كتاب التفسير من صحيح البخاري 307

كتاب التفسير من صحيح البخاري 307

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 307، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير سورة القارعة وأهوال يوم القيامة

يشرح المقطع معاني سورة القارعة التي سميت لتقريعها القلوب، ويصور حال الناس يوم القيامة كفراش مبثوث والجبال كعهن منفوش. كما يبين انتقالهم من التيه إلى اتباع الداعي وأن أرض الشام هي أرض المحشر والمنشر.

هجرة المؤمنين إلى الشام وحشر النار للناس

يسرد المقطع أصناف الناس الثلاثة الذين يهاجرون إلى أرض الشام رغبة أو رهبة قبل خروج النار، وشدة الزحام على الرواحل حتى يبيع الرجل ماله لاقتناء بعير واحد. ويصف مصير المتخلفين حيث تطردهم النار إلى أرض المحشر مع تصوير حال الناس كفراش مبثوث.

الميزان والشفاعة يوم القيامة

يصف المقطع تحول الجبال إلى عهن منفوش ثم تسويتها بالأرض، ويبين مصير الناس في الميزان: من ثقلت موازينه في عيشة راضية ومن خفت في هاوية النار. كما يذكر شفاعة المؤمنين لإخراج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان من النار.

رحمة الله بإخراج العصاة من النار ودخولهم الجنة

يُذكر أن الله يخرج من النار قوماً لم يعملوا خيراً قط برحمته، فيصيرون كالصخور السوداء ثم يُغسلون في نهر الحياة فيستعيدون هيئتهم ويصفون ليدخلوا الجنة. وهذا يدل على سعة رحمة الله وعفوه عن عباده.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والى بعده. قال الإمام البخاري رحمه الله: سورة القارعة. القارعة هي من أسماء يوم القيامة التي تقرع القلوب والأفئدة. وهذه السورة مكية باتفاق أهل العلم، وأيضا الكلام فيها أو مضمون هذه السورة مآل الفريقين يوم القيامة، وذلك اليوم الذي تقرع فيه القلوب. ﴿ الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴾. قال: كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضا، كذلك الناس يجول بعضهم في بعض. وهذا عند الحشر، فعندما يقوم الناس من قبورهم لا يدرون أين يذهبون، فلذلك مُثِّلوا بالجراد المبثوث أو الفراش المبثوث، وهو الجراد إذا كان منه كثير تجد بعضه يركب بعضا، هذا يذهب هنا وهذا يذهب هنا، ويحصل بينهما مثل التصادم. وهذا في بداية ما يقومون من قبورهم، ما يدرون أين يذهبون، لكن بعد ذلك يأتيهم الصوت: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ﴾، فيتبعون الداعي. ولهذا الله عز وجل أيضا وصفهم في قوله: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴾. وكلهم أيضا يقول الله عز وجل: ﴿ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴾. وقال الله عز وجل أيضا لما قال ربنا جل وعلا في أهل الظلم وأن لهم يوما: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ﴾. مهطعين مقنعي رؤوسهم، أي رؤوسهم قد خضعت، ينظرون رؤوسهم أخفقت إلى الأرض وأعينهم شاخصة إلى الأمام. مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم، أي طرف العينين لا يرتد بل شاخص، أعينهم ورؤوسهم مقنعة وهم ينظرون إلى أمامهم، ومفتوحة أعينهم شاخصة، معنى ما يدرون إلى أين يذهبون، يسمعون الداعي فيتبعونه ولا يذهبون يمنة ولا يسرة. وهذا قال بعض العلماء أنه عند القيام من القبور، وقيل أنه قبل عندما يحشرون في أرض المحشر، وعندما تقول تقيلهم النار. لكن الظاهر وهو قول أكثر المفسرين أن هذا بعد النشور، وأما قبل فهم تتبعهم النار، فالنار تطردهم تطردهم ويذهبون مع النار، وهذا من بقي منهم في تلك البلاد، وإلا فمن ذهب وقد خرج كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث: «يُبْعَثُ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَفْوَاجٍ، فَفَوْجٌ رَاغِبُونَ رَاهِبُونَ»، يعني يخرجون راغبين راهبين، راغب في أرض الشام أو راهب خوفا من الفتن فيذهب إلى أرض الشام. فأرض الشام هي أرض المنشر والمحشر كما جاء في الأحاديث، فثبتت من نصوص المتكاثرة أن أرض الشام هي أرض المحشر في الأرض. فلهذا الناس يذهبون فيها على ثلاثة أنواع: منهم من يذهب رغبة إلى مكان الخير فيذهب من قبل أن تأتي النار فيذهب إلى هناك ويجلس في الشام، وقد جاء في الحديث أيضا في الثناء على هؤلاء وأن عقل دار المؤمنين في ذلك الوقت هي أرض الشام، معقل الإيمان هي أرض الشام، فيذهب هؤلاء أهل الرغبة في الخير، يذهبون وكذلك أيضا أهل الرهبة الذين يخافون على أنفسهم وعلى أهاليهم فيأخذون أهاليهم ويذهبون. