شرح كتاب عقيدة الرازيين 13

شرح كتاب عقيدة الرازيين 13

الدرس في شرح كتاب عقيدة الرازيين 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الميزان: حقيقته ووزن الأعمال

يؤمن أهل السنة بأن الميزان حق له كفتان توزن فيه أعمال العباد وسجلاتهم وأجسادهم، ويستدلون بالقرآن والسنة على ثبوت الوزن وتفاصيله. وتختلف موازين الناس يوم القيامة فمنهم من ثقلت موازينه فأفلح، ومن خفت موازينه فخسر، ومن استوت حسناته وسيئاته فهو من أصحاب الأعراف، والكل تحت عدل الله ومشيئته.

الصراط: حقيقته وصفات العبور عليه

الصراط جسر منصوب على متن جهنم، أدق من الشعر وأحد من السيف، فيه خطاطيف وكلاليب تخدش العابرين، ويمر المؤمنون عليه بسرعات متفاوتة كطرف العين والبرق والريح. ويقف الناس في ظلمة قبل العبور فيُعطى المؤمنون نوراً على قدر أعمالهم، بينما يحرم المنافقون منه فيضرب بينهم بسور.

أحداث الصراط والحوض ومصير المؤمنين والمنافقين

يمر المؤمنون على الصراط بنورهم بسرعات متفاوتة وفق قوة إيمانهم، بينما ينطفئ نور المنافقين فيطلبون من المؤمنين نوراً فيُردّون إلى خلف ليطلبوا نوراً فلا يجدون، فيُحاط بهم بسور له باب باطنه رحمة وظاهره عذاب. ويناقش المقطع موضع الحوض من الصراط، والراجح أنه قبل الصراط، وأن من يُطرد عنه هم أهل البدع والمخالفات لا المرتدون.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: ذكر المؤلف الجنة والإيمان بها، وكذلك النار وأنها حق، فأنهما حق وهما مخلوقتان لا تفنيان أبداً. أخذنا هذا، ثم قال رحمه الله: «والصراط حق». والصراط حق أيضاً من الأمور التي يؤمن بها أهل السنة والجماعة مما جاء من علم الغيب، ما ذكره الله عز وجل عن الصراط، جاء في أدلة كثيرة كما سنذكرها إن شاء الله تعالى، ونذكر بعضها. ذكر الصراط الذي يمر فيه الناس، وهو الجسر الذي يوضع على جهنم والعياذ بالله، فيقول ربنا جل وعلا: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ﴾ [مريم: 71-72]. فهذه الآية فسرها الصحابة أنها المراد بها الصراط والعبور على النار، وورودها في حق الكفار أنهم يدخلونها ويخلدون فيها. وهذا الصراط الذي جاء في الأحاديث والآيات، من هذه الأحاديث: حديث أبي هريرة، وبسعيد، وفيه: «ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقول الأنبياء: اللهم سلم سلم». قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ وهذا في صحيح مسلم. كما أيضاً في البخاري حديث أبي سعيد، قيل: يا رسول الله، فما الجسر؟ قال: «دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك، تكون بنجد، فيها شويكة يقال لها السعدان». هذا الجسر دحض ومزلة، معناه: بسرعة يسقط الإنسان فيه، ويضحس، وفيه خطاطيف وكلاليب أيضاً تأخذ هذا المار. وهذه الكلاليب وصفها النبي صلى الله عليه وسلم كالشوك، السعدان يوجد بنجد. ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم مرور أهل الإيمان وغيرهم، قال: «فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب». ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فناجٍ مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم». فهذا هو الصراط الذي ينصب، والجسر الذي ينصب على متن جهنم فوق النار. وحديث أبي سعيد بيّن فيه النبي عليه الصلاة والسلام عدة أشياء: أولاً: أن هذا الصراط يضرب على الجسر، على جسر جهنم. والأمر الثاني: أن هذا الصراط دحض مزلة، أنه سريع الانزلاق. حتى جاء في صحيح مسلم قال أبو سعيد: «وبلغني أنه أن الجسر أحد من السيف وأدق من الشعر». ننظر إلى هذا الوصف: أحد من السيف وأدق من الشعر. إذا كان أدق من الشعر وأحد من السيف، فهذا معنى أنه لا يثبت فيه أحد، ولا ينجو من الخدش أحد إلا من سلمه الله. أبو