كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات 5

كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات 5

الدرس في كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أحكام تحمل الشهادة وأداؤها

يبيّن المقطع الفرق بين تحمل الشهادة كفرض كفاية وأدائها كفرض عين، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. كما يوضح حالات وجوب الأداء دون طلب وحكم المبادرة بالشهادة قبل الاستشهاد.

شروط صحة الشهادة وطرق العلم بها

يشترط في الشهادة أن تكون عن علم ويقين لا عن ظن، وتتحقق المعرفة بالرؤية المباشرة أو السماع من المشهود عليه أو الاستفاضة في الأمور العامة. ويُعرف العدل بأنه من رضيه الناس لأمانته.

شروط الشاهد: العدالة والبلوغ والعقل والكلام

يستعرض المقطع شروط قبول الشهادة بدءاً بالعدالة ثم البلوغ مع خلاف في شهادة الصبيان، ويليها العقل والكلام مبيناً حكم شهادة الأخرس وتطور فهم الإشارات حديثاً. كل شرط مدعوم بالدليل الشرعي.

شروط الشهادة وحيلة الشاهد المختبئ

يروي الشيخ قصة إشاعة أفرغت المسجد ثم يبين شروط الشهادة: الإسلام، العدالة، والضبط. ويذكر فتوى ابن عثيمين بجواز اختباء الشاهد ليسمع إقرار المدين ثم يشهد به عند القاضي لاستخراج الحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه "منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين": قال: "وتحمل الشهادة في حقوق الآدميين فرض كفاية، وأداؤها فرض عين". قوله: "وتحمل الشهادة في حقوق الآدميين فرض كفاية"، بمعنى: لو طُلب منك أن تشهد فهذا فرض كفاية، بمعنى: إذا شهد اثنان سقط الإثم عن الآخرين، فلا يلزم من كل أحد أن يشهد، فيكفي في الشهادة من تقوم به الشهادة، لقوله الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ [البقرة: 282]. فإذن هنا الأمر بالإشهاد، فيكفي أن يقوم به البعض. وأداؤها فرض عين. وما الفرق بين التحمل والأداء؟ التحمل هو بمعنى تحمل الشهادة، بمعنى: أنك تكون من الشاهدين على هذا الأمر وعلى هذه الحادثة، تحملت هذه الشهادة. والأداء: إبلاغ هذه الشهادة، الأداء من الإبلاغ، بمعنى: إذا احتُيج إلى أن تؤدي هذه الشهادة فإنك تؤديها، فهذا فرض عين. الأداء فرض عين، لماذا الأداء فرض عين؟ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ [البقرة: 283]. ولماذا خص القلب هنا بالإثم؟ لأنه موضع العلم بها، موضع العلم بالشيء يكون بالقلب، لأن هذا هو اليقين، وهذا هو اليقين، والشهادة لا بد أن يكون فيها اليقين. فقوله: ﴿ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾، هذا دليل تحريم كتمان الشهادة. فإذا فُرض عين عليك أن تؤديها، خصوصًا إذا لم يرجع الحق إلى أهله إلا بها، إلا بها. أما إذا وجد أكثر من شاهد وأُكتفي ببعض الشهود، فهنا لا تكون فرض عين. لكن متى تكون فرض عين؟ إذا لم تشهد سقط الحق. هذا أولاً. ثانيًا: لأن الشهادة أمانة، الشهادة أمانة، فلزم أداؤها كسائر الأمانات، كسائر الأمانات. وقد أمر الله عز وجل بأداء الأمانات، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 27]، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 58]. هذا يدخل في عموم هذه الآيات، فلذلك كان الأداء فرض عين. وكذلك الامتناع عن الشهادة لربما يكون سببًا لضياع الحقوق، ولا يجوز أن يتسبب الشخص في ذلك. نعم، واشترط العلماء في كون أداء الشهادة واجبًا أن يُطلب منه، أن يُطلب منه هذه الشهادة. أما إذا لم يُطلب منه فلا تجب، إلا في حالة واحدة. قالوا: يعني مثلاً أنت الآن تحملت شهادة، طيب، ثم وقعت قضية وما طُلب منك، ما قيل لك: تعال اشهد، فهذا لا يكون واجبًا عليك إلا في حالة واحدة، تكون واجبًا عليك، ما هي هذه الحالة؟ وإن لم يُطلب منك، إذا كان صاحب الحق لا يعلم عن هذه الشهادة. مثلاً على سبيل المثال: أنت شهدت لزيد أن هذه السيارة له، وإنما أخذها عمر أخذها عمر من أجل أن يستخدمها استعارة. طيب، فمات زيد، فجاء الورثة عند عمر وقالوا له: هذه السيارة سيارة أبينا. قال: لا، هذه السيارة أنا اشتريتها منه كذا، يعني وما معهم شهادة ولا بينة، ولا يعلمون، لا يعلمون أن مثلاً أحمد من الناس كان شاهدًا، كان شاهدًا على أن زيد أعطى عمر هذه السيارة استعارة وليس بيعًا. طيب، فهنا يجب على أحمد من الناس أن يذهب ويشهد، ولو لم يُطلب منه، لأن الورثة لو كانوا يعلمون أن أحمد من الناس عنده علم لاستدعوه، صح؟ لكنهم ما يعلمون، ما يعلمون. فهنا يجب عليه أن يدلي بالشهادة وإن لم يُطلب منه، لأن صاحب الحق لا يعلم بشهادته، لا يعلم بشهادته. مثال آخر: لو نسي مثلاً، زيد أعطى عمر السيارة، طيب، أعطى عمر السيارة كاستعارة، وأشهد على ذلك، ومرت فترة، ثم طالب زيد السيارة من عمر، فعمر أنكره وقال له: إنما أنت بعت لي هذه السيارة. يقول: لا، أنا ما بعتها لك، أنا أعطيتك إياها استعارة. رفعا عند القاضي، قال له: هل معك شهود؟ قال: نعم، أنا عندي شهود، لكن نسيت منهم، ما أدري منهم، هؤلاء الذين شهدوا نسيتهم. فإذا علم الشاهد بذلك يجب عليه حينئذ أن يأتي ويشهد، لماذا؟ لأن هذا فيه تضييع للحقوق. واضح هذا الآن. أما إذا لم يُطلب منه فهذا لا شيء عليه، فهذا لا شيء عليه. نعم، قال: "ويشترط...". وهنا مسألة في مسألة استحباب الشهادة: هل يستحب أن يأتي الشاهد ويشهد بدون أن يُدعى أم لا؟ هذا إذا كان مثلاً لم يُستدعَ، ويعلم، يعلم صاحب الحق أن فلانًا وفلانًا وفلانًا شهود، لكن ما استدعاهم. فهل يستحب للشاهد، يستحب للشاهد أن يذهب ويدلي بشهادته ولو لم يُستدعَ؟ فهنا اختلف العلماء في ذلك. منهم من قال: هذا مذموم، لحديث: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، قال: «ثم يأتي بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون»، يعني: يشهدون دون أن يُطلب منهم الشهادة، دون أن يُطلب منهم الشهادة. وذهب قوم كذلك من أهل العلم أن هذا ممدوح وليس بمذموم، أن يذهب الإنسان لإدلاء الشهادة وإن لم تُطلب منه، وإن لم تُطلب منه. واستدلوا بحديث في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال... وهذا الحديث كما ذكرنا في صحيح مسلم، من حديث زيد بن خالد الجهني: «ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها»، الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها، يعني: قبل أن يُطلب منه أن يشهد، فهذا هو من خير الشهداء، من خير الشهداء. والصحيح في هذه المسألة جمعًا بين الدليلين: إن كان المشهود له لا يعلم بالشهادة، لا يعلم بالشهادة، فإن الشاهد يؤديها وإن لم يُسألها، فالحديث يحمل على ذلك، يحمل على من عرف بهذه