كتاب الصلاة 34

الدرس في كتاب الصلاة 34، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضائل المساجد وأحكامها العامة

يتناول هذا الفصل شرح حديثين نبويين يتعلقان بفضائل المساجد وأحكامها، حيث يشير إلى أجر إخراج الأوساخ منها وحكم الجلوس فيها قبل أداء ركعتي تحية المسجد.

حكم صلاة تحية المسجد وأدلتها

يناقش هذا الفصل حكم صلاة تحية المسجد عند الدخول إلى المسجد، حيث يرى جمهور أهل العلم أنها مستحبة بينما يرى البعض أنها واجبة استنادا إلى الأمر النبوي بالصلاة قبل الجلوس.

تفاصيل حكم تحية المسجد في أوقات الكراهة وعند العودة للمسجد

يشرح هذا الفصل حكم صلاة تحية المسجد في أوقات الكراهة وعند العودة إلى المسجد بعد الخروج منه، ويبين جواز الصلاة في أي وقت مستدلاً بحديث أبي قتادة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الصلاة، في باب المساجد: وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد» رواه أبو داود والترمذي، واستغربه، وصححه ابن خزيمة. هذا الحديث رواه الترمذي من طريق ابن جريج، عن المطلب بن حنطب، عن أنس رضي الله تعالى عنه، وأعله الحديث بعلتين: الأولى هو التدليس، تدليس ابن جريج والمطلب، فابن جريج ثقة، عبد الملك بن جريج ثقة، إلا أنه مدلس، وقد عنعن بهذا السند، وتدليسه قبيح، كما يقول الإمام الدارقطني رحمه الله، فإنه لا يدلس إلا عن مجروح، والمطلب الصدوق، لكنه كذلك مدلس، وقد عنعن، أي روى الحديث بقوله «عن»، فهذا مما يعل به الحديث إذا كان المدلس أو الراوي مدلسا، فلا يقبل منه العنعن، بل لا بد أن يصرح بالتحديث. والعلة الثانية هي الانقطاع بين المطلب وبين أنس بن مالك، فإنه لم يسمع منه، كما قال الإمام البخاري رحمه الله وغيره من الحفاظ. ولهذا أعل الحديث الإمام الترمذي رحمه الله، والدارقطني، وهكذا الحافظ ابن حجر، والإمام البخاري رحمه الله. فهذا الحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «عرضت علي أجور أمتي»، يعني الأعمال التي يؤجرون عليها ويكتب لهم، قال: «حتى القذاة»، حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، القذاة: الأصل أنها ما يقع في العين من تبن ووسخ ونحو ذلك، ثم أطلقت على كل ما يقع في البيت من أوساخ ونحوها. فقوله: «حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد»، يعني ما يخرجه الإنسان من المسجد من أوساخ وأوراق أو نحو ذلك، يخرجها من المسجد ويقوم بتنظيف المسجد، فإنه مما يؤجر عليه ويكتب له. فهذا الحديث فيه فضيلة تنظيف المساجد وتنقيتها من الأوساخ والأذى، وإن كان الحديث ضعيفا، لكن معناه صحيح، ويدل عليه عمومات الأدلة، كقول الله جل وعلا: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، وهكذا قوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، وهكذا قصة المرأة التي كانت تقوم بكنس المسجد وتنظيفه، فلما ماتت سأل عنها النبي عليه الصلاة والسلام، الحديث. فهذه الأدلة تدل على فضيلة تنظيف المساجد والاعتناء بها. قال رحمه الله: وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» متفق عليه. وجاء في رواية بالصحيحين: «فليركع ركعتين قبل أن يجلس». هذا الحديث حتى أبي قتادة رضي الله عنه في أمره عليه الصلاة والسلام لمن دخل المسجد أنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين، فيه بيان شرف المساجد وعظيم منزلتها، وأنها ليست كغيرها من الأماكن والبيوت التي يدخلها الإنسان فيجلس، لكن المسجد، وهذا هو موضع العبادة والطاعة، له شرف ومنزلة ومكانة، فإنه إذا دخله