سعيد، أبو سعيد، أبو سعيد، أبو سعيد، أبو سعيد... يمرون فيه كخطف، أو كطرف العين. طرف هذا الجسر: مجرد ما يفعل هكذا، معنى بسرعة، إلا وقد مر على الجسر. ومنهم من يمر كالبريق، معنى: لما ترى البرق يأتي فجأة ويمر، معنى: يأتي يضيء وينطفئ. ومنهم كالريح، معنى سرعة الريح، سرعتها شديدة. ومنهم كالطير، ومنهم كأجاويد الخيل مسرع جداً، وهكذا. لكن بسبب هذه الكلاليب التي في الجسر، وكذلك عوج الجسر ومزلقته، فإن كثيراً من من يمر به، حتى من أهل الإيمان، من يخدش، ومنهم من يسلم. «فناجٍ مسلم، فناجٍ وناجٍ مخدوش، ينجو لكنه يخدش». والمراد يخدش: أن يجرح بهذه الكلاليب، تصيبه هذه الكلاليب. وقالوا: «ومكدوس في نار جهنم، مكدوس في نار جهنم». وقد مثل الله عز وجل لنا أيضاً مشهداً من المشاهد في القرآن في مسألة مرور الناس في الصراط. أن عائشة رضي الله عنها في الصحيحين قالت: يا رسول الله... وهذا من فقهها رضي الله تعالى عنها. قالت: يا رسول الله، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، أين يكون الناس؟ أنا في أي مكان يكون الناس؟ السماوات كلها تتبدل، والأرض، السماوات تتوى. فقالت عائشة: يا رسول الله، أين يكون الناس؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «في ظلمة دون الجسر». في ظلمة دون الجسر، أنا قبل ما يصلون الجسر هناك ظلمة في مكان مظلم، معنى: لا يرى الإنسان أصبعه، كما عبر عليه بعض السلف، أنا من شدة الظلمة. ظلمة دون الجسر، ناس في ظلمة. فربنا جل وعلا يقول: ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴾ [الحديد: 12-13]. جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القايد، ومنهم من يؤتى نوراً على إبهامه يطفأ مرة ويقد مرة. وهذا المشهد العظيم الذي ذكره الله عز وجل، بينه الصحابة رضي الله عنهم، كما جاء عن عبد الله بن مسعود أيضاً أنه قال: أن الناس يأتيهم النور في مكان الظلمة، هذه الظلمة التي هي دون الجسر، لما يكون الناس مجتمعون فيها. هذا متى؟ بعد أن يحاسبوا، بعد أن يخرجوا من الموقف. في حديث أبي سعيد، وحديث أبي هريرة، بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما يحشر الله عز وجل الأولين والآخرين، فيقول الله عز وجل: «كل من عبد غير الله فليتبع معبوده». كل من عبد غير الله فليتبع معبوده. فمن عبد الشمس يتبع الشمس، ومن عبد القمر يتبع القمر، ومن عبد الأصنام يتبعها في النار. فيبقى اليهود والنصارى وغيرهم. فيقول الله عز وجل: يا معشر اليهود، ماذا كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله، نعبدك يا رب، نعبدك. فيقول الله عز وجل: كذبتم، إنما كنتم تقولون: عزير ابن الله. فيأخذون ويلقون في النار. لأن معناه في ما جاء في الحديث الصحيح: أن الناس بعد أن يحشروا، يضيق عليهم، أن تأتي الملائكة، ملائكة السموات كلها، ويحلقون. تأتي ملائكة السماء الأولى فيحلقون عليه، وتأتي السماء ملائكة السماء الثانية فيحلقون، وهكذا الثالثة إلى السابعة. معناه: ويكون هؤلاء الناس في وسطهم، ما في مفر، كما ذكر الله عز وجل، ما في هروب، لا يستطيع أحد أن يخرج. ثم بعد ذلك يلقون في النار من أمر الله عز وجل به في النار. تأتي الملائكة وتأخذه، حتى يبقى هذه الأمة مع منافقيها، وقبارات من أهل الكتاب، طوائف من أهل الكتاب الذين لم يعبدوا إلا الله، ولم يقولوا أيضاً لا عزير ولا عيسى ولا غيرهم، لا يقولون: بنا الله أحد، معنا لا يشركون بالله شيئاً. فيأتيهم الله عز وجل في غير صورته، فيقولوا: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله أن تكون ربنا. ثم يأتيهم الله عز وجل في صورته، فيقولون... فيقول الله عز وجل: أنا ربكم. فيقولون: نعم أنت ربنا. فيقول: هل بينكم وبينه علامة؟ فيقولون: نعم، الساق. فيكشف الله عز وجل عن ساقه، فيسجد كل من يسجد لله جل وعلا. معناه: يسجد لله، ويريد أن يسجد من يسجد رياء في الدنيا، فيعود ظهره قبقاً، يريد أن يقوم ما يستطيع أن يسجد، كلما أراد يسجد رجع ظهره قبقاً، لأنه لم يسجد لله في هذه الحياة وإنما نافق. فبقي المنافقون في ذلك المكان. ثم بعد هذا يجلسون في ذلك المكان، بعدما يدخل أهل النار النار، يجمع الله عز وجل من كان في الموقف، فيجعلهم دون الجسد في تلك الظلمة، وحينئذ تتبدل الأرض والسماوات. فبعد ذلك، لما يكون في هذه الظلمة، يأتيهم النور، يأتيهم النور، وكل واحد يأخذ من هذا النور، لأن ظلمة يحتاج إلى نور يضيء له، فيأخذون. فيأخذ أهل الإيمان النور، ويأخذ أهل النفاق أيضاً نوراً، لأجل أن يمروا في الجسر، فيذهبوا جميعاً إلى الجسر، يمرون، أنا كأنهم صفوف معنا، يمرون. أولاً هؤلاء الذين بسرعة يمرون، هؤلاء أهل إيمان. لكن كما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾، ما من أحد إلا يمر في هذا المكان، في الجسر أو الصراط. لكن أهل الإيمان يمرون، عن الذين هم أكثر إيماناً يمرون، منهم كالبصر، منهم كطرف العين، كالريح، كأجاويد الخيل، كالطير، أولاً بسرعة يمرون. ويبقى ناس ضعف إيمانهم، يبقى معهم نور لكن نور قليل، فيقوم ويزحف، وكذا. وهذا لا شك أنه سيخدش، وإن كان من من أراد الله عز وجل نجاته نجا، وإن لم يرد الله عز وجل ينجيه، يكون من أهل النار، يعني يسقط في النار، ولو كان من أهل التوحيد، لكن يعذب في النار، ثم بعد ذلك يخرج من هذه النار، ومنهم من يخرج بالشفاعة. طيب، الآن هؤلاء كما ذكر الله عز وجل في الآية، المنافقون لما يأتون ويمرون في الجسر، ينطفئ عليهم النور، أنا في ظلمة، ينطفئ عليهم النور، يرون الناس يمرون وهم ما عندهم نور، فيقولون لأهل الإيمان: «انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ». اعطونا شيء من هذا النور، نريد أن نمر. يقول أهل الإيمان: كل واحد يريد، أصلاً ما يستطيع أن يعطي الآخر نور، هو يريد نور يضيء له. يقولون لهم: «ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا». ليش أنتم تفعلون هذا؟ ليش تطلبون من الناس؟ اذهبوا إلى المكان الذي أخذتم النور، يذهبوا إلى المكان الذي أخذتم النور منه، واخذوا نور وتعالوا ومروا. فيذهبون إلى ذلك المكان، فلا يرون، فلا يجدون شيئاً من النور. ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ [النساء: 142]، يخدعهم الله عز وجل في ذلك الذي هم... الذي هم محتاجون إلى من ينقذهم، ومن يحتاجون إلى هذا النور، فيرجعون إلى الخلف، فلا يرون شيئاً من هذا النور، يذهب ما يجدون النور، يرفعه الله أو يذهبه الله، فيبقون في الظلم، ما يستطيعون، يريدون أن يخرجوا من هذه الظلم، ما معهم إلا الصراط، والصراط يمرون فيه وليس معهم نور، فيضرب الله عز وجل بسور له باب، باطنه فيه الرحمة، ظاهره من قبله العذاب. عن الذين في النار ينادونهم: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾ [الحديد: 14]، نحن نصلي معكم، ونجاهد معكم، نفعل ونفعل معكم. فيردون عليهم أهل الإيمان بالرد الذي يفحمهم، فيقولون: ﴿ بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ ﴾ [الحديد: 14]. تتربصون، معناه: لأهل الإيمان، يريدون الدائرة على أهل الإيمان، يفرحون إذا غلب الكفار، إذا هزم أهل الإسلام فرحوا. قالوا: ليش مثل ما ذكر الله عز وجل، ليش ما يأتون يشاورون، ليش... معناه: لو شاورون ما قتلوا، ولا حصل لهم الهزيم، ولا غير من هذا الكلام الذي يأتون به. فلهذا قال: ﴿ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَارْتَبْتُمْ ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿ وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [الحديد: 