الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 34، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يؤكد هذا المحور على عدالة جميع الصحابة رضي الله عنهم واتفاق أئمة الإسلام على كونهم نقلة الوحي بالتواتر. ويبين موقف أهل السنة والجماعة في الترحم عليهم والكف عما شجر بينهم مع تشدد الإمام أحمد في ترك رواية من ينقص قدرهم.
يسلط الضوء على تعظيم الإمام أحمد بن حنبل للصحابة ورفضه رواية أو كتابة ما ينقصهم حتى أحرق الكتب التي تحتوي على طعن فيهم. ويؤكد علماء كابن تيمية والنووي حرمة سب الصحابة ووجوب مجانبة من يطعن فيهم وحرق كتب أهل الأهواء.
يقرر هذا المحور أن سب الصحابة من الكبائر المحرمة وقد يبلغ الكفر إذا كذب القرآن في ثنائه عليهم، مستعرضاً أقوال الأئمة بوجوب تعزير الساب وحبسه حتى يتوب. ويذكر أن أول من أظهر سب الصحابة هم الخوارج ثم الرافضة، مختتماً بوجوب حبهم والترضي عنهم.
يختتم المتحدث المجلس بالاكتفاء بما ذُكر من مباحث حول الصحابة وموقف أهل السنة منهم. ويختم بذكر دعاء كفارة المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فقد أخذنا في لمة در المنثور من القول المأثور الكثير من الأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح على فضائل الصحابة رضي الله عنهم، وهكذا أيضًا التحذير من سبهم والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم. وأخذنا في هذا الباب قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهكذا أيضًا قول الإمام أبي زرعة، وقول الإمام أبي عثمان الصابوني. والإمام أحمد رحمه الله تعالى عندما سئل عن الرافضي قال: هو الذي يشتم ويسب أبا بكر وعمر. قال المؤلف حفظه الله: قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة: من عرف حق السلف الذين اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وترحم على جميع أصحاب محمد صغيرهم وكبيرهم، وحدث بفضائلهم، وأمسك عما شجر بينهم، هذا ما اجتمع عليه العلماء في الآفاق». هذه صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة الذي ينتمي إلى الطائفة المنصورة الفرقة الناجية: يعرف حق السلف الصالح الذين اختارهم الله جل وعلا لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأيضًا يترضى ويترحم على جميعهم صغيرهم وكبيرهم، وإذا حدث عن أحد منهم ذكر فضائله. قال أبو عثمان الصابوني رحمه الله: «ويرى أصحاب الحديث الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبًا لهم ونقصًا فيهم، ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم». وهذا من ذلك أهل الحديث الذين يطلبون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. أهل الحديث يرون الكف عما شجر بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فما شجر بينهم كانوا على اجتهاد فيه، فمنهم المصيب الذي أصاب الحق، ومنهم من اجتهد فأخطأ فله أجر، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر». قال ابن حجر رحمه الله: «اتفق أهل الإسلام على أن جميع الصحابة عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة». هذا ما نقله الحافظ باتفاق أئمة الإسلام: أن جميع الصحابة عدول. والعدل هو الثقة الضابط السالم من الفسق وخوارم المروءة. هذا إنسان عدل، قال له عدل إذا سلم من خوارم المروءة وكان ضابطًا حافظًا فهو عدل. فالصحابة جميعهم عدول، فهم أولى بهذا الوصف لا شك ولا ريب، لأنهم صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاهدوا معه بأموالهم وأنفسهم. ولم يخالف في هذا أن الصحابة عدول إلا طائفة شاذة من أهل الأهواء والبدع كالرافضة، وهكذا أيضًا الخوارج. هؤلاء شذوذ من المبتدعة يرون أن الصحابة رضي الله عنهم ليسوا بعدول، وقولهم هذا شاذ. فهم ناقلة الأخبار، ناقلة الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومنهم أيضًا القراء الذين أقرأوا القرآن كعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وعثمان بن عفان، وغيرهم من الصحابة ممن كان يقرأ القرآن. ووصل إلينا كتاب الله جل وعلا بالتواتر. التواتر ينقله العدول، ينقله القراء، كل قارئ يقرأ عن شيخه بالإسناد المتصل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فعلى سبيل المثال قراءة حفص عن عاصم: قراءة حفص عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم. هكذا هذه القراءة التي نقرأ بها في الصلاة. فوصل القرآن بالتواتر، حمله الحفظة في صدورهم، وهكذا أيضًا دونوه. فابتدأ التدوين والجمع في عهد أبي بكر إلى عهد عثمان رضي الله عنه، وكتبوا تلك المصاحف المشهورة. كتب عثمان رضي الله عنه بعهده المصاحف، واهتموا بكتاب الله جل وعلا، وأجمعوا على ما في دفتي المصحف أنه من كلام الله سبحانه وتعالى، وأرسلوا إلى الأمصار: أرسلوا إلى الشام، وأرسلوا إلى العراق، وإلى مصر، وبقي أيضًا نسخة في المدينة، وأرسلوا إلى اليمن. وكذلك كان معهم الحفاظ لكتاب الله عز وجل، فجلس أبو الدرداء لإقراء القرآن، وجلس ابن مسعود لإقراء القرآن. فهم حملة للدين، عدول كلهم صحابة رضي الله تعالى عنهم، فلا يقدح فيهم إلا مبتدع. قال محمد بن علي رحمه الله: حدثنا مهنى، قال: سألت أحمد عن عبيد الله بن موسى العبسي، فقال: كوفي. فقلت: كيف هو؟ قال: كما شاء الله. قلت: كيف هو يا أبا عبد الله؟ يعني الإمام أحمد بن حنبل. هذا الرجل مهنى ممن يروي عن الإمام أحمد يسأل الإمام أحمد عن عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي. فقال: قلت: كيف هو يا أبا عبد الله؟ قال: لا يعجبني أن أحدث عنه. قلت: لما؟ قال: يحدث بأحاديث فيها تنقص لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لإمام أحمد لما ترك الرواية عن عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي لأنه كان يحدث بأحاديث فيها التنقص لأصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيدل على تعظيم الإمام أحمد رحمه الله للصحابة. وقد يكون هذا الرجل ثقة، يعني قد يكون ثقة، قد يكون صدوق، يعني حديث صدوق، حديث يقبل، قد يقبله علماء آخرون لا يدرون عنه مثلًا شيئًا من ذلك. لكن الإمام أحمد ترك الرواية عنه لأنه كان يروي أحاديث فيها التنقص من الصحابة رضي الله عنهم. قال حنبل رحمه الله: سمعت أبا عبد الله رحمه الله يقول: «أخرج إلينا غندر محمد بن جعفر» - محمد بن جعفر لقبه غندر، وهو ربيب شعبة - «قال: أخرج إلينا غندر محمد بن جعفر كتبه عن شعبة، فكتبنا منها». فوثب في شعبة يحدث غندر عن شعبة لأنه ربيب، كان يعرف ما يقول شعبة. قال: «كنت أنا وخلف بن سالم المخرمي، وكان فيها تلك الأحاديث» يعني التي فيها ذكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. «قال: فأما أنا فلم أكتبها، وأما خلف فكتبها على الوجه كلها». قال أبو عبد الله: «كنت أكتب الأسانيد وأدع الكلام». قلت: «قلت يا أبا عبد الله: لما؟ قال: لأعرف ما روى شعبة». قال أبو عبد الله: «لا أحب، لا أحب أن يكتب هذه الأحاديث التي فيها ذكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لا حلال ولا حرام ولا سنن». قلت: «أكتبها؟» قال: «لا، لا تنظر فيها، وأي شيء في تلك من العلم؟ عليكم بالسنن والفقه وما ينفعكم». انظروا إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ما ورع هذا الإمام وما أجله للصحابة! يجل الصحابة ويحب الصحابة، ولا يرضى أن يكتب حديثًا واحدًا فيه تنقص فيهم، حتى لو كان عند بعضهم أنه يكتب من العلم. ما يرضى الإمام أحمد رحمه الله مع أن محمد بن جعفر غندر يكتب ويروي عن شعبة. الإمام أحمد كان يكتب الأسانيد فقط ويترك الكلام، فإذا كان هناك فيه كلام في الصحابة رضي الله عنهم ترك ما يكتبه في مسنده. فهكذا ينبغي أن يفعل مع أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من التعظيم. تعرفون أنه حصل ما حصل بينهم، حصل وشجر بينهم من معركة صفين، وهكذا وقعت الجمل قبل صفين. حصلت هذه