التعليقات على كتاب الأدب المفرد 396

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 396، ألقاها

دعاء النبي عند النوم وشرحه

شرح دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عند النوم وتفاصيله اللغوية والفقهية. يبرز أهمية التوسل إلى الله بربوبيته وخلقه العظيم.

التوسل بأسماء الله الحسنى في الدعاء

شرح التوسل بأسماء الله الحسنى في الدعاء ومعاني هذه الأسماء مثل الأول والآخر والظاهر والباطن. يشير إلى أن كلام الله غير مخلوق وأنه صفة من صفاته.

معاني أسماء الله الحسنى وتطبيقها في الدعاء

شرح معاني أسماء الله الحسنى الأربعة وتطبيقها في الدعاء لقضاء الدين والغنى من الفقر. الدعاء يحوي على معان عظيمة لتقرب العبد إلى الله.

التوسل بقضاء الديون والغنى وختم الدعاء بالصلاة

التوسل إلى الله لقضاء الديون والغنى من الفقر، وختم الدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد" في باب ما يقول إذا أوى إلى فراشه: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو هيب قال: حدثنا سهيل عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا أوى إلى فراشه: «اللهم رب السماوات والأرض، ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر ذي شر أن تآخذ بناصيته». إيش عندكم؟ في النسخة الأخرى: "من شر ذي شر" أو "من شر كل ذي شر". وفي روايات أخرى برواية هذا الحديث، فيها ذكر "كل" "من شر ذي شر" "أن تآخذ بناصيته". «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين وأغنني من الفقر». هذا الحديث أورده الإمام البخاري رحمه الله في هذا الباب، باب ما يقول إذا أوى إلى فراشه. والحديث رواه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول إذا أوى إلى فراشه: «اللهم رب السماوات والأرض»، وفي رواية مسلم: "رب السماوات السبع والأرضين السبع، رب العرش العظيم" أو "رب العرش"، ورب كل شيء. فهذا الدعاء كان يدعو به النبي عليه الصلاة والسلام إذا أوى إلى فراشه: «اللهم رب السماوات السبع والأرض، ورب العرش». وهذه أعظم المخلوقات التي خلقها الله سبحانه وتعالى في هذا الكون: السماوات والأرض والعرش. فأنت بهذا الدعاء تتوسل إلى الله جل وعلا بربوبيته، وأن الله جل وعلا هو الرب الخالق المالك المدبر المتصرف في هذه المخلوقات، وأنه جل وعلا المتفرد بالربوبية، فلا رب سواه، ولا خالق غيره، الذي خلق هذه المخلوقات العظيمة وأوجدها. وهو كذلك رب كل شيء، فقوله: "ورب كل شيء" هذا تعميم بعد تخصيص. ومن عطف العام على الخاص، فالله عز وجل رب كل شيء. وهكذا من هذه الأشياء: السماوات والأرض والعرش، فذكروا هذه المخلوقات على جهة التخصيص يدل على عظمتها. ولهذا خصها الله عز وجل، وخصها النبي صلى الله عليه وسلم في الذكر في هذا الدعاء. ثم عمم بعد ذلك: "ورب كل شيء". فالله عز وجل هو رب كل الأشياء، هو ربها وخالقها ومدبرها والمتصرف فيها جل وعلا. قال: "ورب كل شيء فالق الحب والنوى"، أي المتفرد بذلك، بفلق الحب والنوى. فالق، الفلق بمعنى الشق. فالق الحب والنوى يعني مشققها، مشقق الحب فأخرج منها الزرع والنبات. وهكذا النوى كنوات التمرة، فالله عز وجل هو الذي فلقها وشقها وأخرج منها ماذا؟ النبات. فالق الحب والنوى، فهو المتفرد بذلك. ليس أحد من الخلق يستطيع أن يفلق الحبة وأن يخرج منها نباتا، ولا كذلك النوى. بل الذي تفرد بذلك هو الخالق سبحانه وتعالى. فالق الحب والنوى، الحب الذي تكون به الحبوب وتخرج منه الزروع، أو يخرج الحب من الزرع. والنوى تكون منه الأشجار، تكون منه الأشجار كالنخل وغيرها. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: "فالق الحب والنوى"، ذكر عليه الصلاة والسلام تفرد الله عز وجل بذلك، وعظيم قدرته لذلك؛ لأن في ذلك بيان لعظيم قدرة الله، وعظيم خلق الله جل وعلا. إذ أن الحب والنوى فيها معنى الجماد، فهي صلبة قوية. ومع ذلك فالله عز وجل يفلقها ويخرج منها الزرع والنبات الذي يحيا ويكبر، ثم يخرج منه الحبوب وتخرج منه الثمار التي ينتفع بها الخلق. وهذه آية عظيمة من آيات الله الدالة على عظيم قدرة الله جل وعلا. قال: "منزل التوراة والإنجيل والقرآن"، هذا أيضا توسل إلى الله جل وعلا بإنزاله لهذه الكتب السماوية التي أنزلها الله عز وجل على رسله وأنبيائه. وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم كما نرى على الترتيب نزولها: التوراة التي أنزلت على موسى، ثم الإنجيل الذي أنزل على عيسى، ثم القرآن الذي أنزل على نبينا خاتم الأنبياء والرسل محمد عليه الصلاة والسلام، وهو ناسخ لسائر الكتب المنزلة قبله. "منزل التوراة والإنجيل والقرآن"، وفيه أن هذه الكتب ليست مخلوقة، أن القرآن والتوراة والإنجيل ليست مخلوقة، وإنما هي من كلام الله جل وعلا، من كلام الله جل وعلا. لما ذكر السماوات والأرض، وكذلك أيضا ربوبيته على كل المخلوقات، لما ذكر التوراة والإنجيل والقرآن، قال: "منزل التوراة والإنجيل والقرآن"، ما قال: "والتوراة والإنجيل" أو "رب التوراة والإنجيل". لم يقل "رب التوراة والإنجيل"؛ لأنها ليست مخلوقة، وإنما هي من كلام الله جل وعلا. وكلام الله صفة من صفاته، وصفات الله غير مخلوقة، وصفات الله جل وعلا غير مخلوقة. قال: «أعوذ بك من شر ذي شر أن تآخذ بناصيته». هذه الأدعية التي تقدمت، والتوسل إلى الله جل وعلا بربوبيته وعظيم تفرده بالخلق والملك والتدبير، للاستعاذة به جل وعلا من شر كل ما فيه شر. «أعوذ بك» أي ألتجأ وأعتصم بك من شر كل ذي شر، أن تآخذ بناصيته. يعني أستعيذ بك وألتجأ إليك وأعتصم بك من شر كل مخلوق فيه شر مما خلقته، أن تآخذ بناصيته. الناصية مقدم الرأس، وهذا في أن سائر هذه المخلوقات التي خلقها الله جل وعلا، وإن كان فيها ما فيها من الشر، فهي من خلق الله، فهي من خلق الله والموجد لها هو الله، والمدبر لها هو الله سبحانه وتعالى. وفي بعض الروايات: "من شر كل دابة أن تآخذ بناصيتها". كل دابة دب على هذه الأرض، فأنت تستعيذ بالله جل وعلا من شرها، تستعيذ بالله من شرها؛ لأن خالقها وموجدها ومدبرها هو الله سبحانه وتعالى. فأنت تلتجئ إلى الله وتعتصم بالله أن يعيذك من شرها. قال: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء». هذا توسل آخر إلى الله جل وعلا بأسمائه وصفاته. ومعلوم أن التوسل إلى الله جل وعلا بأسمائه وصفاته من التوسل المشروع، بل هو من أعظم وأفضل أنواع التوسل. «ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها». الله عز وجل أمرنا أن ندعوه بأسمائه الحسنى التي هي في غاية الحسن والكمال. وفيه كذلك أيضا أن أسماء الله جل وعلا أسماء وصفات، كل اسم من أسماء لا متضمن لصفة من الصفات. فليست هي أسماء جامدة لا معاني لها ولا صفات لها، بل هي متضمنة للصفات. فالنبي عليه الصلاة والسلام هنا ذكر هذه الأسماء مع بيان معانيها وبيان ما اجتمعت عليه من الصفات. ولهذا فالمقرر عند أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات: أن أسماء الله جل وعلا متضمنة للصفات، وأنها أعلام وأوصاف، أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار دلالتها على الصفات. وكل اسم من أسماء الله متضمن لصفة من صفات الله. قال: «أنت الأول فليس قبلك شيء». هذه الصفات الأربع أو الأسماء الأربع: الأول والآخر والظاهر والباطن، ذكرها الله عز وجل في كتابه في أوائل سورة الحديد: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم﴾. وهنا ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الدعاء متوسلا إلى الله عز وجل بهذه الأسماء والصفات، وبيّن معاني هذه الأسماء. فقال: «أنت الأول فليس قبلك شيء». معنى الأول بيّنه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: "فليس قبلك شيء"، أي الذي ليس له ابتداء، أول بلا ابتداء، ليس قبله جل وعلا شيء من المخلوقات. فهو الأول سبحانه وتعالى. «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء»، أي أنت الذي لك الآخرية، فليس بعدك شيء، ليس بعدك شيء. فالله جل وعلا الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء. الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء، بخلاف غيره من المخلوقات. فما من شيء من المخلوقات إلا وقد سبقها قبل وجودها العدم، سبقها قبل وجودها العدم. وكذلك أيضا يلحقها الانتهاء والزوال، يلحقها الانتهاء والزوال. ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾. فالله عز وجل الأول الذي ليس قبله شيء، وكذلك هو الآخر الذي ليس بعده شيء. فهذان الإسمان يدلان على إحاطة الله جل وعلا الزمانية، إحاطة الله جل وعلا الزمانية القبلية والبعدية. «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء». الظاهر فليس فوقك شيء، الظاهر بمعنى المرتفع والعالي، فليس فوقك شيء، أي ليس هناك شيء من المخلوقات أعلى منك. فالله عز وجل هو الأعلى، له العلو المطلق سبحانه وتعالى، علو القهر وعلو الذات. كما قال الله جل وعلا في كتابه: ﴿وهو العلي العظيم﴾، وقال: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، وهو القاهر فوق عباده. فمعنى الظاهر: أي العالي الذي ليس فوقه شيء من المخلوقات. «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء»، وهذا فيه أيضا دليل من أدلة كثيرة متكاثرة في إثبات علو الله جل وعلا. قال: «وأنت الباطن فليس دونك شيء». أنت الباطن فليس دونك شيء، هذا فيه معنى القرب. فالله جل وعلا مع علوه وكذلك ارتفاعه عن مخلوقاته، فهو قريب منهم، أي مبصر لأعمال عباده ومطلع عليهم. كما قال الله جل وعلا: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾. «وأنت الباطن فليس دونك شيء»، وهذان الإسمان فيهما معنى الإحاطة المكانية، معنى الإحاطة المكانية. فاجتمعت هذه الأسماء الأربع على إحاطة الله جل وعلا الزمانية، وعلى إحاطته جل وعلا المكانية. قال: «اقض عني الدين وأغنني من الفقر». التوسل إلى الله جل وعلا بهذه الأسماء أن يقضي عنك دينك، وأن يغنيك من الفقر. «اقض عني الدين وأغنني من الفقر»، الدين الحقوق التي تكون للناس في ذمتك من أموال وغيرها، فأنت تتوسل إلى الله جل وعلا أن يقضي عنك هذا الدين، وهذه الحقوق التي للناس في ذمتك. وذلك لأن الدين ثقيل، ثقل على الإنسان، وسبب لإتعابه وحصول الهموم له، وخاصة عند النوم، يكثر التفكير في حقوق الناس. إذا جاء الإنسان ينام، فيتذكر هذا يطالبه وهذا يطالبه، هذا يريد مني وذاك يريد مني، فتنزل عليه الهموم، وربما ما استطاع أن ينام بسبب ما يطالبه به الناس من الديون. فلذلك كان من المناسب أن يدعو الله عز وجل بهذا الدعاء، ويتوسل إلى الله جل وعلا بربوبيته وبأسمائه وصفاته أن يقضي عنه دينه، أن يسر الله عز وجل له قضاء الدين، فلا يصبح إلا وقد يسر الله عز وجل له من الأسباب ما يسدد به دينه. «اقض عني الدين وأغنني من الفقر»، يعني من شدة الفقر وشدة الحاجة وشدة العوز، وإرادة دفع هذا الفقر، وأن يغنيك الله جل وعلا من فضله. فأنت تتوسل إلى الله جل وعلا بذلك أن يغنيك جل وعلا من الفقر. «وأغنني من الفقر»؛ لأن شدة الفقر كذلك أيضا توقع الإنسان في الهموم والغموم، وربما أيضا كانت سببا في ارتكابه للمحرمات بسبب إرادته للحصول على المال. فأنت تسأل الله جل وعلا أن يغنيك من الفقر، وأن يسد حاجتك، وأن يكف وجهك عن الناس، ويغنيك جل وعلا من فضله. فالفضل بيد الله، والأمور بيد الله سبحانه وتعالى. فأنت تتوسل إلى الله جل وعلا بهذا الدعاء أن يغنيك من فضله، وأن يقضي عنك دينك. فهذا الحديث وهذه الكلمات العظيمة كان النبي عليه الصلاة والسلام يقولها إذا أوى إلى فراشه. فما أحوج المسلم أن يحفظ هذه الكلمات، وأن يعتني بها، وأن يقولها عند نومه. ففيها كما سمعنا فوائد عظيمة، وتقرب إلى الله بربوبيته وبأسمائه وصفاته، وتستعيذ بالله من شر كل ما فيه شر. وهكذا أيضا أن تتوسل إلى الله جل وعلا بقضاء الديون، وأن يغنيك جل وعلا من الفقر. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على