في الأمم الماضية، فيفتخر بماضي سحيق. ونحن نتبع الحضارة الفرعونية، حضارة فرعونية، وذاك يقول: نحن تحت نظام أو الحكم الآشوري، وذاك البربري، وذاك البابلي، أنظمة وحضارات إن دثرت كانت على كفر، محاها ربنا عز وجل من الأرض لكفرهم. ثم يأتي كثير من بعض المسلمين من ينتسب إلى هذه الحضارات البائدة التي أبادها الله على الكفر والشرك، ما ينبغي أبدا أن تنتسب بها، أولا وأن تفتخر بحجة أنها حضارة، حضارة كفر لا تنتسب إليها يا عبد الله، حضارة الفرعونية أو البابلية أو الآشورية، إلى غير ذلك مما نسمعه من هذه الصيحات التي تنادي باشتثاث الحضارات من الركام وبعثها إلى الوجود، هذا ما يجوز. وهكذا قل يا عبد الله: إن كان ذكرك للأصل والنسب والمفاخرة على الغير، تتعالى على عباد الله، قل: أنا فلان بن فلان من تلك القبيلة، وهذه القبيلة، ومن قبيلته. وللأسف وجد هذا، وجد هذا أن بعض من الناس يحاول أن يظهر نسبه وقبيلة أمام الآخرين، ليس من باب المعرفة، لا، إنما من باب أنه يترفع على غيره. فإذا جلسوا في مجلس ما، تذاكروا الأنساب، وأنت ما نسبك؟ فلان، الله المستعان، نسب وضيع، نسب متدني، فلا زالوا يعاملونه من أجل نسبه. وقد حذر نبينا صلوات ربي وسلام عليه من هذه النسبة الضالة، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء، فإنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي، الناس كلهم من بني آدم، والناس كلهم من بني آدم، وآدم من تراب»، هذه الحقيقة التي ينبغي أن يفقه هذا المتفاخر على أهله وعلى مجتمعه بأصله ونسبه. أن ما ردهم إلى التراب هذا أصلك، هذا فصلك، وربنا عز وجل نعم، جعل الخلق شعوبا وقبائل لعلة وحكمة، قال ربنا في كتابه: ﴿وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾، لأن تتفاخروا، لأن يفخر بعضكم على بعض، أو يحتقر بعضكم على بعض، ليس هذه الحكمة، إنما خلق ربنا الناس قبائل وشعوب وأمم وقرى، وبالذلك يحصل تعارف، والمصاهرة، والتزاوج، والتعامل، هذا الحكمة. وحكمة أخرى ذكرها نبينا بقوله عليه الصلاة والسلام: «اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم»، هذا مما يعين على صلة الرحم، أنت تعرف إلى أصلك، إلى فصلك، من هم من ذويك؟ من هم من قرابتك؟ من هم من عشيرتك؟ فتصل الرحم. أما أن تتخذ إخواني في الله هذه العادة شعارا للتصخط واحتقار المسلم لأخيه المسلم، هذه من كبائر الذنوب، بل عدها نبينا من أمور الجاهلية، من أمور الجاهلية. وإلا الأصل إخواني في الله، كون أن الرجل ينتسب إلى أهله، ينتسب إلى جده، ينتسب إلى قبيلة، هذا ليس فيه شيء، هذا ليس فيه شيء، تنتسب إلى بلدتك كما كان عليه الناس في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلان من فلان القرشي، أبو ذر الغفاري، محمد بن كعب القرضي، سلمان الفارسي، بلال الحبشي، هذا تعارف، هذا ليس فيه شيء. كون أن الرجل ينتسب إلى أهله، ينتسب إلى بلدته، فلان فلان الكسائي الكوفي، أبا عمر الشامي، هذه نسبة، كونك تنتسب إلى بلدة، تنتسب إلى قرية، تنتسب إلى أهل النسبة بحد ذاته لا غبار عليها، لا غبار عليها، لكن ما بعد ذلك؟ أن تجعل هذا الانتساب ذريعة إلى أن تترفى على الناس، ثم وتنزل من قدر خلائق على هذا الباب، لا، ما عندنا هناك أحد. إخواني في الله، ربنا عظمهم من أجل نشأته، ما عندنا هذا، ما عندنا هذا، الناس كلهم سواسية، لا فضل على عربي على أعجمي إلا بالتقوى. أما من زعم كحال بعض الأفكار الكافرة من يظلم نفسه أنهم من سلالة مقدسة، كأبناء ثارس، يظنون أنهم من سلالة مقدسة، وأن الدماء المقدسة تسري في عروقهم، هذا الضلال، ما أحد يقول بهذا. أو اليهود ممن يدعون بأنهم شعب الله المختار، وأنهم فعلوا لو فعلوا ما فعلوا، فإنهم هم شعب الله المختار، لا، هذا كذب، أو كذلك للأسف، بعض من ينتسب إلى بعض آل البيت، فيرى أن من شرف نسبه أنه لو فعل ما فعل فإنه سيدخل الجنة بنسبه، بشرفه، ليس بعمله، وهذا كذلك ضلال. قال عليه الصلاة والسلام: «يا فاطمة بنت محمد، إفعلي ما شئت، فإني لا أغني عنك من الله شيئا»، وفي الحديث: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه»، فالنسب لا يؤثر، ولا يقدم يا عبد الله، إنما التكرم عند الله جل وعلا بالأعمال الصالحة. فاحذر يا عبد الله أن تنتسب إلى آبائك وإلى قبيلتك وعاشيرتك، وتريد بذلك التألِّع على الآخرين، فإن هذا يجرُّك إلى سخط الله. واعتبر بهذا الرجل الذي انتسب إلى تسعة، فكان من أمرهم أنهم من أهل النار، وهو عاشرهم. وأما المسلم إن أراد أن يعتز بشيء، فليعتز بدينه، يقول: أنا مسلم، أنا عبد من عباد الله، أنا مؤمن، يفتخر بدينه، فنعم النسبة هذه النسبة. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.