الأمور بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، حتى كانوا فريقين: فريق مع علي وهم أهل العراق، وفريق مع معاوية وهم أهل الشام. فخرجوا واختصموا، مع هذا جيش عظيم فيه صحابة، ومع الآخر جيش عظيم فيه صحابة، واختصموا فيما بينهم قتالًا شديدًا، وكانت الغلبة فيه لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، حتى لجأوا إلى التحكيم بعد ذلك، ورفعوا المصاحف لأنهم رأوا أنهم سيغلبون، فلجأوا إلى التحكيم. فما حصل بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم لا يروى ولا يحدث به، ويكف الألسن عنه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، لأنه زيد فيه وأنقص، وهكذا كذب فيه على الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لأنها أخبار ربما يرويها بعض الناس الذين ليسوا بثقات في الرواية. قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «كان سلام بن أبي مطيع أخذ كتاب أبي عوانة الوضاح، وأبو عوانة الوضاح فيه ذكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأحرق». فأحرق أحاديث الأعمش. تلك الأعمش كان فيه تشيع، ذكر عنه أنه كان يتشيع. والشيعة يختلفون، فمن الشيعة من كان يقدم عليًا على عثمان، وهم رواة يعني يروى لهم في الصحيح. قال: أعمش روايتهم في الصحيحين، في الكتب الستة يروى أحاديثهم، ولكنهم كانوا صادقين، كانوا ثقات أئمة، وعندهم حب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وتقديمه في الفضائل على عثمان. فبعضهم ذكر عنه أنه كان يتشيع، لكن العلماء نظروا في حديثه أنه لم يروي في الأحاديث ما يقوي مذهبه الذي يذهب إليه. فإذا لم يروي الراوي ما يقوي بدعته إذا كان مبتدعًا فإنه يقبل. فقد روي عن بعض المبتدعة، المبتدعة ممن كان يتشيع مثلًا، عنده شيء من التشيع. قال الفضل بن زياد رحمه الله: سمعت أبا عبد الله ابن حنبل، ودفع إليه رجل كتابًا في حديث مجتمع ما ينكر في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحوه، فنظر فيه ثم قال: «ما يجمع هذه إلا رجل سوء». وسمعت أبا عبد الله يعني الإمام أحمد كان من أشد الأئمة تغليظًا على من يكتب في مساوئ الصحابة أو فيما شجر بينهم، حتى وإن لم يذكر مساوئهم لكن يقول: حصل كذا وحصل كذا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان لا يعجبه ذلك ويشدد ويغلظ في هذا. وقال: وسمعت أبا عبد الله يقول: «بلغني سلام بن أبي مطيع أنه جاء إلى أبي عوانة فاستعار منه كتابًا كان عنده فيه بلايا مما رواه الأعمش، فدفعه إلى أبي عوانة» يعني الأعمش. «فذهب سلام به فأحرق». سلام بن أبي مطيع أحرق الكتاب الذي دفعه إليه الأعمش، وفيه تأييد لعلي بن أبي طالب لأنه كان يتشيع عن الأعمش رحمه الله. قال: «فذهب فيه بلايا». يقول: فذهب سلام به فأحرقه. وقال رجل لأبي عبد الله: «أرجو أن لا يضره ذاك شيئًا إن شاء الله». وقال أبو عبد الله: «يضره، بل يؤجر عليه إن شاء الله». يؤجر على هذا، على الإحراق. فكل ما كان فيه شيء فيه تنقص لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه فإن في إحراقه أجر إن شاء الله. وهكذا يدخل في ذلك كتب أهل الأهواء والبدع. كتب أهل الأهواء والبدع تحرق لأن فيها بلايا. فأنت إذا وجدت كتابًا لمبتدع قد علمت بدعته ويدعو إليها، فإنك تحرقه وتؤجر على ذلك. كتب الكفر، كتب الفلسفة، كتب الضلال، كتب السحر، كتب الشعوذة، كل هذه تحرق، ما تبقى أبدًا. كل ما فيه ضلال وانحراف عن كتاب الله وعن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالمبادر إلى إحراقه. قال أبو الحارث محمد بن أحمد الصائغ رحمه الله: جاءنا عدد ومعهم ذكروا أنهم من الرقة، فوجهنا بها إلى أبي عبد الله. هكذا العبارة: «ما تقول في من زعم أنه مباح لهم يتكلم في مساوئ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» فقال أبو عبد الله: «من أبو عبد الله؟ يا صالح، أبو عبد الله ما تعرف أبو عبد الله؟ نحن من الصباح قل من الظهر». وهكذا من بداية الدرس: من أبو عبد الله؟ عند عمر أحمد بن حنبل اتبه معنا. قال: فقال أبو عبد الله: «هذا كلام سوء، ردي، يجانبون هؤلاء القوم ولا يجالسون، ويبين أمرهم للناس». انظر هذا كلام سوء ردي لأنه ذكر فيه مساوئ أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيجب مجانبة هؤلاء ولا يجالسون أبدًا. قال العوام بن حوشب رحمه الله: «اذكروا محاسن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فتهنأ عليهم قلوب الناس، ولا تذكروا مساويهم فتحرشوا الناس عليهم». احذروا أن تذكروا أحدًا من الصحابة بسوء، تحرش الناس على الصحابة. بل الصحابة إذا ذكروا ذكروا بالجميل، فيذكر عنهم الجميل، يذكر عنهم الخير، يترضى عليهم ويترحم عليهم، لأنهم قد فاقونا في الفضائل والأعمال، فاقوا الناس كما تقدم في الحديث: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». ما تستطيع أن تصل في الأجر والثواب كفضل وثواب الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: الحرش: الخشونة، واحترش القوم: حشدوا. والمعنى: تورث العداوة والبغضاء، أي في قلوب العامة، لما تقول: الصحابة فعل كذا وكذا، وتتنقصه وتستهزي به وتحط من قدره. قال النووي رحمه الله: ما اسم النووي؟ عند من هذا السؤال: ما اسم الإمام النووي؟ يحيى بن شرف، الإمام صاحب شرح مسلم، صاحب المجموع، الإمام النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف رحمه الله. واعلم أن سب الصحابة رضي الله عنهم حرام، من فواحش محرمات، سواء من لابس الفتن منهم وغيره. يعني حتى لو من الصحابة من لابس الفتنة التي وقعت بين علي ومعاوية رضي الله عنهم، بين الصحابة، فإنهم كلهم عدول، ولا يجوز تنقص واحد منهم. فسب الصحابة حرام، من فواحش المحرمات. قد ذكرنا تفصيل أهل العلم في ذلك أنه قد يصل به إلى ماذا؟ إلى الكفر بالله سبحانه وتعالى، إذا كذب كتاب الله عز وجل في الثناء عليهم. قال الإمام أحمد رحمه الله: «إنه يجب على السلطان تأديبه، تأديبه من سب الصحابة وعقوبته، وليس له أن يعفو عنهم، بل يعاقبه ويستتيبه: أن تب من هذا الذنب». هذا واجب على ولاة الأمور أنهم إذا علموا رجلًا يسب الصحابة أن يؤدبوه ويعزروه ويعاقبوه في الحبس، السجن، وهكذا أيضًا بنحو ذلك من العقوبات حتى يتوب. مستتاب: احفظ لسانك من أن تقع في أحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى عليه وسلم، وهم ليسوا كغيرهم. احذر، انتبه: إذا كان سب المسلم ما يجوز، سب المسلم حرام، ما يجوز أن تسب مسلما وأن تتنقصه وأن تعيبه، فكيف بمن هم حملة هذا الدين؟ وكيف بمن اختارهم الله جل وعلا لصحبة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ قال إسحاق بن راهويه رحمه الله: «من شتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعاقب ويحبس، وهذا قول كثير من أصحابنا». هذا قول العلماء أنه يحبس وأنه يعاقب إذا وقع في سب أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإنما عالة رافضة في زمان في بعض البلاد كمصر مثلًا في فترة، حتى أعلنوا سب الصحابة، لما استولى الفاطميون أولاء أعلنوا سب الصحابة من على المنابر، لما استولوا وقامت لهم تلك الدولة العبيدية، قام عبيد الله القداح، قامت لهم تلك الدولة في مصر، أعلنوا على المنابر سب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وتنقصوهم. ولكن الله عز وجل بعد ذلك أزالهم، أزالهم وغلبهم ربنا سبحانه وتعالى بصلاح الدين الأيوبي، فأزال ملكهم. فبقوا إلى القرن الخامس حتى جاء الإمام العادل صلاح الدين الأيوبي وفتح القدس، بيت المقدس، ثم سار بجيشه وهزم هؤلاء العبيديين وأزال ملكهم، وأظهر الترضي على أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأعلى الله به السنة. قال الشاطبي رحمه الله: «وأصل هذا الفساد يعني سب السلف من قبل الخوارج، فهم أول من لعن السلف الصالح وكفر الصحابة رضي الله عن الصحابة، وبمثل هذا كله