التعليق على كتاب التوحيد 90

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 90، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

إنكار التحاكم إلى الطاغوت وبيان صفات المنافقين

توضح الآيات أن من يدعي الإيمان ثم يحاكم إلى غير شرع الله يقع في النفاق، معرفاً الطاغوت بكل حكم يخالف الكتاب والسنة. ويبين أن المنافقين يصدون عن التحاكم للكتاب والسنة، وإذا أصابتهم مصيبة جاؤوا يحلفون كذباً بأنهم أرادوا الإصلاح.

تحاكم المنافقين للطاغوت وإفسادهم في الأرض ورد الله عليهم

يصف حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ويسعون للتحاكم إلى غير شرع الله زاعمين الإصلاح بينما هم مفسدون حسياً ومعنوياً. ويؤكد الفرق بين الجهل والجهالة في مخالفة حكم الله، مشيراً إلى أن حكم الجاهلية ظلم وجهل وأن الله أحسن الحاكمين.

كمال أحكام الله الكونية والشرعية ووجوب التحاكم إليهما

يبيّن أن جميع أحكام الله كونية وشرعية حسنة، وأن ما يبدو ضرره من الأقدار غاياته محمودة كتأديب العبد وهدايته. ويقرر أن التحاكم لغير الكتاب والسنة من أعمال الجاهلية ودليل نقص الإيمان، مستعرضاً ضعف الآثار في أسباب النزول.

