الدرس في كتاب الصيام 8، ألقاها
يبدأ الحديث عن مفطرات الصيام وهي الأشياء التي تفسد الصوم وتفطره، مع التركيز على الأكل والشرب عمدا في نهار رمضان.
يتناول أحكام الأكل والشرب في رمضان، مبينا أن الأكل والشرب مباح حتى طلوع الفجر، وأن النسيان لا يفسد الصوم بينما العمد يفسده.
يشرح أحكام استخدام السعوط والإبر المغذية وقطر العين والأذن والأنف والكحل أثناء الصيام، ويحدد ما يفطر وما لا يفطر منها.
يناقش صحة حديث ليتقه الصائم ويخلص إلى أنه حديث ضعيف لعدم كون العين منفذا للطعام والشراب إلى الجوف.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- المسألة الثانية: مفطرات الصائم. قال: وهي الأشياء التي تفسد على الصائم صومه وتفطره. هناك أشياء تفسد الصيام وتبطله إذا وقع فيها الصائم أو فعلها بطل صومه، وفسد كغيرها من العبادات التي لها مفسدات ونواقض، فهناك مفسدات للوضوء، وهناك مفسدات للصلاة، وهناك مبطلات للحج، وهكذا أيضا الصيام له مبطلات، مفسدات، لا بد للصائم أن يجتنبها وأن يبتعد عنها. قال: ويفطر الصائم بفعل أحد الأمور التالية: الأول الأكل أو الشرب عمدا، لقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ فقد بيّنت الآية أنه لا يباح للصائمين الأكل والشرب بعد طلوع الفجر حتى الليل، أي غروب الشمس. الأكل والشرب عمدا، فقوله عمدا يخرج ما إذا كان نسيانا أو خطأ، فإن ما سيذكر من هذه المفسدات والمبطلات للصيام لا يحصل بها الإفساد للصيام إلا إذا وقعت على جهة العمد، وكذلك أيضا على جهة الذكر، إذا كان ذاكرا عامدا عالما، فهنا يفسد الصيام، وإما إذا وقعت على جهة الخطأ أو النسيان أو الجهل فإنه يُعذر. ولهذا قال هنا: الأكل أو الشرب عمدا، لأنه سيأتي إذا كان نسيانا أو خطأ فإنه لا يبطل صومه. الفطر بالأكل أو الشرب دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم على أن الأكل والشرب في نهار رمضان مفطر أو مفسد للصيام. والدليل قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ فالله جل وعلا أباح الأكل والشرب في ليالي رمضان وليالي الصيام حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، يعني حتى يطلع الفجر، هذه غاية الزمن الذي يباح فيه الأكل والشرب من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. فإذا طلع الفجر وجب الإمساك عن الأكل والشرب، ﴿وكلوا واشربوا حتى﴾ يعني الغاية التي بها ينتهي الأكل والشرب هو طلوع الفجر، ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ يعني استمروا في الإمساك إلى غروب الشمس. لأن ابتداء الليل يبدأ بغروب الشمس. وهذا من رحمة الله جل وعلا أن الله عز وجل نسخ الحكم السابق الذي كان قبل ذلك، وهو أنه من صلى العشاء أو نام حرم عليه الأكل والشرب إلى اليوم الثاني والليلة الثانية. كان هذا الحكم قبل كان من صلى العشاء أو نام حرم عليه الأكل والشرب ولو كان في أول الليل، ولو كان في أول الليل حتى الليلة التي بعدها. كما جاء في الصحيح «صحيح البخاري» أن أحد الصحابة جاء متعبا من عمله، فقال لمراته: هل عندك من طعام؟ قالت: أنظر لك. ذهبت تبحث له عن طعام، فلما جاءت وجدته قد نام، غلبت عيناه من التعب فنام، فأصبح صائما ما أكل شيء، فأغمي عليه في نهار اليوم الثاني، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بما حصل له، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ فأباح الله جل وعلا الأكل والشرب في ليالي رمضان بعد أن كان منهيا عن ذلك، لا يباح إلا قبل صلاة العشاء أو قبل النوم. والأكل والشرب يشمل كل شيء يأكله الإنسان من طعام وما يقوم مقامه، أو كذلك الشرب، كذلك يشمل شرب الماء، شرب العسل، شرب الدواء، وشرب المرق ونحو ذلك مما يشرب، وكله يحصل به الفطر. قال: أما من أكل أو شرب ناسيا فصيامه صحيح، ويجب عليه الإمساك إذا تذكر أو ذكر أنه صائم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. من نسي وهو صائم فأكل أو شرب، أكل أو شرب ناسيا أنه صائم، قال: «فليتم صومه» يعني صومه صحيح، صومه صحيح، لماذا؟ لأنه أكل أو شرب على جهة النسيان لا على جهة القصد والعمد. والله عز وجل يقول: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ ويقول جل وعلا: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت به قلوبكم﴾ فالإنسان يأخذ بما حصل منه على جهة العمد والقصد. فإذا أكل أو شرب ناسيا فهنا لا يفسد صومه، ويكون ما أكله أو شربه طعمة من الله جل وعلا، «فإنما أطعمه الله وسقاه» هذه طعمة من الله جل وعلا له. لكن إذا ذكر أو تذكر وجب عليه أن يمسك، إذا تذكر وهو في أثناء الأكل أو الشرب أنه صائم وجب عليه أن يكف وأن يترك، وما كان بفمه أخرجه. قال: ويفسد الصوم بالسعوط، وبكل ما يصل إلى الجوف ولو من غير الفم مما هو في حكم الأكل والشرب كالإبر المغذية. السعوط ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف، ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف يحصل به الفطر، لأن الأنف له منفذ إلى الجوف. والنبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث «لقيط بن صبرة»: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» يعني إذا كنت صائما فلا تبالغ، لماذا؟ خشيت أن يدخل الماء الأنف إلى الجوف. فالأنف له منفذ، ولهذا تجدون المريض أحيانا يدخل له الطعام عن جهة الأنف، يدخل له عن طريق الأنف. قال: ويفسد الصوم بالسعوط وبكل ما يصل إلى الجوف، يعني ما وصل إلى جوف الإنسان فإنه يحصل به الفطر ولو من غير الفم مما هو في حكم الأكل والشرب كالإبر المغذية. الإبر المغذية تصل إلى الجوف من غير طريق الفم عن طريق الوريد، فهي في معنى الأكل والشرب، ولهذا يحصل بها الفطر. المغذية التي يستعملها المريض أحيانا إذا مرض تركب له مغذية، هذه المغذية يحصل بها الفطر لأنها في معنى الأكل والشرب، وإن وصل هذا الغذاء عن غير طريق الفم. فإن المقصود هو حصول التقوية والتغذية، وهذا موجود في هذه الإبر المغذية. فإن كانت الإبر غير مغذية كإبر البنسلين ونحوها، هذه لا تفطر لأنها ليست في معنى الأكل والشرب. طيب استعمال القطر، قطر العين والأذن هل يحصل بها الفطر؟ الجواب: لا، لا يحصل بها الفطر، لأن العين والأذن ليست منفذا للطعام ولا منفذا إلى الجوف، فلا يحصل بها الفطر على الصحيح. الأنف تفطر، القطرة في الأنف تفطر، خاصة إذا وصلت إلى الحلق إلى الجوف. أما إذا لم تصل فلا يحصل بها الفطر. لأنه وضعه في أنفه ولم يجد لها مسلكا إلى الجوف، ولا يحصل بها الفطر. لكن الغالب أنها تمر من الأنف إلى الحلق إلى الجوف، فبهذا يحصل بها الفطر. لكن لو أنه ما وصلت، وضعت في الأنف فقط مثلا ولم تصل إلى الحلق، فإن شاء الله ما يحصل بها الفطر. طيب الكحل إذا استعمل الصائم الكحل، فالكحل يجوز للصائم أن يستعمله، وإذا لم يصل إلى حلقه شيء منه فهذا لا يضر بالإجماع، إذا لم يصل إلى حلقه شيء من الكحل لا يضر بالإجماع. وأما إذا وجد طعمه في حلقه، فاختلف أهل العلم، منهم من ذهب إلى أنه يفطر، واستدل بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ليتقه الصائم» في الكحل. قال: «ليتقه الصائم» ومن أهل العلم من قال: لا يحصل به الفطر ولو وجد طعمه في حلقه، وهذا القول هو الصحيح أنه لا يحصل به الفطر. وأما حديث «ليتقه الصائم» فهو ضعيف لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك أن العين كما سمعنا ليست منفذا للطعام والشراب للجوف. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.