المسلم فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين، حتى يصلي ركعتين، تسمى هاتان الركعتان بتحية المسجد، تسمى بتحية المسجد. وقد ورد فيها حديث بتسميتها بهذا الاسم، لكنه حديث ضعيف لا يصح، لكن أطلق عليها أهل العلم تحية المسجد. إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس، يعني لا يدخل مباشرة ويجلس، سواء دخل للصلاة أو دخل لسماع محاضرة أو دخل لقراءة قرآن أو حضور مجلس علم، أو دخل يريد الجلوس، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين. هل معنى هذا أنه يصلي ولو كان على غير طهارة؟ لا، الجواب أنه لا بد أن يكون على طهارة؛ لأن الصلاة من غير طهارة باطلة لا تصح. فالمقصود أنه يصلي وهو على طهارة، لا يجلس حتى يصلي ركعتين. فقوله عليه الصلاة والسلام: «فلا يجلس»، هذا نهي عن الجلوس قبل الصلاة، وقوله: «حتى يصلي»، هذا أمر بالصلاة ركعتين قبل الجلوس. فما حكم هاتين الركعتين؟ جمهور أهل العلم على أنهما مستحبتان، على أن ركعتي تحية المسجد مستحبتان، واستدلوا بحيث طلح بن عبيد الله في الصحيحين في قصة الأعرابي الذي سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإسلام، فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام أن عليه خمس صلوات في كل يوم وليلة، قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». قالوا: في هذا الحديث ما يدل على أن غير الصلوات الخمس ليست بواجبة، فيحمل الأمر في هذا الحديث على الاستحباب، يحمل على الاستحباب. وكذلك أيضا يستدلوا بما جاء في سنن أبي داود والنسائي وأحمد: الرجل الذي دخل إلى المسجد يوم الجمعة وجعل يتخطى الناس، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «اجلس فقد آذيت». قالوا: لم يأمره بصلاة ركعتين. وذهب بعض أهل العلم إلى الوجوب، ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب صلاة ركعتين تحية المسجد، وهو قول الإمام الدقق رحمه الله، وهكذا الإمام الصنعاني والشوكاني، وجماعة من أهل العلم من المعاصرين، استدلالا بالأمر في هذا الحديث، والأصل في الأمر أنه للوجوب، وليس هناك صارف -يعني صريح صحيح- يصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب. أما قصة الرجل الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اجلس فقد آذيت»، فهذا يحتمل أنه قد ركع، رغم أنه ركع في أول ما دخل، ثم أراد أن يتخطى حتى يتقدم إلى الصفوف الأولى، فلا يدل على أنه لم يصل ركعتين، فهذا الحديث محتمل. وحينئذ لا يستدل به على عدم وجوب ركعتين تحية المسجد. وأما حديث طلحة بن عبيد الله في قوله: هل علي غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع»، فيقال: هذا لا ينفي وجوب بعض الصلوات الأخرى التي لم تذكر في هذا الحديث، كصلاة الجنازة، صلاة الجنازة فرض كفاية، ومع ذلك -يعني- لم تذكر في هذا الحديث، فيقال: كذلك تحية المسجد. وكما سمعنا القول بالاستحباب قول جمهور أهل العلم، وبعض أهل العلم نقل الإجماع على الاستحباب، وعلى القول بالاستحباب فهي سنة مؤكدة، لا ينبغي التساهل فيها، والتهاون في فعلها، يعني دخل المسلم إلى المسجد فيحرص على أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس. طيب إذا دخل في وقت نهي، إذا دخل في وقت نهي، هل يصلي ركعتين تحية المسجد أم لا؟ إنسان دخل بعد صلاة الصبح أو دخل بعد صلاة العصر، وهذه أوقات نهى فيها النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الصحيحين: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». فهل يصلي أو لا يصلي؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح أنه يصلي، أنه يصلي ولو كان الوقت وقت نهي، وهذا قول الإمام الشافعي رحمه الله، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهكذا الإمام ابن القيم، وذلك أن حديث أبي قتادة الذي في هذا الباب: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، هذا الحديث عمومه محفوظ، عمومه محفوظ، لم يخص بشيء من المخصصات. فهذا الحديث عام في الوقت، أي في أي وقت دخل يصلي، في أي وقت دخل يصلي، هذا العموم لم يخص بشيء من المخصصات. وعارضه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، وحديث أبي سعيد عمومه غير محفوظ؛ يعني قد دخله مخصصات كثيرة، فخصص عمومه بصلاة راتبة الفجر إذا فاتت الإنسان قبل الفجر فإنه يصليها، بعض صلاة الفجر، كذلك أيضا صلاة الجنازة، وهكذا أيضا ركعتين الوضوء، وهكذا قضاء الفائتة، هذه كلها تفعل في وقت النهي. إذن عموم هذا الحديث غير محفوظ، وعموم حديث أبي قتادة محفوظ، والقاعدة -يعني- في علم الأصول: إذا تعارض عمومان أحدهما عمومه محفوظ والآخر عمومه غير محفوظ، فيقدم الذي عمومه محفوظ؛ لأنه أقوى، الذي عمومه محفوظ لم يخص بشيء، أقوى من العموم الذي خصه بشيء من المخصصات. وعلى هذا فإذا دخل المسلم إلى المسجد في أي وقت من الأوقات، حتى أوقات الكراهة، فله أن يصلي، له أن يصلي تحية المسجد، إلا أنه في الأوقات التي هي شهدت الكراهة، عند طلوع الشمس، وعند زوالها، وعند غروبها، الأفضل أنه يصبر حتى يزول وقت الكراهة ثم يصلي. أما في الوقتين الآخرين: بعد الفجر وبعد العصر، فلا بأس أن يصلي. طيب تأتي مسألة أخرى: إذا خرج الإنسان من المسجد، إذا خرج من المسجد ثم عاد، هل يلزمه أن يصلي تحية المسجد مرة أخرى؟ إنسان جالس في المسجد خرج، ذهب إلى البيت وجاء، هل يلزمه أن يعيد تحية المسجد؟ من أهل العلم من قال: يلزمه أن يعيد كلما خرج وعاد إلى المسجد فيعيد تحية المسجد، ومنهم من قال: لا يلزمه إذا خرج وعاد، فيكفيه صلاة الأولى صلاها. والأظهر في هذا: التفصيل، إن خرج وفي نيته أن يعود ويرجع، فلا يلزمه أن يعيد تحية المسجد، وخاصة إذا كان الفاصل يسير وقليل. وأما إن خرج ولم ينو أن يرجع، فحينئذ إذا رجع فإنه يصلي تحية المسجد. وإذا صلى الإنسان إذا دخل المسجد الفريضة، فإنه يدخل في صلاة الفريضة وتجزئه عن تحية المسجد، تجزئه عن تحية المسجد. وكذلك أيضا إذا أراد أن يتنفل بالراتب القبلي مثلا قبل صلاة الظهر فركع، فإنه يجزئه ذلك عن تحية المسجد، يعني يصلي سنة الظهر القبلية وتجزئه عن تحية المسجد، بل له أن يصلي ركعتين بنية السنة القبلية مثلا كسنة الظهر، وبنية ركعتين الوضوء، وبنية تحية المسجد، فكل ذلك يجزئ أن يصلي ركعتين بهذه النية. طيب بقي في المسجد الحرام، بعض أهل العلم استثنى تحية المسجد في المسجد الحرام، قالوا: المسجد الحرام تحيته الطواف، قالوا: تحيته الطواف، إذا دخل فليس عليه أن يصلي ركعتين، لكن الصحيح أنه إذا دخل إلى المسجد الحرام وأراد أن يطوف، فنعم يطوف، وبعد الطواف سيصلي ركعتين الطواف، وهي تجزئ عن تحية المسجد، لكن من دخل المسجد الحرام ولا يريد الطواف، ولا يريد الطواف، دخل ليقرأ قرآن، ليصلي، ليحضر مجلس علم، نقول هنا: لا بد أن يصلي ركعتين، لا يجلس حتى يصلي ركعتين؛ لعموم هذا الحديث: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». طيب هذا آخر حديث ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله في هذا الباب، في باب المساجد. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.