الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 88، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ باب إرادة الدنيا بالعمل الصالح مبيناً أنه نوع من الشرك الأصغر يختلف عن الرياء، فالمرائي يقصد المدح بينما صاحب إرادة الدنيا يقصد المال أو الجاه. ويستدل بقوله تعالى ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ موضحاً أنها نزلت في الكفار الذين عجلت لهم طيباتهم وحبط عملهم في الآخرة.
يفسر المقطع حديث «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه» ذاكراً صفات المجاهد المتواضع الذي يرضى بأي موقع في الجيش، ثم ينتقل لبدء شرح حديث «تعس عبد الدينار» مبيناً أن تعلق القلب بالدنيا والعمل لها يوقع في الشرك الأصغر.
يفصل المقطع في شرح حديث «تعس عبد الدينار والدرهم» مبيناً معاني «تعس» من الإخبار بالشقاء أو الدعاء، ووجهين لقوله «إن أعطي رضي» القدري والشرعي، ويوضح دلالة «تعس وانتكس» و«إذا شيك فلن تنقش» على تعسر أمور المتعلق بالدنيا.
يبين المقطع أحكام النية في طلب العلم والوظائف وكيفية الجمع بين نية الآخرة ومصالح الدنيا المباحة، ويختتم بالثناء على المجاهد المتحلي بالصفات المذكورة مع التأكيد على الاكتفاء بهذا القدر والتوكل على الله.
الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال الشيخ العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: "باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا". وقوله: "من الشرك" يعني من بعض الشرك، من هنا تبعيضية. وإرادة الإنسان بعمله الدنيا يعني يعمل عمل الآخرة ويريد به الدنيا. فالدنيا هنا عام، فيشمل المال والرتبة والصحة ونحو ذلك مما له تعلق بالدنيا. وقد يقول قائل: هذا تكرار من شيخ الإسلام، فقد ذكر في الباب الذي قبل هذا الرياء وما جاء فيه، وهنا ذكر إرادة الإنسان بعمله الدنيا. والجواب: أن هذا ليس من التكرار، فهذا باب مستقل، فهو يريد بهذا الباب الدنيا. والفرق بين هذا وبين الرياء: أن المرائي يتطلع إلى مدح الناس له، وأما من عمل عملًا وأراد به الدنيا فهو لا يتطلع إلى مدح الناس له، وإنما يريد شيئًا من الدنيا. فهناك فرق، يمكن أن نقول: أن المرائي ما يخلص في عمله، وإرادة الإنسان بعمله الدنيا قد يكون فيه شيء من الإخلاص، بمعنى أنه ما يعمل العمل للناس، ما يعمل العمل للناس، وإن كان فيه شيء من الشرك؛ إذ أن هذا العمل ليس خالصًا لله، لكن ليس هذا العمل لبشر، وإنما لدنيا، وإنما لدنيا. فنعم، ذاك من الشرك، وهذا من الشرك، لكن قال العلماء: الرياء أعظم، الرياء أعظم. لماذا؟ كما جاء في الحديث المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم سماه ماذا؟ سماه الشرك الخفي. فإذن هذا هو الفرق بين البابين: ذاك الباب يتعلق بالرياء، وهذا الباب يتعلق بإرادة الإنسان بعمله الدنيا. ويراد بالدنيا المال أو الرتبة أو الصحة. ما هو مثال المال؟ إنسان يؤذن من أجل المال، فهذا نقص من إخلاصه. إنسان مثلًا يتقاضى مالًا على قربة وعبادة من أجل هذا المال، فإنه مستمر، فإذا انقطع المال أو نقص استبرم وترك، فكأنه لا يعمل هذه العبادة إلا من أجل المال. وهناك فرق بين إنسان لا يشترط ولا يعلق العبادة بالمال، وفرق بين شخص يعلق العبادة بالمال. مثلًا: إنسان يدرس أو إمام ويعطى له راتب، هذا لا بأس، ويجاهد نفسه على الإخلاص، ولا يشترط عليهم: إن أعطوه قام بهذه العبادة، وإن لم يعطوه ترك هذه العبادة، لا، وإنما هذا كالجعل. وإنما