الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 96، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع معنى سب الدهر بأنه شتم الزمان، ويبين أن الأذية ثابتة لله دون أن تلزم الضرر، مستدلاً بالآيات والأحاديث. كما يوضح عقيدة الدهرية الذين ينسبون الموت والحياة للدهر لا لله، وأن سب الدهر ناتج عن نسبة الحوادث المكروهة للزمان.
يشرح المقطع حديثاً قدسياً ينهى عن سب الدهر، مبيناً أن المراد بقوله «أنا الدهر» هو أن الله مدبر الليل والنهار ومصرف الزمان، لا أن الدهر اسم من أسماء الله. ويوضح الفرق بين الأذية الثابتة لله والضرر المنفي عنه، وأن سب الدهر يعد سباً غير مباشر لمدبره فيؤذي الله تعالى.
يقسم العلماء سب الدهر إلى ثلاثة أقسام: الأول الإخبار المحض عن الزمن دون لوم وهو جائز، والثاني اعتقاد أن الدهر هو الفاعل المؤثر وهو شرك أكبر كعقيدة الدهرية، والثالث سب الدهر مع اعتقاد أن الله هو الفاعل لكن على وجه التبرم والتأذي وهو محرم ولا يبلغ حد الشرك.
ينصح المقطع المسلم بالابتعاد عما يعلق قلبه بغير الله، مؤكداً وجوب تعلق القلب بالله وحده. ويشير إلى أن الدهر ليس إلا أمراً عابراً لا يستحق الانشغال به عن الخالق.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ مجدد محمد عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: باب: من سب الدهر فقد آذى الله. والسب هو الشتم والتقبيح والذم وما أشبه ذلك. قالوا: سب الدهر، المراد به الزمان والوقت، المراد به الزمان والوقت. وقوله: فقد آذى الله، لا يلزم من الأذية الضرر، فقد أثبت الله عز وجل الأذية في القرآن: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ﴾، فأثبت الأذية في القرآن من الذين يؤذون الله ورسوله، لكن لا يلزم من الأذية الضرر. ولذلك نفى الله عز وجل عن نفسه الضرر، نفى الله عز وجل عن نفسه الضرر، فقال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾، ﴿ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾، في الحديث القدسي الذي مر معنا قال الله عز وجل: « لا تضروني »، فنفى الله عز وجل عن نفسه الضرر، لكنه أثبت لنفسه الأذية، فلا يلزم من الأذية الضرر، لا يلزم من الأذية الضرر. قالوا: قول الله تعالى: ﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾. ومعنى الآية: وقالوا، أي الكفار الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا بالبعث والنشور، يقولون: هذه الحياة التي نعيشها ما هي إلا حياتنا الدنيا، نموت ونحيا، أي: ليست هناك آخرة، ليست هناك آخرة، بل يموت بعض ويحيا آخرون، فيقولون: إنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع، وليس شيء سوى ذلك، وليس شيء سوى ذلك. هذه عقيدة الدهرية، عقيدة منكري البعث والنشور، يقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا، هذه الدنيا يعني: ناس يموتون وناس يحيون، أرحام تدفع، أرحام النساء، والأرض تقبل من مات، فهذه الأرض تبلع ما دخل فيها. ولذلك يقولون: وما يهلكنا إلا الدهر، ما يهلكنا هناك الله، ولا بعث ولا نشور ولا شيء، ما يهلكنا إلا الدهر، أي: ليس هناك يعني هلاكاً بأمر الله، ليس هناك هلاكاً بأمر الله وقدره، بل من طال عمره فهذا بطول السنين، ومن قصرت مدته فهذا بسبب الأمراض والهموم والغموم، بسبب الأمراض والهموم والغموم. هذه عقيدتهم، وهم يقولون: إن المهلك لهم هو الدهر الزمن، وليس هو الله. ولذلك أنكر الله عليهم بقوله: ﴿ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ﴾، يتكلمون عن جهل، ﴿ وَمَا هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾، والمراد بالظن هنا الوهم، المراد بالظن هنا الوهم، لأن الظن في القرآن قد يأتي بمعنى العلم اليقيني، وقد يأتي بمعنى الوهم، وقد يأتي بمعنى الرجحان. فدليل اليقين: ﴿ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ﴾، يعني: تيقنت، وظن أنه الحساب يعني تيقن. وقد يأتي بمعنى الوهم كما في هذه الآية، وقد يأتي بمعنى الرجحان، يعني رجحان الظن، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنْ نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾. فهذا هو معنى الآية، وجه الشاهد منها ظاهر. ما هو مناسبة الآية للترجمة أو للباب؟ المناسبة: أن في الآية نسبة الحوادث إلى الدهر، قالوا: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ﴾، فجعلوا الدهر هو المهلك لهم، ليس الله عز وجل، فنسبوا الحوادث للدهر، ومن نسبها إلى الدهر فلا شك أنه سيسب الدهر. كيف سيسب الدهر؟ لأنه قد يقع ما يكرهونه، صح، قد يقع ما يكرهونه، فإذا وقع ما يكرهونه وضعوا اللوم ووضعوا المذمة والسب على الدهر. فهمتم هذا الآن؟ على الدهر، فهذا هو وجه الشاهد من إيراد هذه الآية في هذا الباب. قالوا: في الصحيح، والحديث في الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: « يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ». وفي رواية: « لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ ». ومعنى هذا الحديث: أولاً، هذا الحديث يسمى حديثاً قدسياً، لأن النبي عليه الصلاة والسلام نسبه إلى الله، وقال: قال الله تعالى. وقوله: يؤذيني ابن آدم، تقدم معنا أن أهل السنة يثبتون لله الأذية، ولكن يثبتونها ولا يتطرقون لكيفيتها، فليست كأذية المخلوق، فالله عز وجل ليس كمثله شيء. وتقدم معنا في بداية الشرح أن الأذية لا يلزم منها الضرر، صح يا أبا طاهر؟ أنت أول من حضرت الدرس. فالله عز وجل أثبت لنفسه الأذية ولم يثبت الضرر. ما هو دليل إثبات الأذية لله عز وجل؟ قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَوَعَدَ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ﴾، ونفى الضرر فقال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾، فلا يلزم من الأذية الضرر. فقوله: يؤذيني ابن آدم، ما وجه هذه الأذية؟ يسب الدهر. هذه الجملة تسمى جملة تعليلية، أو يمكن أن تقول: جملة تفسيرية، تعلل وتفسر معنى الأذية، وهو سب الدهر، وهو سب الدهر، يعني: سب الزمن والوقت، سب الزمن والوقت. لماذا سب الدهر أذية لله عز وجل؟ لأن الله عز وجل قال: وأنا الدهر. ومعنى: وأنا الدهر، هناك تقدير، يعني: أنا مدبر الدهر ومصرفه، بقوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾. وليس معنى أن الدهر أن الدهر من أسماء الله، وقد أخطأ ابن حزم إذ أثبت بهذا الحديث اسم الدهر لله عز وجل، هذا غير صحيح. فالمراد: وأنا الدهر، هناك مضاف مقدر، فيكون التقدير: وأنا مدبر الدهر ومصرفه. فالله عز وجل هو الذي يصرف الدهر، هو الذي يدبر الدهر، فأنت لما تسب الدهر تسب مدبره، صح؟ فهذا سب غير مباشر، ففيه أذية لله عز وجل. واضح هذا الآن؟ فهذا معنى: وأنا الدهر، يعني: أنا مدبر ومصرف الدهر، ولا نثبت اسم الدهر لله عز وجل، لأن أسماء الله حسنة ويا مشتقة، ولذلك ما من اسم إلا وتشتق منه صفة، فهي كاملة الحسن. فلو قلنا: الدهر من أسماء الله، أين الحسن في هذا الاسم؟ وأين الصفة المأخوذة من هذا الاسم؟ فلا يثبت اسم الدهر للعز وجل، وإنما المقصود: وأنا الدهر، يعني: أنا مدبر ومصرف الدهر. ولذلك جاء بعد: « أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ »، بأن الليل والنهار هو الدهر، هو الزمن، الدهر هذا إنما هو ليل ونهار، ليل ونهار. فقوله: قلب الليل والنهار، هذا تفسير لمعنى الدهر، تفسير لمعنى الدهر، يعني: مصرف الدهر، مصرف الدهر، هذا هو المعنى. وقوله: قلب الليل والنهار، أي: ما يحدث فيه، ما... والله عز وجل هو القائل: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ﴾. ذكر الليل والنهار هنا لأنه هو محل الحوادث، الليل والنهار، والدهر هو محل الحوادث، والله عز وجل هو الذي يدبره ويصرفه. فسبوا الدهر، سبوا لله، سباً غير مباشر، فمن هنا جاء النهي عن ذلك. قال: وفي رواية: « لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ ». وهكذا يقال في قوله: فإن الله هو الدهر، يعني: فإن الله هو مدبر ومصرف الدهر، مدبر ومصرف الدهر. وهذه الرواية لها فائدة، فمن فوائدها: فيها التصريح في النهي عن سب الدهر. الرواية الأولى ما فيها التصريح بالنهي، إنما يقول: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، هذا فيه إخبار، لكن معناه النهي، فجاء التصريح بالنهي في هذه الرواية الثانية، في هذه الرواية الثانية: لا تسبوا الدهر، هذا التصريح بالنهي عن سب الدهر، النهي عن سب الدهر. طيب، هنا فائدة مهمة تذكر في هذا الباب، وهي: سب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام. سب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم، أن يقصد الخبر، يخبر بشيء وقع في الليل أو النهار، أو وقع في الزمن أو الوقت، وهذا الشيء فيه سب الدهر، لكن هو يريد الإخبار، فهذا جائز. مثل أن يقول مثلاً: تعبنا من شدة الحر، شدة الحر تقع في الدهر، أليس كذلك؟ فهذا من باب الإخبار. واستدلوا أيضاً بقول الله عز وجل في قول لوط: ﴿ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾، عصيب معناه شديد، صح؟ لما جاءه الملائكة، وما يدري، على صورة يعني شبان، وقرية وهم مشهورون بالعمل، قوم لوط، فنزلوا عنده ضيوفاً، فخاف عليهم، فقال: هذا يوم عصيب. هذا من باب الإخبار، فلا يكون في سب الدهر، وإنما الأعمال بالنيات، وإنما الأعمال بالنيات، فإنه مجرد الإخبار، فهذا جائز، لا بأس. تقول: هذه الليلة مرت علينا ليلة شديدة، هذا من باب الإخبار، هذا من باب الإخبار، من باب الإخبار، إذا لم يقصد السب وإنيته، كذلك اعتقاد أن الليل أو النهار أو الزمن هو الفاعل... لذا. أما الثاني: النوع الثاني، أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، على أنه هو الفاعل لهذا الشر، كان يعتقد أن الدهر هو الذي يقلب الأمور من الخير إلى الشر، فهذا شرك أكبر، فهذا شرك أكبر. وهذا ما عليه الدهرية الذين قالوا: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ﴾، فهم اعتقدوا أن الدهر هو الذي يقلب الليلة والنهار، أن الدهر هو الذي يقلب الليلة والنهار، فهذا شرك أكبر. والقسم الثالث: أن يسب الدهر لا لاعتقاد أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه لأنه محل هذا الأمر المعروف، ما نيته الإخبار، ولا يعتقد أن الدهر هو الفاعل لهذا الشر الذي وقع فيه، وإنما يقول ذلك، يقول ذلك من باب نسبة هذا الشر للمحل، المحل الذي وقع فيه، وهو الدهر، فهذا محرم، ولا يصل إلى حد الشرك. ما فهمته؟ إنسان مثلاً قال: أيش هذا اليوم؟ يعني يوم زفت، توفي فيه ولدي أو والدي أو كذا، ما يريد يخبر، وإنما يتبرم من الزمن، طيب، ويلوم الزمن لأن هذا الأمر وقع فيه، وهو يعتقد أن الله هو الذي... الله هو الذي قدر هذا، واضح هذا الآن؟ فهذا سب لله في الحقيقة، أنه سب لله، لكن لم يكفر لأنه لم يكن سباً مباشراً، وإنما عن طريق سب الدهر. فهمتم هذا الآن؟ فهناك ثلاث حالات: من باب الإخبار، هذا لا بأس. من باب الاعتقاد أن الليل والنهار، أو أن هذا الدهر هو الفاعل لهذه الحوادث، كعقيدة أهل الدهرية، فعقيدة الدهرية فهذا شرك. والثالث: أن يعتقد أن الله هو الفاعل، وما يريد الإخبار، إنما يريد يعني ذم الدهر وسب الدهر، فهذا محرم، لكن لا يصل إلى حد الشرك، لأن فيه سب لله لكن غير مباشر، بطريقة غير مباشرة. هذا ما ذكره العلماء في مسألة سب الدهر. والأولى بالمسلم يبتعد عن هذا، لأنه يعلق قلبه بالله، وما هذا الدهر إلا