يورث العداوة والبغضاء». إذن أول من أظهر هذا الفساد وهو سب الصحابة هم الخوارج، لأنهم خرجوا على عثمان وهم الذين قتلوه في الدار. فهم الذين اجتمعوا وكانت بدايتهم في مصر، فأظهروا الولاء لأهل البيت، ثم ساروا وأظهروا للناس أنهم يريدون الحج، يريدون الحج، حتى وصلوا إلى المدينة وأحاطوا بالدار، وبعد ذلك دخلوا على عثمان. كان الصحابة متواجدين، وكان بإمكانهم إزالتهم وإبادتهم، كان بإمكان الصحابة، الصحابة رجال أشداء وأقوياء، ما يهابون ولا يخافون. لكن عثمان رضي الله تعالى عنه قد سمع تلك الأحاديث وأنه سيقتل وأنه سيموت شهيدًا، وأنه قد رأى تلك العلامات، وأنه لا يريد أن ترى قدم في المدينة بسببه، فترك الصحابة بعد ذلك هذا الأمر. وإلا كان هناك صحابة دافعوا عن عثمان وجاءوا يقاتلون كابن عمر وكذلك أبي هريرة وغيرهم قد كانوا متواجدين في المدينة، ولكن عثمان رضي الله عنه رفض ذلك وترك هؤلاء. فدخلوا عليه الدار فقتلوه بعدما وعظهم ونصحهم، لكن هؤلاء لا يتعظون، هؤلاء الخوارج لا يتعظون. مهما صدرت عليهم من الأدلة من الكتاب والسنة فإنهم لا ينتهون ولا يتعظون، لأن فكر خبيث، فكر الخوارج فكر خبيث. فليحذر المسلم من انتهاج هذا الفكر. قال حفص بن عمر بن رفيع رحمه الله: «كنا جلوسًا عند أبي الوليد عبد الملك بن جريج رحمه الله، فإذا برجل من هالي باذان يقال له فلان أتاه، فقال له: يا أبا الوليد، من الرافضي بين الناس؟ قال: من يرفض أحدًا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وكرهه». هذا كلام سديد، ليس فقط الرافض الذي سبه أبا بكر وعمر، بل كل من رفض أحدًا من أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام وكارهه فإنه رافضي. فإنه رافضي، لماذا يرفض هذا الصحابي الجليل؟ أصحاب كلهم عدول، كلهم مثنى عليهم، ثنى عليهم، كلهم ترضي عنهم، رضي الله عنه، لا استثناء، سواء ممن أسلم قبل الفتح وقاتل وأنفق، أو كان كذلك بعد الفتح أسلم وقاتل وأنفق، سواء كان من بايع تحت الشجرة، أو من بايع النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، سواء كان من دخل قبل فتح مكة في الإسلام وصحب النبي عليه الصلاة والسلام، أو كان بعد فتح مكة. فإذا ثبتت له الصحبة ثبتت له الفضيلة وثبتت له العدالة. قال: سئل أبا عبد المجيد عبد العزيز بن أبي رواد رحمه الله: من الرافضي؟ قال: «الرافضي من كره أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أو كان له على عيب، على عيب سوء، أو كان له على عيب سوء». يعني يعيبه ويتنقصه ويكرهه ويبغضه، كما تفعل الرافضة تكره الشيخين، وأيضًا تكره معاوية رضي الله عنهم. قال أبو قلابة وهو عبد الله بن زيد الجرمي رحمه الله: «إذا ذكر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فأمسك». وهذا قد تقدم نحو هذا الأثر، أن يمسك المسلم لسانه ويحفظ لسانه عما كان بين أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. خلاصة هذا الباب العظيم الذي ذكره المؤلف وانتهينا منه بحمد الله تعالى: أن المسلم السني الذي ينتمي وينتسب إلى أهل السنة والجماعة، أنه يحب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ويترضى عليهم، ويترحم عليهم، ويذكر فضائلهم في دروسه، في خطبه، في مجالسه، ويذكر الثناء عليهم، ويكف لسانه عن الطعن فيهم وغمزهم أو تنقصهم أو سبهم. بل وإذا رأى ذلك من أحد يسجره كما زجر الإمام أحمد رحمه الله تعالى، يسجره ويحذره من الوقوع في أعراض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لأنه سيقع في كبيرة من كبائر الذنوب، حرام، فاحشة من أكبر الفواحش. يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى، وأكد تقدم قول شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى في أولئك الذين يسبون الشيخين ويكفرون الشيخين، فيحذر الشخص من ماذا؟ من أن يكون فيه صفة مشابهة للرافضة. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. الحمد لله رب العالمين.