شرط اتباع الهوى للرسول في كمال الإيمان

يشترط أن يكون هوى العبد تابعاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ليكتمل إيمانه. ويختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر من الشرح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، قال الشيخ العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله في كتابه "كتاب التوحيد": "باب قول الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴾". هذا الباب له صلة قوية بالباب الذي قبله، لأن الباب الذي قبله فيه حكم من أطاع العلماء في تحريم ما أحل الله أو في تحليل ما حرم الله، وهذا فيه الإنكار على من أراد التحاكم إلى غير الله ورسوله. هذا الباب فيه الإنكار، الآيات التي ذكرها والأحاديث أيضًا التي ذكرت فيها الإنكار الشديد على من أراد التحاكم إلى غير الله ورسوله، فهو يصب في مصب الباب الذي قبله. فقوله في هذه الآية: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ ﴾، الاستفهام هنا يراد به التقرير والتعجب من حالهم، والخطاب هنا لمن؟ الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ يا محمد صلى الله وسلم إلى الذين يزعمون. ومعنى "يزعمون" هنا: يدعون دعوى بدون تطبيق وبدون حقيقة، أنهم آمنوا بما أنزل إليك. يعني: يدعون أنهم آمنوا بما أنزل إليك. وما الذي أنزل إلى الرسول؟ الذي أنزل إلى الرسول الكتاب والحكمة، الكتاب والسنة. فهم يريدون التحاكم إلى غير الكتاب والسنة، وإنما يقولون بألسنتهم ويزعمون ويدعون أنهم آمنوا بالكتاب والسنة، والحقيقة أنهم لم يؤمنوا بالكتاب والسنة. ومما يدل على ذلك تحاكمهم إلى الطاغوت كما سيأتي. فقوله: ﴿ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ يعني: الكتب المتقدمة. ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ﴾، وقلنا هذا هو وجه الشاهد فيه: الإنكار على من أراد التحاكم إلى الطاغوت. والمراد بالطاغوت هنا معنى خاص، وهو: كل حكم خالف حكم الله ورسوله، كل حكم خالف حكم الله ورسوله، وكل حاكم بغير ما أنزل الله على رسوله، فهذا يسمى الطاغوت في هذه الآية بهذا المعنى الخاص. والطاغوت له معنى أعم كما ذكر ذلك ابن القيم عليه رحمة الله، فقال: "الطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حدًا، إن معبودًا أو متبوعًا أو مطاعًا". ولكن المراد بالطاغوت هنا ما هو بالمعنى الخاص، وهو: كل من حكم بحكم خالف فيه حكم الله ورسوله. ﴿ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾، فالله عز وجل حذر وأمر عباده أن يكفروا بكل حكم يخالف حكم الله. ﴿ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾، والشيطان هنا لفظ "الشيطان" يشمل شياطين الإنس والجن، فلا تظن أن الشياطين من الجن فقط، قد يكون أيضًا من الإنس، كما قال الله عز وجل: ﴿ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾. وهناك شياطين من الإنس تأزهم شياطين الجن فيأتون إلى هؤلاء بصورة الإنس، فمن اتبع هؤلاء فهذا دليل الضلال والعياذ بالله. ولذلك قال: ﴿ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾. ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾، لا تتحاكموا إلى الطاغوت، تعالوا تحاكموا إلى ما أنزل الله من الكتاب والسنة. ﴿ إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ ﴾، وقوله: ﴿ وَإِلَى الرَّسُولِ ﴾ يعني: إلى ذاته ونفسه في حياته، وإلى سنته بعدما مات عليه الصلاة والسلام. فإذا قيل لهؤلاء... انظر الآن في كل هذه الآيات، لم يصرح بهؤلاء من هم؟ من صرح؟ صح: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ ﴾، "الذين" هنا اسم موصول. وهنا قال: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ﴾، ضمير "هم" هؤلاء إلى الآن لم يصرح. ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ ﴾، الآن جاء هنا التصريح. صح، الآن جاء التصريح وأنهم منافقون. والتصريح هنا له فوائد: منها التحذير من النفاق، ومنها بيان أن هؤلاء هم المنافقون ليحذر المسلمون منهم. والنفاق معناه: إظهار الإسلام، وإبطان الكفر والشرك والحقد والعداوة على الإسلام والمسلمين. فهؤلاء المنافقون ﴿ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴾، يعني: إذا دعوا إلى التحاكم إلى الكتاب وإلى السنة فإنهم يصدون عنك صدودًا، يعني: يعرضون عنك إعراضًا، ما يستجيبون، ما يستجيبون للتحاكم إلى الكتاب والسنة، بل يعرضون ويأبون التحاكم إلى الكتاب والسنة. ثم قال: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ ﴾، الاستفهام هنا يراد به التعجب. ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ ﴾، والمراد بالمصيبة هنا تشمل المصيبة الشرعية والمصيبة الدنيوية. فالمصيبة الشرعية: أن ينتصر المسلمون وأن يعلو الإسلام، فهذا مصيبة لأهل النفاق، صح؟ لأنهم قد والوا أعداء الإسلام وقد تحاكموا إلى غير الكتاب والسنة، فلما يظهر الإسلام هذا مصيبة عليهم عظيمة. صح. وقد تكون المصيبة دنيوية، وذلك بأخذ أموالهم أو بإنزال العقوبات عليهم، يعني: يتضرروا في دنياهم. ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾، الباء للسببية، بسبب ما قدمت أيديهم. وعبر باليد هنا ويراد بها النفس، وهو من التعبير بالجزء ويراد به الكل. والمراد بـ ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾: يعني من المعاصي. فهذا دليل على أن نزول المصائب من أعظم أسبابها المعاصي، من أعظم أسبابها المعاصي، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾. فما يصيب الناس من مصائب، من محن، من غلاء الأسعار، من فتن، من قلة أمطار، من قلة زروع، من قلة أرزاق، ونحو ذلك، من أعظم أسباب ذلك هو ماذا؟ المعاصي، المعاصي، ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾. ﴿ ثُمَّ جَاءُوكَ ﴾، يأتون إلى النبي عليه الصلاة والسلام في حياته، ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴾. وهذا من صفات أهل النفاق: كثرة الحلف. لو قرأت سورة التوبة، كم آية فيها: ﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴾، ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ﴾، يحلفون، يحلفون، فهذا من صفاتهم. فيأتون إلى النبي عليه الصلاة والسلام يحلفون بالله: ﴿ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴾. يقولون: نحن ما أردنا من الذهاب إلى الكفار أو التحاكم إلى الطاغوت أو نحو ذلك، ما أردنا إلا إحسانًا. ما معنى "إحسانًا"؟ معنى إحسانًا: نسلم من الفضيحة والعار. وهم يظنون أن اللعب على الحبلين سبب للستر من الفضيحة والعار، وهم ما يريدون لهم من الكفار وما يريدون لهم من المسلمين، فيظنون بهذا أنهم يحسنون إلى الطائفتين. لأن من صفاتهم أنهم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، كما في سورة البقرة: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾. هم يقولون: نحن لما نذهب عند الكفار ونذهب عندكم نريد الإحسان، يعني: نسلم من الفضيحة والعار. ﴿ وَتَوْفِيقًا ﴾، ومعنى التوفيق: يعني بين المؤمنين والكفار، نريد أن نوفق بينكما، فنأتي إلى هؤلاء ونأتي إلى هؤلاء. لكن الله عز وجل يعلم ما في قلوبهم، وأنهم كاذبون، وأنهم يبغون الكفر، والله عز وجل على كل شيء قدير. ولذلك ما هي الآية التي بعد هذا؟ ﴿ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾، أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم، ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴾، لا تصدقهم وإن حلفوا، لأنهم يكذبون في الحلف، فالله يعلم ما في قلوبهم، وأن الذي في قلوبهم هو الكفر والحقد والغل والعداوة على الإسلام والمسلمين. وجه الشاهد من هذه الآية في قوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ﴾، وفي قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴾. ففي هذه الآية أنكر الله عز وجل إنكارًا شديدًا على هؤلاء عندما أرادوا التحاكم إلى غير الكتاب والسنة. هذا هو وجه الشاهد. قال: وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾. ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ﴾ يعني: للمنافقين، ﴿ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ﴾. والإفساد في الأرض نوعان: حسي ومعنوي. فالإفساد الحسي يكون بإفساد الحرث والنسل، بالقتل، وكذلك السرقة، بالترويع، ترويع المؤمنين، هذا كله يعد إفسادًا حسيًا. وهناك إفساد معنوي، وهو الإفساد بالمعاصي والمخالفات، هذا أيضًا من الإفساد، هذا أيضًا من الإفساد، كما في الآية الأخرى التي بعدها. وهو ما هو وجه المناسبة؟ ذكر هذه الآية في هذا الباب: مناسبة ذكر هذه الآية في هذا الباب أن التحاكم إلى غير ما أنزل الله من أكبر أسباب الفساد في الأرض. فإن هذا من المعاصي، لأن هذا من المعاصي، بل هو من أعظم المعاصي، بل هو من أعظم المعاصي. فالتحاكم إلى غير ما أنزل الله من أكبر أسباب الفساد، من أكبر أسباب الفساد في الأرض. لأن الله عز وجل قال: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾. لا تفسدوا في الأرض بتحاكمكم إلى غير الكتاب والسنة، بتحاكمكم إلى الطاغوت. لا تفسدوا في الأرض، لأننا قلنا: الفساد قد يكون حسيًا ومعنويًا، ومن الفساد المعنوي التحاكم إلى الطاغوت، هذا من المعاصي، من المخالفات، من الفساد. فلما ذكر في الآية الأولى أنهم تحاكموا إلى الطاغوت، فهذا سبب لإفسادهم في الأرض، ولذلك قال الله عز وجل فيهم: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾. قال: وقوله: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾. وقوله: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾، كما تقدم: الفساد قد يكون حسيًا وقد يكون معنويًا، والآية تشمل المعنيين. وإصلاح الأرض بنشر التوحيد فيها. عند نزول آدم، فإن الناس عشرة قرون وهم على التوحيد، ما ظهر الشرك إلا في قوم نوح. وهكذا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، كان هناك التوحيد، بقايا دين إبراهيم، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ودعا إلى التوحيد. فأنكر ربنا عز وجل على المنافقين إفسادهم في الأرض، وذلك بالتحاكم إلى الطاغوت. ففي هذه الآية وهو مناسبة هذه الآية للترجمة وللباب: أن التحاكم إلى ما أنزل الله، أو يمكن أن نقول: أن التحاكم إلى ما أنزل الله هو الإصلاح، وأن التحاكم إلى غير ما أنزل الله هو الإفساد. عرفتم الآن وجه الشاهد: التحاكم إلى ما أنزل الله هو الإصلاح، إصلاح الأرض إنما يكون بالتحاكم إلى ما أنزل الله، وأما التحاكم إلى غير ما أنزل الله فهو الإفساد للأرض. فهذا فيه الإنكار على ماذا؟ على التحاكم إلى غير ما أنزل الله. هذا هو وجه الشاهد من إرادة هذه الآية. قال: وقوله: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾. الاستفهام في قوله: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ للتوبيخ، يوبخهم الله عز وجل على صنيعهم هذا، وهو التحاكم إلى أحكام الجاهلية. فالمعنى: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ يعني: يطلبون. فكل حكم يخالف حكم الله فهو جهل وجهالة. كل حكم يخالف حكم الله فهو جهل وجهالة. وما الفرق بين الجهل والجهالة؟ الفرق بينهما: أنه إذا كان التحاكم إلى غير الله مع العلم بالشرع فهو جهالة، فهو جهالة، فهو جهالة. إذا حكم غير الشرع وهو يعلم بالشرع ولكن لهوى أو لنفاق أو نحو ذلك، فهذا تسمى جهالة، تسمى جهالة. وإن كان حكم غير الشرع مع جهله بالشرع أو مع خفاء الشرع، فهذا يسمى جهل، فهذا يسمى جهل. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾. الآية التي قبلها: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾. فقالوا: كل من عصى الله فقد عصاه وهو يعلم أنها معصية، صح؟ فهذا جهالة منه، وليس جهل. فهمتم هذا الآن؟ هذا جهالة منه. الآن أنت تعصي الله، تعرف أن هذه معصية، هذا ما يسمى جهل، هذا يسمى جهالة، لأنك عصيت مع علمك بأن هذا لا يجوز، هذا محرم، هذا تسمى ماذا؟ جهالة. فقوله: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ يعني: يطلبون. فكل حكم يخالف حكم الله ورسوله فهو جهل وجهالة. وقوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا ﴾ يعني: لا أحد أحسن من الله يحكم. لماذا تبغون الحكم وتطلبون الحكم في غير حكم الله، والله عز وجل أحسن الحاكمين سبحانه وتعالى؟ فهذا النفي في قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا ﴾ هذا يتضمن نفيًا وزيادة، وهو التحدي، وهو التحدي، فهو أبلغ من أن يقول: "لا أحد أحسن من الله حكم". فقوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا ﴾ هذا فيه نفي لحكم غير الله مع التحدي، فهو أبلغ، فهو أبلغ، لأنه نفي وزيادة. والحكم في قوله: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي، يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي. الحكم الكوني: ما يقضيه الله عز وجل من الخير أو الشر، أو الشرع، فهذا حكم ماذا؟ كوني، قضاه الله وقدره. وهناك حكم شرعي، وهو ما جاء في كتابه كحكم مثلًا الزنا، أو حكم السرقة، أو حكم شرب الخمر، أو نحو ذلك، هذا أحكام شرعية، هذه أحكام شرعية. فكل أحكامه الشرعية والكونية أحسن الأحكام، أحسن الأحكام. طيب، قد يقول قائل: قد يقول قائل: يوجد في الأحكام الكونية ما هو ضار، يوجد في الأحكام الكونية ما هو ضار، مثل الزلازل، مثل الفيضانات، مثل المصائب المؤلمة التي تصيب الإنسان. فكيف الله عز وجل يقول: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا ﴾؟ فالجواب: أن هذه وإن كان ظاهرها أنه ضار، فغاياتها محمودة، فغاياتها محمودة. فهذه المصائب فيها حكم، فيها حكم. مثل: العلماء ضربوا مثلًا بالأب لما يضرب ولده، هذا الضرب الآن أليس ظاهره أنه ضار؟ كيف يضرب الآن؟ ربما يتألم الولد، صح؟ لكن هذا فيه خير، فيه تأديب لهذا الولد. وهكذا يؤدب الله عباده بما شاء من أقداره. ولذلك قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾. فكم من إنسان مثلًا وقعت له مصيبة فكانت سببًا في هدايته، انقلبت به السيارة وكان تاركًا للصلاة، فرأى الموت ومات زملاؤه ونجاه الله، فكان هذا رادعًا له فاستقام وحسن حاله. أليس هذا الآن القدر خير له؟ هذا خير له. فكل أحكام الله حسنة، سواء كان الكونية أو الشرعية. والكونية ما ظاهرها ضار لكن غاياتها محمودة، غاياتها ماذا؟ محمودة. ووجه الشاهد من هذه الآية كما تقدم: أن كل من تحاكم إلى غير الله فهو جاهل، أو فهو ذو جهالة، فهو ذو جهالة. وهذا فيه إنكار شديد في التحاكم إلى غير الكتاب والسنة، إلى غير الكتاب والسنة. التحاكم إلى الطاغوت، والتحاكم إلى الأعراف، التحاكم إلى يعني القوانين الوضعية، كل ذلك من أعمال الجاهلية، من أعمال الجاهلية. فهل هذا فيه إنكار للتحاكم إلى غير ما أنزل الله؟ نعم، فيه إنكار. فهذا هو المراد بعقد هذا الباب. قال: حديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ». قال: إنه حديث صحيح، وأنه في كتاب الحجة بإسناد صحيح. وكأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب نقل هذا من كتاب ماذا؟ الأربعين النووية. هذا مر بنا الحديث أمس، وذكرنا أن الصحيح في هذا الحديث أنه ضعيف، ولكن معناه إن شاء الله صحيح. ووجه الشاهد من إرادة هذا الحديث: أن من كمال الإيمان التحاكم إلى الكتاب والسنة، لأن ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام ما هو؟ الكتاب والسنة، صح؟ هذا الذي جاء به الرسول. فمن اتبع هواه فتحاكم إلى غير الكتاب والسنة، لأنه أراد ما في نفسه، ما أراد الحق. لماذا يعرض من يعرض عن التحاكم إلى الكتاب والسنة؟ لأن ما يريد الحق، يريد الهوى والباطل، فيتحاكم إلى غير الكتاب والسنة. وإلا من أراد الكتاب، من أراد الحق والصواب والهدى، فأين سيجده؟ أين سيجد الهدى والحق والصواب؟ هل سيجده في القوانين الوضعية أو في الأعراف والأسلاف؟ لا، إنما سيجده في الكتاب والسنة. هذا هو وجه الشاهد من إرادة هذا الحديث. قال: وقال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، يعني: خصومة، يعني: تخاصم وتشاجر على أمر ما. فقال اليهودي: نتحاكم، نتحاكم إلى محمد، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل "رسول الله" لأنه لا يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام. عرف أنه لا يأخذ الرشوة، يعني: ما يرتشي. والرشوة هي: أخذ الحاكم للمال لإحقاق باطل أو إبطال حق، بإحقاق باطل أو إبطال حق، هذه هي الرشوة. فعرف أنه صلى الله عليه وسلم لا يأخذ الرشوة. وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فهو يريد أن يرشيهم من أجل أن يحكموا له. فاتفقا أن يأتي كاهنًا في جهينة، يعني: قبيلة جهينة، يترك النبي عليه الصلاة والسلام ويترك اليهود فيتحاكم إليه. والكاهن هو الذي يدعي علم الغيب، يدعي علم الغيب، فيتحاكم إليه. فنزلت: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ ﴾ الآية. وهذا الأثر مرسل عن الشعبي، لم يأت مرفوعًا، فهو ضعيف، لا يثبت. فهذه الآية لم يثبت فيها سبب نزول، لم يثبت فيها سبب نزول، وإنما نزلت عامة في المنافقين على ظاهر الآية، لأنه قال: ﴿ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ ﴾، فصرح بأسمائهم. قال: وقيل، وقيل: هذه من صيغ ماذا؟ التمريض. "قيل" هذا من صيغ التمريض، التمريض، فدليل على ضعف ما سيذكره الشيخ رحمه الله. قال: وقيل: نزلت في رجلين اختصما، يعني: تشاجرا. فقال أحدهما: نترافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، وهو من عظماء اليهود. ثم ترافعا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فذكر له أحدهما، أو ذكر له أحدهما القصة، يعني: قال: أنا قلت أتخاصم إلى النبي، وهذا قال: لا، أتخاصم إلى كعب بن الأشرف. فقال للذي لم يرضَ برسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكذلك؟" يعني: أنت قلت لا نتحاكم إلى الرسول؟ قال: نعم. فضربه بالسيف فقتله. هذا أيضًا لا يثبت، لأنه بدون سند، بدون سند. وبعضهم تكلف وقال: عمر ضربه لأن معه إذن من النبي عليه الصلاة والسلام، أو لأن الغيرة والغضب قد بلغ به مبلغًا فجاز أن يقتل هذا، لأنه مسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». ففهم من هذا عمر أنه يقتل. لكن هذا على القول بصحة الأثر، ولكن الأثر هنا لا يصح لأنه بدون سند، ولم يصح في سبب نزول هذه الآية شيء. قال: فيه مسائل، يعني: في هذا الباب: الأولى: تفسير آية النساء وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت، وقد تقدم بيانه ذلك، وتفسير هذه الآية بما تقدم ذكره، وقوله: "وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت"، عرفنا ما هو المراد بالطاغوت في هذا، وهو حكم خاص أو معنى خاص، يراد به هنا: كل حكم خالف حكم الله ورسوله، أو كل حاكم حكم بغير ما أنزل الله. الثانية: تفسير آية البقرة: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ﴾، وعرفنا ما معنى الإفساد في الأرض. الثالثة: تفسير آية الأعراف: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾، وعرفنا ذلك أيضًا، فأغنى عن الإعادة. الرابعة: تفسير: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾، وعرفنا ما معنى الجاهلية وما معنى يبغون، تقدم معنا قريبًا. الخامسة: ما قاله الشعبي في نزول الآية الأولى، وقلنا: هذا مرسل عنه لا يثبت. السادسة: تفسير الإيمان الصادق والكاذب. أين أخذ هذا؟ تفسير الإيمان الصادق والكاذب من أين أخذ ذلك؟ من: ﴿ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ ﴾. فالصادق في إيمانه هو الذي يتحاكم إلى الكتاب والسنة، والكاذب في إيمانه هو الذي يتحاكم إلى غير الكتاب والسنة. هذا هو المراد. السابعة: قصة عمر مع المنافق، يعني: في قتله لهذا المنافق، وقلنا: هذا أيضًا لا يثبت لأنه ليس له سند. الثامنة: كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.