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ثُمَّ يَذْهَبُ الْوَاحِدُ عَلَى الْبَعِيرِ وَالِاثْنَانِ عَلَى الْبَعِيرِ وَالثَّلَاثَةُ عَلَى الْبَعِيرِ وَالْأَرْبَعَةُ» إلى أن ذكر العشرة على البعير، وتقل الرواحل، حتى ما يجد الإنسان راحلة. حتى جاء في حديث عبد الله بن مسعود عند الطبراني والبزار بإسناد صحيح: «أَنَّ الرَّجُلَ يَبِيعُ الْقَطْبَةَ» - القَطْبَةُ معنى الحديقة - «يَبِيعُ الْحَدِيقَةَ بِبَعِيرٍ» من قلة الرواحل، قلة الرواحل التي تأخذ الناس، فيبحث الرجل عن أي شيء يبيع، بيته يبيع حديقته، معنى البستان كله يبيعه لأجل أن يأخذ بعيرا واحدا، فيأخذ هذا البعير ويمشي به فيشترك مثلا معه اثنان ثلاثة أربعة بحسب ما يجده من أهله، معنى الظهر أنه يأخذ أهله معه، فأربعة يكونوا على البعير، عشرة يكونون على البعير واحد، يتعاقبون عليه حتى يصلون إلى أرض الشام. وأما بقية الناس الذين لم يذهبوا تأتي النار فتطردهم، تأتي النار إليهم فتطردهم إلى أرض المحشر، تبيت معهم وتقيل معهم، تبيت معهم وتقيل معهم. فلهذا وصفهم الله عز وجل ﴿ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ﴾. وقلنا هذا وقت كما قال العلماء وقت قيامهم من قبورهم لا يدرون أين يذهبون، ثم يأتيهم الصوت فيتبعون هذا الصوت، يتبعون الداعية لا عوج له، ثم إذا وصلوا إلى ذلك المكان وأرض المحشر خشعت الأصوات فلا تسمع إلا همسا. والهمس هذا هو صوت الأرجل عندما تمش، وليس أنهم يتكلمون، وإنما صوت الأرجل يسمع دقة الأرجل لما تمش، فيسمع ذلك فلا يسمع إلا همسا. ﴿ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴾. قال كالعهن، أي كألوان العهن. وقرأ عبد الله: ﴿ كَالصُّوفِ الْعِهْنِ ﴾، والصوف العهْنُ المنفوش، كَالصُّوفِ الْمُبْتَلِ الذي يتناثر. فالله عز وجل ذكر الجبال وذكر لها أصافا، ومعنى أنه يدك هذه الجبال، تندق هذه الجبال فتصير كثيبا مهيلا، وتصير كالعهن المنفوش. ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَّا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ﴾. عندما يندق الجبل يصير كالعهن، يصير كالصوف المتلبد مثل القطع كذا، ثم أيضا ثم تنسفه الرياح تذهب به هنا وهنا حتى يصير قاعا صفصفا، كأنه ليس هناك جبل في ذلك المكان، ﴿ لَّا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ﴾، ليس فيها رفعات ولا فيها عوجات، بل أرض مستوية. فتدق هذه الجبال وتسوى هذه الأرض، فوصفها الله عز وجل بأوصاف، وهذا كما ذكر العلماء بحسب تطور هذه الجبال، فتصير أولا كالعهن، ثم قال بعض العلماء: هذا لا دليل عليه، لكن سياق الآيات يدل على ذلك، معنى ما تكون قاعا صفصفا وكيف تكون عهنا وهي قاعا صفصفا، لابد أنها تكون عهنا ثم ينسفها ربي نسفا بهذه الرياح، تأخذها الرياح وتشتت هذا الكثيب الذي هو كالعهن حتى يصير مستويا في الأرض. فقال الله عز وجل: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ﴾، ثم ذكر سبيل الفريقين. فأما من كان ممن ثقلت موازينه وزادت حسناته على سيئاته فهذا في عيشة راضية في تلك الدار العظيمة. وأما من خفت موازينه وثقلت سيئاته على حسناته فإنه كما قال الله عز وجل: ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾، أي يسقط على أم رأسه في نار جهنم، العياذ بالله، إن لم تدركوا رحمة الله وشفاعة الله عز وجل وشفاعة الشافعين. وهذا الذي له حسنات وسيئات هو المؤمن الذي له حسنات وسيئات، هو المؤمن. وأما الكافر فليس له حسنات ولا سيئات، أقصد ليس له حسنات، كلها سيئات، حتى الحسنات ما تكتب له، ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا ﴾، ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ﴾، ما ينتفع من شيء من عمله، فأعمال هذه تذهب، ولو كانت أعمال خير مادام أنه مشرك وكافر، فلهذا فليس له حسنات وإنما هي سيئات فقط. وأما الحسنات والسيئات فتكون لأهل الإيمان، فمن نوقش الحساب عذب، فمن زادت سيئات على حسنات عذب، وقد يغفر الله عز وجل له فهو تحت مشيئة الله جل وعلا، وقد يعذب ويخرج بالشفاعة. لأن في الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يخرجون أناسا من النار قد دخلوا النار فيذهبون ويخرجونهم، فيحتج أهل الإيمان وهذا لصفاء قلوبهم حتى في الآخرة، يعني يجعل الله عز وجل قلوبهم صافية على إخوانهم، فيقولون: يا رب إن ناسا كانوا يصلون معنا وكانوا كذا وهم في النار، فيقول الله عز وجل الرب الرحيم سبحانه وتعالى: «اذْهَبُوا فَأَخْرِجُوهُمْ مِنَ النَّارِ، أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ»، أو قال: «مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ»، ثم قال: «أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ»، فيخرجونهم، ثم يقبض الله عز وجل قبضة من النار فيخرج أناسا لم يعملوا خيرا قط، وهذا من رحمة الله عز وجل بعباده، فيخرجونهم وقد امتحشوا، صاروا حمما، صار مثل الصخرة السوداء، فيصبغون في نهر الحياة فيرجعون كما يذهب ذلك السواد منهم، وأيضا يرجعون ويصطفون، ويدخلهم الله عز وجل الجنة. طيب، هذا ما يذكر بهذا المقام. الله تعالى اشتركوا في القناة