كتاب البيع 14

الدرس في كتاب البيع 14، ألقاها

أحكام الصلح في الدين

يناقش هذا الفصل شروط الصلح في الدين وجواز إسقاط بعض الدين أو هبة جزء من الحق، مع توضيح الخلاف بين العلماء حول اشتراط وفاء الباقي. كما يشير إلى أهمية عدم وجود شروط تمنع صاحب الحق من الحصول على حقه كاملاً.

أحكام الصرف والتعامل بالعملات

يتناول هذا الفصل أحكام الصرف وجواز اقتضاء الذهب عن الورق والعكس إذا كان بسعر يومها وتقابض في المجلس، مع التركيز على مسائل الحوالات المالية وتحويل العملات وأهمية التقابض.

الصلح على مال مجهول المقدار

يشرح هذا الفصل حكم الصلح على مال مجهول المقدار، حيث يجوز الصلح إذا كان الطرفان صادقين، بينما يكون الصلح باطلاً إذا كان أحد الطرفين يعلم مقدار الحق ويكتمه.

ختام بالصلاة على النبي

يتضمن هذا الفصل الدعاء للنبي بالصلاة والسلام والبركة، وامتداد هذا الدعاء ليشمل آله وصحبه، مشيراً إلى أهمية الختام بالصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو محمد موفق الدين ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له، في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب البيع منه، قال: باب الصلح، والصلح مأخوذ من المصالحة، وهو أن يتنازل صاحب الحق عن شيء من حقه دفعًا للخصومات، وهو أمر مرغب فيه شرعًا؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿والصلح خير﴾، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾، فهو من الأمور المرغب فيها. قال رحمه الله تعالى: ومن أسقط بعض دينه أو وهب غريمه بعض العين التي له في يده جاز، ما لم يجعل وفاء الباقي شرطًا في الهبة والإبراء، أو يمنعه حقه إلا بذلك، أو يضع بعض المؤجل ليعجل له الباقي. هذه عدة مسائل ذكرها الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى وغفر له في هذا الباب. أولها قوله رحمه الله تعالى: ومن أسقط بعض دينه أو وهب غريمه بعض العين التي له في يده جاز. معنى هذا: لو أن رجلًا له حق على آخر، فلصاحب الحق أن يتنازل عن بعض حقه لذلك الغريم، أو أن يهب له بعض حقه، سواء كان ذلك الحق عينًا أو لم يكن عينًا. مثاله: كأن يكون لشخص ألف درهم على شخص، فيقول له: قد أسقط عنك مئتي درهم، هذا يجوز. أو يقول له: قد وهبت لك من هذه الألف مئتي درهم. بل لو قال له: قد وهبتك إياها بكاملها جاز، سواء أسقط بعض الحق أو أسقط كله. لكن مقصود هنا المصالحة، والمصالحة تكون بإسقاط بعض الحق، هذا جائز. قال رحمه الله تعالى: أو عين. ما معنى عين؟ كأن يكون له مثلًا سيارة، اشترى شخص من شخص سيارة، ما دفع له، لو كان عنده دراهم الأمر واضح، لكن لو كان عنده السيارة، أي السيارة الأخرى عند الطرف الثاني، فيقول له صاحب الحق: أشركتك في سيارتي بنسبة الثلث أو الربع، من باب الهبة والعطية، فله ذلك. قال رحمه الله تعالى: جاز، ما لم يجعل وفاء الباقي شرطًا في الهبة والإبراء، أو يمنعه حقه إلا بذلك. يعني أولًا يقول: ما لم يجعل وفاء الباقي شرطًا في الهبة والإبراء. هذه المسألة لها صورتان. الصورة الأولى: أن يقول من عليه الحق لصاحب الحق: لا أعطيك حقك أو لا أعترف لك بحق، حتى تسقط عني مثلًا الثلث أو النصف، وإلا فلا أعترف لك بحق. فمثل هذا الشرط لو حصل فإنه لا يصح ولا يجوز. واضح هذا. يعني الحق لزيد على عمر، فيقول عمر: أنا ما أعترف لك بحق إلا أن تسقط عني ثلث ما علي، وإلا فأنا أقول لك: ما لك علي من حق. فيقول الآخر: نعم، أسقط عنك الثلث أو النصف. فمثل هذا الإسقاط لا يكون معتبرًا؛ لماذا؟ لأنه من أكل أموال الناس بالباطل. الصورة الثانية في هذه المسألة: أن يقول من له الحق للآخر: أريد منك مالي وسأسقط عنك الثلث. أو يقول لهم: سأسقط عنك ثلث ما عليك، لكن تأتيني بمالي خلال هذين اليومين، ويكون الأجل قد حل. لكن الرجل يقول: أنا ما عندي. فيقول له: أسقط عنك نصف، سأسقط أو أسقط عنك نصف المال إن أتيتني بقية المال أو ما عليك خلال يومين. ما حكم هذا الشرط وهذا الوصف؟ واضح. صاحب الحق هو الذي يشترط، يقول للغريم: إن تأتني بمالي خلال هذين اليومين فثلثه لك هبة عطية أو تنازلت عنه. فما حكم هذا؟ هذا في خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى. فمنهم من يجيز، ومنهم من يمنع. من يمنع يقول: هذا فيه صورة من صور الربا، باعتبار أنه حصل بذلك شرط معنى العقد، كأنه اشترى الدراهم الأقل أو اشترى الدراهم الأكثر بالدراهم الأقل، لكن بأن يعجله ما عليه من الحق. قالوا: ففيه هذا المعنى. يعني كأن الصورة جعلوها: أنت عليك ألف درهم، يقول: لكن ائتني بثمانمائة درهم مقابل أنت أتيني بها سريعًا. فقالوا: هذا حقيقته بأنه اشترى ألف درهم بثمانمائة درهم، على أن يكون ماذا؟ على أن يكون عاجلًا. قالوا: هذا فيه معنى الربا. وهذا قول كما هو ظاهر فيه نظر. والصحيح الذي ذهب إليه جماعة من المحققين، كالعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى وغيره، ذهبوا إلى الجواز. قالوا: لأن الربا فيه إضرار بأحد الطرفين ونفع للآخر. قالوا: هذا المعنى ليس بموجود في هذه الصورة، بل في هذه الصورة فيه النفع لكلا الطرفين؛ لصاحب الحق بأن يتملك ماله، وللغريم بأن يسقط عنه بعض ما عليه، فيكون هناك مصلحة لكلا الطرفين. وما كان كذلك من البيوع، وليس فيه هضم ولا ظلم، بل حصل ذلك بطيبة من نفسه، أي عن تراض، فإن هذا جائز. وهذا هو الأظهر. وقوله رحمه الله تعالى: أو يمنعه حقه إلا بذلك. أي على ما تقدم في الصورة الأولى: لا أعترف لك بحق إلا أن تسقط عني الثلث أو أن تسقط عني النصف أو الربع أو ما شابه ذلك أن يشترط، فهذا لا يجوز. قال رحمه الله تعالى: أو يضع بعض المؤجل ليعجل له الباقي. هذه صورة كذلك من صور الصلح. رجل مثلًا باع لرجل ثلاجة أو سيارة بالأقساط أو إلى أجل، يقول له: سأشتري منك هذه السيارة مثلًا بألفين، بمليون يمني إلى بعد سنة. فيقول: نعم. فيأتي صاحب السيارة بعد شهرين أو ثلاثة، أي قبل حلول الأجل، فيقول له: يا فلان، هات تسعمائة ألف وبرئت ذمتك. أي لا أطلب منك إلا هذا المبلغ. أو يقول له: هات ثمانمائة ألف وسامحك الله فيما بقي. ما حكم المصالحة على هذه الصورة؟ واضح. الأجل بعيد، بقي خمسة أشهر أو ستة أشهر، الأجل. لكن صاحب الحق يقول: اعطني كذا وكذا من المبلغ وأسقط عنك الباقي، على أن تعجل. ما حكم هذا العقد؟ وما حكم التصالح على مثل هذه الصورة؟ هذه الصورة كذلك وقع فيها الخلاف كالخلاف في المسألة السابقة. فمنهم من منع، قال: لأن فيها كذلك معنى الربا، وفيها ريح الربا؛ إذ أنهم في حقيقة الأمر أسقط بعض ما له من الحق من الدراهم مقابل الأجل. قالوا: هذا وحقيقة الربا. وخالفهم غيرهم، فقالوا: ليس هذا فيه رائحة ربا لا من قريب ولا من بعيد، وإنما فيه كذلك تصالح ونفع لكل الطرفين، ونفع لكل الطرفين دون أي إضرار بأحد الطرفين. لماذا؟ لأن الزيادة إنما كانت في مقابل ماذا؟ في مقابل الأجل. فإذا أنقص الأجل وأنقص الثمن كان ذلك في مقابل ماذا؟ في مقابل الزيادة. كما لو أن صاحب الحق، أي إذا كان الغريم مثلًا بينهم سنة، لكن الغريم خلال ثلاثة أشهر دفع ما عليه. ما الحكم؟ ها هنا واضح. يعني معه سنة، لكن خلال ثلاثة أشهر تيسرت أموره ودفع ما له أو ما عليه من الحق. هل عليه شيء؟ الجواب: لا. فكذلك لو تعجل ووضع له. الجواب: لا. فكذلك لو تعجل ووضع له بعض الشيء كذلك، فليس فيه شيء. والأمر كذلك ها هنا. وهذه المسألة يسميها الفقهاء: تعجل وضع. وجاء في ذلك حديث يحسنه جماعة من أهل العلم، بمجموع طرقه. أي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تعجل وضع". ما معنى تعجل وضع؟ كما ذكر في هذه المسألة: رجل يكون له حق آجل، فيعجل الأجل مقابل وضع شيء من الحق. تعجل وضع، أي ضع شيئًا من حق الذي لك. قال رحمه الله تعالى: ويجوز اقتضاء الذهب عن الورق، والورق عن الذهب، إذا أخذها بسعر يومها وتقابض في المجلس. هذه أيضًا مسألة من المسائل. لو أن رجلًا مثلًا اقترض، استدان من رجل عشر الدنانير إلى بعد شهر أو بعد سنة. حل الأجل، فلما حل الأجل، الغريم عنده مثلًا مئة درهم، وهي تعدل عشر الدنانير في ذلك الوقت. هل يصح أن يقضي الدراهم بدلًا من الدنانير؟ يقول إمام ابن قدامة رحمه الله: ويجوز اقتضاء الذهب عن الورق، والورق عن الذهب، إذا أخذها بسعر يومها. بهذا القبيل: إذا أخذها بسعر يومها وتقابض في المجلس. إذا لابد من الشرطين: الشرط الأول أن يكون بسعر يومها؛ لماذا؟ بسعر يومها؛ لأنه يكون مثل ما أخذ من الدين، فليس فيه نقص لصاحب الحق. وأيضًا لابد أن يكون في المجلس؛ لأنه حصل به التقابض؛ لأن إعطاءه فضة مكان الذهب هو في الحقيقة داخل في الصرف. هو في الحقيقة داخل في ماذا؟ في الصرف. أي من بيع نوعين ونوعين من أنواع الربا. وكما مر معنا: أن الأنواع الربوية إذا بيعت، وكان من جنسين متقاربين كالذهب والفضة، فإنه لابد من ماذا؟ من التقابض. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فإذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد". فلابد من ماذا؟ من التقابض. والشيء بالشيء يذكر: لو أن إنسانًا مثلًا في هذه الأيام مثلًا كان له على إنسان ألفي أو ألف سعود مثلًا. فجاء الأجل وحل الأجل، فقال له من عليه الحق: كم سعر السعود اليوم؟ فقال له: قيمته مثلًا في أيام هذه بسبعة وخمسين ألفًا ومئتين تقريبًا. فقال له: نعم. فأعطاه هذا المال، أي بسبع وخمسين ألف ومئتين. هل يصح ذلك أم لا؟ الجواب: أنه يصح. لماذا؟ لأنه أعطاه قيمة ما أخذ منه، وحصل بينهما التقابض. طيب أيضًا من باب كذلك الشيء بشيء يذكر: من الأشياء التي ينبأ عليها في أبواب الصرف. كذلك ما يحصل عند أصحاب الحوالات. أصحاب الحوالات: ربا إنسان يرسل مثلًا بالعملة مثلًا السعودية إلى اليمن. أرسل له ألف سعودي. هل لصاحب العملة أن يعطيه مقابلها أن يعطي صاحب الحق لمن أحيل إليه أن يعطيه سبعة وخمسين ألفًا ومائتين؟ ما هو الجواب؟ الجواب: ليس له ذلك. لماذا؟ لأنه ليس له أن يحصل الصرف قبل التقابض؛ لأن الواجب عليه أن يعطيه ما حول له. فحول له دراهم، يعطى دراهم. ذهب يعطى ذهب. ثم بعد القبض له أن يبتاع بها ما شاء من العمل. أما أن يحول لها مباشرة صاحب الصرافة دون أن يحصل قبض منه، فيكون هذا داخلًا في بيع الشيء بجنسه دون أن يحصل منه التقابض؛ لأنه ما قبض صاحب الحق ما قبض. أرسلها زيد لعمر، أخذها علي، فصرفها وأعطاه لعمر. هل حصل تقابض؟ الجواب: لا. لكن لو صرفها عند عمر أو صرفها عند زيد، هذا يصح. هذا أشياء تقع دائمًا عند الصرافين، ولا سيما ممن لم يتعلم هذه الأحكام، ولا سيما في بعض العمل التي ليست متوفرة في اليمن، يعني كالعمل العمانية أو الكويتية أو ما شابه ذلك. في بعض المصارف لا يعطيه المبلغ في العمل الذي أرسلها المرسل إليه بعينها أو بنفس تلك العملة، بل يحولها إلى عملة أخرى. طيب بعض الناس يسأل: يقول: طيب ماذا نفعل إذا كان الناس إذا فعلنا هذا فعلوا هذا؟ إذا أرسلنا مثلًا بالعملة الكويتية أو العمانية، الصراف يصرف ولك بالعملة اليمنية. يعني سواء كان الصراف في عمان أو في الكويت أو كان الصراف في اليمن. يعني حينما حيثما حصل الصراف. فالجواب: أنه إذا كان يعلم أنهم يتعاملون بمثل هذه المعاملة، فإنه يجب عليه أن يصرف المال إلى عملة يحصل القبض بمثلها في البلدة الأخرى. مثلًا في الكويت، يقول له: يصرفها بالدولار. إذا صرفها له بالدولار، يرسلها بماذا؟ بالدولار الأمريكي. إذا وصلت إلى اليمن، هل يحولها إلى اليمن أو يسلموها بالدولار؟ اليمن بالدولار. فمثل هذا لا بأس. أي تحصل الصرافة بين المحول قبل أن يحولها. يعني الآن زيد عنده مثلًا مئة دينار كويتي، أراد أن يرسلها إلى اليمن. يعلم أنه إذا أرسلها إلى اليمن سيعطونه باليمن، سواء كانت الحوالة اليمنية يصرفونها أو أن الدولة الكويتية لا تخرج العملة الكويتية مباشرة، ترسلها إلى بالعملة اليمنية وتحفظ العملة الكويتية. مثلًا إذا كان يعلم هذا، فأول شيء يقول لهم: اصرفوا لي يعني المحول يذهب للصراف، يقول له: اصرف لي هذه المئة دينار بالدولار. فيقول له: نعم. المئة دينار بالدولار يوم مثلًا بألف دولار. يقول له: خذ. اصرفها بعد أن يقبضها، يقبض الألف دولار، يقول: حول لي هذه إلى اليمن. بعد أن يحولها سيستلمها في اليمن بأي عملة؟ بالدولار. هذا جائز. هذا جائز. لكن لو أنه مثلًا قال له: ما نحول لك إلا بالعملة الموجودة. طيب هناك تستلموه بعملة أخرى. يقولون: هذا تعاملنا. ذهب إلى الصراف الثاني، إلى البنك الثالث، إلى البنك الرابع. ما هناك إلا هذه المعاملات. فماذا يصنع؟ واضح. وحتى يحتاج مثلًا عنده أسرة تحتاج إلى نفقة، أو صاحب دين قد حل أجله يريد ماله، أو ما شابه ذلك. فالحاصل: أنه إذا ما استطاع إيصال المال إلا بذلك يفعل. والإثم على من منعه. والإثم على من منعه من تحويل ذلك المال بما يريده من العملة. قال رحمه الله تعالى: ومن كان له على غيره حق لا يعلمه المدعى عليه، فصالحه على شيء جاز. يقول: هذه المسألة أيضًا من المسائل. ومن كان له على غيره حق لا يعلمه المدعى عليه. يعني صورتها: شخص يقول لشخص: يا أخي عليك أو لين عليك ألف دينار أو ألف درهم. يقول مدعى عليه: أنا ما أذكر. أنا ما أذكر. هذا يقول: بلى. يقول: ما أذكر. هذا ما أعلم. فماذا يقول؟ فصالحه على شيء جاز. ما معنى صالحه؟ يقول: أنا ما أذكر، لكن هي في ذمتك. بعض الناس هكذا يقول. يقول: عنده وراء. يقول: أنا ما أذكر أني أخذت منك مالًا. يقول: بلى أعطيتك. ويخصم يمين. أعطيتك وكذا في المكان الفلاني يوم الفلاني. ويذكره الرجل ناسي ما يذكر شيئًا. يقول: ما أذكر. فيقول: على العموم، أنا دفعت لك مثلًا أذنتك ألف درهم. فكما ذكر رحمه الله تعالى: فصالحه على كل شيء جاز. أي الطرف الآخر يصالح على كل شيء، إما على المال كله أو على إسقاط البعض أو على أي شيء اتفقا عليه. إذا حصل الاتفاق جاز. واضحة. لماذا يحصل الصلح؟ بعضهم يتورع اليمين. يقول: لو أحلف أني ما أعطيتك شيئًا من المال. يقول: أنا ما أذكر. كيف أحلف لك؟ يقول: إذن عليك كذا وكذا. فبعضهم كما يقول افتداء ليمينه، يقول: إذن إذا كنت متيقنًا عليك باليمين. الطرف الثاني يعني يطلب الماذا من المدعي اليمين. فإذا أقسم قال له: إذن سأعطيك مالك. من باب ماذا؟ المصالحة. وإلا لو جاء مثلًا ترافع عند حاكم، الحاكم ماذا عليه؟ يقول المدعي: بيينته. إذا كان المدعي ما عنده بيينة سيرجع إلى من على المنكر، يقول: يمين على المنكر. المنكر يقول: أنا منكر. لا؛ لأني جازم بأنه ما أعطاني، لكن أقول: ما أذكر. كيف أحلف على يمين؟ فمثل هذا على من يكون الأمر؟ ذهب أو أفتى بعض الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في مثل هذه المسألة: أن اليمين ترجع إلى من؟ إلى المدعي. اليمين ترجع على من؟ على المدعي. وقال له: هات اقسم يمينًا بأن لك حقًا على فلان قيمة كذا وكذا. فإذا أعطى اليمين استحق الحق. واضح. ويكون هذا سواء استحق الحق وطلب الحق بكامله أو تصالح على أي شيء تصالح عليه. قال: فإن كان أحدهما يعلم كذب نفسه. طيب والصورة الأولى. يعني الصورة التي ذكرناها أخيرًا هي قد تكون محاكمة، ويكون فيها حق، ليس فيها إصلاح. واضح. لو ترافع الحاكم وأقسم المدعي بعد أن أنكر المدعى عليه وما أتى بيمين. سيكون هنا إثبات حق. ما هناك تصالح. فأين التصالح؟ قد يقول: قال: أين التصالح ومتى يتصور التصالح؟ قالوا: تصور التصالح في حالة وفي صورة. ما هي الصورة؟ أن يقول المدعي: يا فلان، لك أو يا فلان، لي عليك حق. فيقول مدعى: نعم. كم مقداره؟ يقول: ما أذكر. يقول: وأنا كذلك لا أذكر. واضح. هذا يدعي أن له حقًا على الآخر، والآخر يقول: نعم. يقر بأن له حق، لكن ما هو مقداره؟ يقول: لا أدري. والآخر يقول: لا أدري. لا أذكر. لا أذكر. فها هنا ماذا يصنع؟ يقول إمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: في مثل هذه الحالة يتصالح على أي شيء، على أي شيء. والعلماء رحمه الله تعالى في مثل هذه الحالة يقولون: يقدر ما هو الشيء الذي استدان؟ لماذا استدنت؟ يعني مثلًا استدان في بناء بيت. سيكون مبلغ ماذا؟ كبيرًا. استدان في علاج مرض صغير. سيكون مبلغًا صغيرًا. وهكذا يقدر. فإن عجزا تمامًا ما يذكر لأي شيء حصل الدين، يستريحا على أي شيء. وعلى كل شيء. ما معنى على كل شيء؟ أي قد يسقط ماذا؟ الحق بكامله. يقول: سامحك الله. واضح. أو يقول: هات كذا وكذا. والآخر يقول: قبلت. أو أحد ما يقول على آخر: هات ما يعني صاحب الحق مثلًا يقول: اعطني ما يسر الله. وسامحك الله. أو الغريم يقول لصاحب الحق: احكم علي بما شئت وأنا قابل. اصطلاحًا حصل بينهم. اصطلاح يعني مصالحة. فبأي شيء حصلت المصالحة صح وجاز. قال رحمه الله تعالى: فإن كان أحدهما يعلم كذب نفسه، فالصلح باطل في حقه. يعني لو أن أحد الغريم، أحد الخصمين أو أحد الشخصين يعلم أن إما صاحب الحق يعلم أن له على فلان مبلغًا معينًا، أو أن الغريم يعلم أن عليه لفلان مبلغًا معينًا. ومع هذا يقول: ما أدري. ينكر حتى حصل الصلح. مثلًا يعلم أن عليه ألف درهم، فيقول: ما أذكر. فيصطلحان على خمسمائة درهم. فما حكمه هذا الصلح؟ الصلح هنا ماذا؟ باطل. وتبقى الدراهم في عنق من كان عالما بها. باعتبار من له الحق يقول: أنا ما أذكر. وهذا يقول: أنا ما أذكر. وفي نفسي يذكر أنه كم له مئة دينار مثلًا. فيقول: إذن سأحكم عليك. الطرف الآخر. أو يقول: سأعطيك مئتي دينار. وهو يعلم أن له كم؟ مئة دينار. يقول الأخرى: هذه حرام. لا يجوز له أخذها. والآخر لو قال: ما أعلم. وهو يعلم أن له ألف درهم. فاصطلح على خمسمائة درهم. الخمسمائة درهم تبقى كذلك في ماذا؟ في عنقه. فيقود الصلح عند عدم المعرفة، عند عدم المعرفة. وأما إذا عرف أحدهما وعلم وكتم، فإنه يكون آثمًا بذلك الكتمان. ولا يصح في مثله الصلح. بل تبقى، يبقى الحق لذي الحق في عنقه من علم وأنكر أو من علم وأخفى. قال رحمه الله تعالى: ومن كان له حق على رجل لا يعلمان قدره. هذه الصورة ذكرناها الآن. قال: فاصطلحا عليه جاز. ومن كان له حق على رجل لا يعلمان الدائن والمدين لا يعلمان قدره. قال: فاصطلحا، فاصطلحا عليه جازًا. أي إذا تصالحا وحصل بينهم اتفاق، فرضي بذلك الصلح جاز. وهذا يحصل، ولا سيما إذا لم يكن ذلك الحق مكتوبًا أو عليه شهود، وكان قديمًا. فمثل هذا يصطلحا. وما تصالحا عليه واتفقا عليه، فإنه يكون ماضيًا وجائزًا؛ إذ كلا الطرفين مصدقين للآخر. كلا الطرفين مصدقين للآخر. فالمدعي يقول: عليك مال لي. فيقول: نعم. المدعى عليه. كم مقداره؟ يقول: الله أعلم. يقول: أنا كذلك الله أعلم. لا أدري. فكما سمعتم يقول: أحد من الآخر: إذن هات ما طابت به نفسك. وسامحك الله. فيقول الآخر: لا. أنت أحكم علي بما طابت به نفسك وأنا موافق عليه. فما حصل من اتفاق بينهما، وصلح عليه بينهما، فإنه يكون جائزًا. ولا سيما مع جهل مقدار ذلك الحق. والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على