المراد أن يكون همه في هذه العبادة المال لا غير، همه المال لا غير، فهذا هو المراد. الرتبة: مثلًا يدرس ويتبوأ أعلى رتب الشهادات من أجل أن يرتفع ذكره، وأن يصل إلى مرتبة عالية من رتب هذه الدنيا. ومثله الصحة: يصوم من أجل أن يصح وتذهب منه الأمراض، أو كذلك يبتعد عن الخمر لا عبادة وإنما خوف المرض، خوف المرض أو نحو ذلك، فهذا يدخل في هذا الباب، يدخل في هذا الباب. ومن ذلك أيضًا: أن يعمل الطاعة أو أن يحسن إلى الناس من أجل أن يحبوه، لا طاعة وقربًا إلى الله، يقول: الناس مجبولون على محبة من أحسن إليهم، فهو يحسن إلى الناس من أجل أن يحبوه، ومن أجل أن يعني يرفعوه أو نحو ذلك، فهذا أراد بعمله الدنيا. فالدنيا هنا يشمل المال والرتبة والصحة ونحو ذلك. ولذلك استدل بهذه الآيات، منها قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 15-16]. قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يعني البقاء في الدنيا. ﴿وَزِينَتَهَا﴾ وزينة الدنيا هي الأموال وما ذكر في سورة آل عمران: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۚ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14]. فمن أراد الدنيا لعمله، قال الله عز وجل: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾، والمعنى: يعطون ما يريدون في الدنيا، الذي همه الدنيا يعطى ما يريد في الدنيا، لكن ليس له في الآخرة حظ ولا أجر. وذلك قال: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾، والبخس هو النقص، يعني ما ننقصهم مما يريدون من الدنيا شيئًا. ولذلك توعدهم الله عز وجل بهذا الوعيد، وهذا حال الكفار. ولذلك الصحيح أن الآية نزلت في الكفار، نزلت في الكفار للوعيد الذي جاء فيها. فالكفار قد عجلت لهم طيباتهم، عجلت لهم طيباتهم في هذه الدنيا، في هذه الدنيا، فهم يأكلون ويشربون ويتمتعون كما تتمتع البهائم. ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ يعني جزاؤهم في الآخرة النار لأنهم أخذوا نصيبهم من التمتع في الدنيا. ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾، الحبوط هو الزوال، يعني زال عنهم ما كانوا يتمتعون به في الدنيا. وهذا كقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾ [الأحقاف: 20]، يعني ذهبت ما كنتم تتمتعون به، أو ذهب ما كنتم تتمتعون به في هذه الدنيا. ﴿وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني بطل عملهم، بطل عملهم، فلم يجازوا على شيء من أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا، لماذا؟ لأنهم كفروا بالله. ووجه الشاهد من هذه الآية: قوله ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾، أي أنهم أشركوا بالله عز وجل لتعلقهم بهذه الدنيا وإرادتهم بهذه الدنيا، ﴿أَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾. وهذه الآية قال العلماء: هي مخصوصة بآية الإسراء، لأنه ظاهر هذه الآية أن الله عز وجل يعطي الكافر ما يشاء، صح، يعطي الكافر ما يشاء من هذه الدنيا، لأنه قال: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾، يعني لا ينقصون منها شيئًا. فظاهر هذه الآية وعموم هذه الآية يفيد أن الله عز وجل يعطي الكفار ما أرادوا. ولكن العلماء قالوا: وهذه الآية عامة خُصصت بآية الإسراء. ما هي آية الإسراء؟ قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّريدُ﴾ [الإسراء: 18]، يعني ليس كل من أراد العاجلة يعطى منها ما يريد، وإنما الله عز وجل يعطي بعضهم ويمنع بعضهم، وهذا هو واقع الكفار. فهل يا أبا طاهر من الكفار ما هو أشد فقرًا من المسلمين؟ هل يوجد من الكفار فقراء ما عندهم من الدنيا؟ من الكفار هل يوجد هذا؟ يعني كافر وهو فقير، كافر وهو فقير، فقير، إذن هو كافر وما أعطي من الدنيا ما يريد، واضح هذا الآن؟ فالواقع يدل على آية الإسراء: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّريدُ﴾. فهمنا هذا الآن. فإذن هذه الآية آية هود ليست على عمومها، بل مخصوصة بآية ماذا؟ بآية الإسراء، بآية الإسراء. قال في الصحيح، الصحيح هو صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعطَ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلن تُنقش. طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، طوبى لعبد آخذ... صفة لعبد، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشفع». ومعنى هذا الحديث: قوله «تعس عبد الدينار»، معنى «تعس»: خاب وهلك. «تعس» يعني قال العلماء: يحتمل أن تكون هذه العبارة خبرية أو دعائية. ومعنى خبرية: يعني يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عبد الدينار في تعاسة، إخبار منه عليه الصلاة والسلام. ويحتمل أن تكون هذه الجملة دعائية، وإن كان لفظها لفظ الخبر، والمعنى: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الدينار بالتعاسة. يحتمل هذا ويحتمل هذا، وكل الاحتمالين واردان، وكل الاحتمالين واردان، فيحتمل أنها دعائية، ويحتمل أنها خبرية. وقلنا: «تعس» معناه خاب وهلك. وعبد الدينار هنا سُمِّي عبدًا للدينار لأنه تعلق بالدينار، لأنه تعلق به الدينار، فتعلق بالدينار كتعلق العبد بالرب، فكان هذا الدينار أكبر همه، فقدمه على طاعة ربه، فكأنه عبد هذا الدينار. والدينار كانت العرب تستخدمه وهو المراد به الذهب، والدينار ما يقابل الذهب، والدراهم ما تقابل الفضة، فكانت عملتهم كعملتنا الورقية في هذا الزمان. والمعنى: تعس من تعلق بالدينار والدرهم، أي بالدنيا، فصارت أكبر همه، فهي كالرب له يعبدها ويخضع لها ويذل لها. هذا هذا هو المراد: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم»، وهذا تعلق العبد بالمال، تعلق العبد بالمال. وقوله: «تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة»، وهذه العبارة معناها: تعلق هذا الشخص بمظهره وأثاثه، بمظهره وأثاثه. لأن الخميصة هي كساء جميل، الكساء الجميل يسمى خميصة، يسمى خميصة. وهذا يدل على أنه يعتني بمظهره، يلبس فاخر الثياب، وكذلك يلبس أغلى الثياب، فهو يعتني بمظهره أكثر من مقبره. والخميصة أو الخميلة: فراش كذلك ثمين وفراش أنيق. فهذا فيه أنه يعتني بمظهره وأثاثه، وهذا حال كثير من الناس، همه غرفة النوم وما يخرش عليها، وكل يوم وهو على الموضات وعالم الكساء وعالم كذلك الغرف ونحو ذلك، فهو يتعلق بهذه الأشياء، فـ «تعس عبد الخميصة، وتعس عبد الخميلة». وقوله: «إن أعطي رضي، وإن لم يعطَ سخط». قيل في العطاء هنا: أنه من الله، أنه من الله، يعني إن أعطاه الله مالًا عبد الله وتقرب إليه فرضي عن ربه، وإن لم يعطَ مالًا سخط، فترك طاعة الله، فترك طاعة الله وترك عبادة الله. هذا احتمال: سيكون العطاء هنا عطاء قدري، سيكون العطاء هنا عطاء ماذا؟ قدري، يعني قدر الله له مالًا فصار غنيًا، عبد الله ورضي عن الله، وان... وان قتر عليه ولم يعطيه مالًا سخط على ربه. هذا العطاء يسمى عطاء ماذا؟ قدري. وقد يكون العطاء شرعيًا. كيف العطاء شرعيًا؟ يعني إن أعطي من الزكوات والصدقات رضي، وعطاء الزكوات والصدقات عطاء شرعي، لأن الله عز وجل شرع ذلك أن يعطى للفقراء والمحتاجين، صح؟ فهذا إن أعطي رضي وصار ما شاء الله من أهل الاستقامة، وإن منع ولم يعطَ سخط على دينه، فانتكس وابتعد. فهذا هو المراد: «إن أعطي رضي، وإن لم يعطَ سخط، وإن لم يعطَ سخط». ثم قال: «تعس وانتكس»، هذا تأكيد. «تعس» وأما «انتكس» يعني انتكست عليه الأمور بحيث لا تتيسر له، بحيث لا تتيسر له، أي أنه يريد العمل فينقلب عليه، ما يتيسر له قضاء هذا العمل، ولا المضيف هذا العمل، ينتكس عليه هذا الأمر فلا يتيسر له. وكما تقدم: هذا يحتمل أنها خبرية، وأنها دعائية، فيكون المعنى: «وانتكس» يعني يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من تعلق بالدنيا، من تعلق بالدنيا، فإنه لا يحقق مراده وتنقلب عليه الأمور، هذا إخبار، وقد يكون دعاء، أي أنه دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تتيسر له أموره، أموره. وأما قوله: «وإذا شيك فلن تُنقش»، «شيك» أي: أصيب بشوكة في رجله أو في يده أو نحو ذلك، «فلن تُنقش» يعني ما أخرجت منه هذه الشوكة، بقيت فيه يتألم منها، يتألم منها. وهذا أيضًا قد يكون خبر، وقد يكون دعاء، أي أن من عبد الدنيا إذا شيك بشوكة لا تخرج منه هذه الشوكة، لا تنتقش، يعني لا تخرج، من يحاول إخراجها ما يستطيع. ويحتمل أنه دعاء من النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال: «طوبى لعبد»، وطوبى قيل بمعنى: أنه أطيب الرجال أو أطيب الناس من هذا وصفه، وقيل: طوبى هي شجرة في الجنة، وكل المعنيين صحيح. «لعبد آخذ بعنان فرسه» يعني آخذ بخطام فرسه يجاهد في سبيل الله. «أشعث رأسه» يعني لانشغاله بالجهاد ما وجد ما يسكن به شعره أو يسرح به شعره، فشعره أشعث، بمعنى غير متمشط، غير متمشط، ما ما يمشطه لانشغاله بالجهاد. «مغبرة قدماه» يعني للكر والفر وأمور الجهاد. «إن كان في الحراسة كان في الحراسة» يعني إن قيل له: أنت في الحراسة، ليس في المقدمة، وليس كذلك مع المقاتلة، إنما أنت في الحراسة، ما يعترض، والمعنى أنه يقبل أي موضع يوضع فيه لتواضعه. هذا قول. وقول آخر: أنه «إن كان في الحراسة كان في الحراسة» يعني أنه يقوم بأي عمل وكل به أتم قيام، أتم قيام. إن جعل في الحراسة قام بها حق قيام، وإن جعل في الساقة، ومعنى الساقة: «وإن كان في الساقة كان في الساقة» يعني في مؤخرة الجيش، الساقة هم الذين يسوقون الجيش، بمعنى يكونون في مؤخرة الجيش، وهذا لهم مهم، وهي إذا سقط على الجيش شيء أخذوه، وإذا عجز أحد أفراد الجيش عن المشي أعانوه، وهكذا يكونون في آخر الجيش، يسمون الساقة. فقيل: إما أنه متواضع في أي مكان يقبل، وقيل: أنه بمعنى يقوم بعمله أتم قيام. قيل هذا وقيل هذا. ثم ذكر من وصفه: «إن استأذن لم يؤذن له»، بمعنى أنه ما هو ذو جاه وذو منزل عند الناس، إنما هو مقبول عند الله، وكذلك معروف عند الله، وأما الناس ما يعرفونه، فلذلك «إن استأذن لم يؤذن له» لأنه لا يعرف. «وإن شفع لم يُشفع» يعني إن توسط لأحد الناس ما تقبل شفاعته، لأنه غير معروف، ما هو ذو جاه وذو سلطان وذو يعني مكانه وذو في الناس، إنما هو مغمور، متواضع، متواضع. الشاهد من هذا الحديث: «تعس عبد الدينار»، بمعنى: الذي تعلق بالدنيا، الذي تعلق بالدنيا، هذا في من تعلق بالدنيا وإن لم يعمل قربة وطاعة، فكيف بالذي يعمل القربة بغرض الدينار والدرهم؟ فهذا أعظم. هكذا قال العلماء: فهذا أعظم، الذي يأكل بدينه الدنيا، فهو يتقرب إلى الله من أجل الدرهم والدينار، ومن أجل الخميصة والخميلة ونحو ذلك. قال: فيه مسائل: الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة، وهذا كما تقدم قد يكون من الشرك. هنا مسألة قد تشكل على البعض: وهي الإنسان قد مثلًا يدرس في جامعة أو في كلية بغرض الشهادة من أجل الدنيا، فهل يدخل في هذا إرادة هذا العمل الدنيا؟ قال العلماء: نعم، يدخل في هذا، إن لم يكن مقصده شرعيًا، إن لم يكن مقصده شرعيًا. فلذلك ينبغي لمن دخل في مثل هذه المدارس أن تكون نيته حسنة، وأن يكون مقصده شرعيًا. كيف يكون مقصده شرعيًا؟ أنه ينوي بدراسته في هذا أن ينفع الناس، أن ينفع الناس، لأن المراكز والوظائف لا تنال إلا بالدخول في مثل هذه الجامعات أو مثل هذه الكليات، فلو تركها أهل الخير وأهل الصلاح وأهل الدين وأهل الإسلام، من سيقوم بهذه الوظائف؟ ها؟ فمن نوى هذه النية فيرجى أنه يخرج من إرادة الإنسان بعمله الدنيا، لأن نيته هذا. وكذلك يريد من الدخول في هذه المدارس العلم، فلعل هذا العلم ما يناله إلا بالدخول في هذه المدارس، مثل الآن الكتابة والقراءة، ها، ربما في بعض البلاد لا توجد مراكز علم ولا يوجد يعني أحد يعلمك إلا هذه المدارس، فأنت تدخل أولادك أو يدرس الولد من أجل أن يتعلم، ثم ما جاء بعد ذلك من أمور الدنيا فهذا تبع، ولا بأس به، ولا بأس به. هذا أيضًا أمر آخر. وأيضًا ينوي بدخوله في هذا الآخرة وشيء من الدنيا، فهو يريد الحسنيين، وقد قال الله عز وجل في الحج: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198]، وهو في الحج، يعني أن تبيعوا وتشتروا وتتاجروا وأنتم تذهبون إلى الحج، صح؟ فضل، وأنتم تذهبون إلى الحج وهي عبادة عظيمة، لكن اجعل الأصل هذه العبادة، ثم أنت يسر لك بيع وشراء أو شيء من الدنيا، فلا بأس به، ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾. فأنت كذلك تنوي بهذا أولاً الآخرة، وتنوي بذلك نفع نفسك ونفع الناس، ثم إن حصل لك شيء من أمور الدنيا فهذا لا بأس به، واضح. قال: الثاني: تفسير آية هود: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾، قال الله عز وجل: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾. قال: الثالث: تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة، وعرفنا لماذا سُمِّي عبد الدينار: أي أنه قدمه... الصلاة قام وهو لا يزال في بيعه وشراه، هذا عبد الدنيا، يتعامل بالربا والسرقة والغش، ينصح على فائدة، هذا عبد الدنيا، عبد الدينار والدرهم. ولكن هل يكفر؟ لا، لا، لا يكفر، وإنما يشرك بالله شركًا أصغر، إلا إذا دفعته هذه الدنيا لارتكاب مكفر من المكفرات كترك الصلاة بالكلية، ها، أو نحو ذلك من المكفرات، فهذا يكفر. لكن من عبد الدينار والدرهم فترك واجبًا أو ارتكب محرمًا، هذا لا يكون كافرًا، مشركًا شركًا أكبر، إنما يكون عنده شرك أصغر بتعلقه بغير الله. قال: الرابع: تفسير ذلك بـ «إن أعطي رضي، وإن لم يعطَ سخط»، هذا علامة ودلالة على عبادة بعض الناس للدنيا، فرضاه وسخطه من أجل هذه الدنيا، رضاه وسخطه من أجل هذه الدنيا، لا من أجل الآخرة، ولا من أجل الطاعة، لا من أجل الدين، وإنما من أجل الدنيا. الخامسة: قوله «تعس وانتكس»، وعرفنا ما معنى «تعس وانتكس»، دعاء أو خبر. السادسة: قوله «وإذا شيك فلن تُنقش»، وعرفنا ما معنى «انتقش». السابعة: الثناء على المجاهد المصوب بتلك الصفات. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.