14]. أي شيطان. فلهذا فهذه الآيات تدل على هذا المشهد العظيم الذي ذكره الله عز وجل، وبينه الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وجاء عن ابن عباس مثل الذي جاء عن عبد الله بن مسعود، بل جاء مرفوعاً من حديث أبي أمامة، لكن فيه شيء من الخلاف، وجاء أيضاً موقوفاً بإسناد صحيح عن أبي أمامة. فلهذا هذا التفصيل الذي يكون في الصراط. وكما قال السلف: من سار على الصراط في الدنيا، فإنه يسير على الصراط في الآخرة، ومن ذهب يميناً أو يساراً، أيضاً يتخلل عليه أو يختل عليه الأمر في الصراط يوم القيامة. فلهذا أيضاً حصل الخلاف بينها العلم في مسألة الحوض، كما سيأتي، هل هو قبل الصراط أم بعد الصراط؟ والظاهر من هذا أنه يكون قبل الصراط، وقيل أنه بعد الصراط، لأنه قال: «من شرب منه لا يظمأ بعدها أبداً». كيف لا يظمأ وهو يدخل النار؟ لهذا قال كثير من العلم أنه بعد الصراط، بعد الصراط. ومن استدل بالأحاديث التي فيها أن المنافقين يأتون إلى الصراط، إلى الحوض، وأن الجسر من مر به وسقط فلا يصل إلى ذلك المكان، أو إلى آخره. لكن هل ممكن أن يكون من هذه الأمة من يمر في الصراط ثم يأتي إلى الحوض ويطرد من الحوض؟ هذا إن حمل على قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سحقاً لمن بدل وغير»، حمل على أهل البدع، كما ذكر الإمام ابن عبد البر رحمة الله عليه. وأما من حمله على المرتدين، فهذا لا يتجه، لأن أهل الردة يدخلون النار، ما يمرون على الصراط، وإنما يمر على الصراط أهل الإيمان. لكن قد يكون من أهل الإيمان من قد غير وبدل، أي بالبدع والمخالفات، فيطردون عن الحوض، يطردون عن الحوض. وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذه الأمور. قال رحمه الله: «والميزان الذي له كفتان يوزن فيه أعمال العباد، حسنها وسيئها، حق». أيضاً من المسائل التي يؤمن بها أهل السنة من علم الغيب، ما ذكره الله عز وجل، وذكره نبينا عليه الصلاة والسلام من الوزن، وزن الأعمال. وجاء في الأحاديث أنه ميزان توزن فيه الأعمال، فالميزان حق، وله كفتان، يوزن فيه أعمال العباد، حسنها وسيئها. هذا كله حق يؤمن به أهل السنة. وأما الآيات ففيها الوزن، مثل قول الله عز وجل: ﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [المؤمنون: 102]. فموازينه، هل هي جمع ميزان أو جمع موزون؟ الصحيح أنها جمع موزون، موازينه أي جمع موزون، موزوناته وأعماله توزن، كما جاء في الأحاديث. قال: يوزن العامل وعمله. أنا أذكر العلماء أن كما ذكر الحافظ بن حجر في النهاية، أن الذي دلت عليه الأدلة أنها يوزن أشياء: يوزن العمل، وتوزن السجلات، ويوزن كذلك العامل نفسه، حتى العامل يوزن. لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال في ساقي عبد الله بن مسعود: «إنهما في الميزان عند الله أثقل من جبل أحد»، دل على أنه يوزن. وقال صلى الله عليه وسلم كما في البخاري: «يؤتى بالرجل الكافر يوم القيامة»، وجاء في رواية: السمين، «لا يزن عند الله جناح بعوضة، لا يزن عند الله جناح بعوضة». ثم ذكر الله عز وجل، ثم ذكر قول الله جل وعلا: ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾ [الكهف: 105]. فلهذا كما قلنا هذه كلها جمع موزون. ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [الأنبياء: 47]، الموازين هنا أيضاً جمع موزون. لكن الميزان جاء في السنة، جاء في السنة. ومن ذلك حديث السجلات، حديث السجلات، وأنها توضع في كفة، ويوضع لا إله إلا الله، وطاقة لا إله الله في كفة، فتطيش كفة السجلات بطيش. فإذا طاف طاقة، معنى طاشت، معنى ذلك أنها لم توزن هذه البطاقة، وزنت هذه السجلات. وهذا دليل على عدل الله جل وعلا، وأنه عنده موازين، عنده ميزان، وهذا الميزان فيه كفتان. فلهذا الله عز وجل يوم القيامة يزن كل شيء، حتى... حتى كما جاء في الحديث، حديث أبي هريرة في صحيح البخاري، في صحيح المسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء». حتى البهائم يكون بينها قسط وعدل يوم القيامة. فالعدل يوم القيامة تضرب، هذه توضح هذه الموازين، وينصب العدل، ويكون هناك ميزان توزن فيه، كما قلنا، الأعمال، وكذلك السجلات، والعاملون، كما ذكرنا. فحديث... كما قلنا، حديث... حديث الرجل الذي يكون له تسعة وتسعون سجلاً، الحديث أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عمر، وهو حديث حسن، صححه الشيخ الألباني رحمة الله عليه في الصحيحة، ويسمى هذا الحديث حديث البطاقة. وأيضاً كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن مسعود: «لا هي أشد أو أثقل في الميزان من جبل أحد، من جبل أحد». ثم بعد ذلك توزن هذه الحسنات والسيئات، إن شاء الله، وإن شاء الله تعالى معلقاً في درس، في الدروس الأخرى، نأخذ مسألة وزن السيئات والحسنات، لأنه قد جاء تفاصيل في هذا الباب، جاء تفاصيل في هذا الباب، على... لأن قوماً ترجح سيئاتهم على حسناتهم، ومنهم العكس ترجح حسناتهم على سيئاتهم، ومنهم من يتساوى، تتساوى حسناتهم وسيئاتهم، وهؤلاء هم أصحاب الأعراف، كما جاء ذلك في الأحاديث، وجاءت في الآية: ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [الأعراف: 44]، حتى قال: ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ * وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [الأعراف: 46-48]، إلى آخر الآيات. فدل على أن أصحاب الأعراف هؤلاء لهم حسنات وسيئات، استوت حسناتهم وسيئاتهم، فحبسوا بين الجنة والنار، حبسوا بين الجنة والنار، ثم أن الله عز وجل يدخلهم جل وعلا برحمته الجنة. أما من رجحت سيئاتهم، هؤلاء كلهم أهل التوحيد، هؤلاء التوحيد يكونون على هذه الطبقات الثلاث: طبقة تكون حسناتهم أكثر من سيئاتهم، ﴿ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾، فثقلت أي بالحسنات. ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 103]، أي بالحسنات. والطبقة الثانية: هم الذين تساووا، وهم أصحاب الأعراف. والطبقة الثالثة: هم الذين رجحت سيئاتهم، سيئاتهم على حسناتهم، وهم مصرون على الكبائر، لم يتوبوا من هذه الكبائر، فهؤلاء تحت مشيئة الله جل وعلا، إن شاء أدخلهم النار، وإن شاء دخلوا بشفاعة الشفعاء، وبشفاعة أرحم الراحمين جل وعلا. فخلاصة الأمر: أن هذا الميزان حق، كما ذكر الشيخ، وأهل السنة يؤمنون أنه ميزان له كفتان، وقد أنكره المعتزلة. وكما قلنا: أن الوزن ثابت في الكتاب والسنة، لكن الميزان جاء في السنة، ولهذا أنكره بعض البدع. وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بالميزان، كما قلنا في حديث البطاقة، أو حديث عبد الله بن مسعود. حديث عبد الله بن مسعود، حديث أيضاً صحيح، أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من أحد، في الميزان من أحد». وأيضاً يدل على الميزان حديث الذي ذكرنا، الذي أخرجه الإمام البخاري، وكذلك أخرجه مسلم: «يؤتى بالرجل العظيم»، وجاء في رواية: السمين، وجاء في رواية: الضخم، «يؤتى بالرجل الضخم العظيم يوم القيامة، فلا يزن عند الله مثقال ذرة»، وقرأ قوله جل وعلا: ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾، «لا يزن عند الله جناح بعوضة». فخلاصة الأمر: أن مذهب أهل السنة، مذهب أهل السنة، أن الميزان حق، وأن الذي يوزن فيه السجلات والأعمال، وكذلك يوزن حتى العاملون، حتى العاملون يوزنون في ذلك الميزان. فهذا خلاصة ما يذكر في مسألة الميزان. وأخذنا الصراط، إن شاء الله وتعالى في الدرس اللاحق نأخذ الحوض. نكتفي بهذا، والله أعلم.