القضية ولا يعلم به، فيذهب ويسبق في الإدلاء بالشهادة. نعم، ويحمل حديث: «ويشهدون قبل أن يستشهدوا»، يعني أنهم... نعم، فهؤلاء يسبقون. ولو لم يكن الناس بحاجة إلى هذه الشهادة، لم يكن الناس بحاجة إلى هذه الشهادة، وهم يعلمون أن هذا شاهد، لكنهم ما يحبون أن يكون شاهدًا، مثلاً وهو يأتي ويشهد دون أن يُطلب منه، فهذا هو المذموم. فإذن المذموم هو الذي يأتي يشهد قبل أن يُطلب منه، ولا يحب صاحب الحق أن يشهد هذا الشخص. وأما الحديث الثاني، حديث مسلم، فهذا يحمل على: إذا كان المشهود له لا يعلم بالشهادة، أو تأخر عن استدعاء هذا الشاهد، فتقدم هذا الشاهد وأدلى بشهادته قبل أن يُسأل، فهذا هو خير الشهداء، والله أعلم. قال: "ولا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه، إلا بما يعلمه". بمعنى: لا يجوز أن يشهد بالقرينة أو بالظن، بغلبة الظن، بل لا بد بما يعلمه يقينًا، لأن الشهادة لا تسمى شهادة إلا إذا كانت عن يقين، لقوله الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [الزخرف: 86]، ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أي يوقنون. فلا بد من الشهادة من اليقين. فمثلاً: فلان سرق من الناس، طيب، فجئ به وقيل: وأنت سرقت؟ قال: أنا ما سرقت. خلال صاحب الحق، أهل عكبية، أن هذا سرق، تقول: نعم، فلان. أوتي بفلان، ها، هل رأيت فلان يسرق؟ قال: لا، رأيته بس، فقط، يعني يمشي في الطريق. يعني هل هذه، يعني جعلها قرينة؟ هل هذا يكفي؟ ها، هذا ما يكفي، لأنه ما رآه وما سمعه يسرق. واضح، فهذه لا تجوز الشهادة. لا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه. أما بالقرينة يشهد بالقرينة لأنه شاف يمشي في الخط، ها؟ أو مثلاً يقول: أظن أن شكله الذي رأيت معه المال شكله هو، هو، ما تأكدت من شكله لكن أظن أنه هو. هذا أيضًا لا تعد شهادة. واضح، فالشهادة لا بد فيها من العلم، ولا بد فيها من اليقين. فهذا معنى قوله: "ولا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه". ثم ذكر المؤلف طرق هذا العلم: كيف تعلم وتتيقن من الشهادة؟ بطرق، من هذه الطرق: أولاً: قال: "برؤية". قال هنا: "برؤية"، بمعنى: أنه رأى بعينه أن فلانًا مثلاً يسرق، أن فلانًا مثلاً يسرق. واضح، فهذا لا شك أنه علم. قال: نعم، رأيته يأخذ المال، وأن المال خرج به من البيت بيده. إذن رأى بعينيه، هنا فهنا تصح شهادته لأنها برؤية. أو سماع من المشهود عليه، مثل أن يسمعه مثلاً، يعني فلانًا مثلاً جاءت امرأته وقالت: يا سيادة القاضي، زوجي طلقني. فأنكر الزوج، قال: أنا ما طلقتها. فقال القاضي للزوجة: أمعك شاهد؟ قالت: نعم، فلان. جاء فلان، قالوا له: أنت تشهد أن فلانًا طلق فلانة؟ قال: نعم، سمعته يقول لها: أنت طالق. إذن هنا السمع، هذه شهادة. طيب، أو سمعه مثلاً استأجر منه أو اشترى منه سيارة، سمع ذلك أن فلانًا يقول: بعت لك هذه السيارة، فأخذها فلان باعتبار أنه باعها له بكذا وكذا. طيب، فيأتي البائع ويقول: أنا ما بعت له هذه السيارة، إنما أعطيته إياها استعارة. فيدعي يقول: أبدا، باعها لي، ومعي شاهد. من هو الشاهد؟ فلان. جاء بفلان، أنت تشهد أن فلانًا باع السيارة لفلان؟ قال: نعم، سمعته، سمعته يقول له: بعت لك هذه السيارة بكذا وكذا. إذن هذه الشهادة هنا عن علم، أو ليست عن علم؟ لأنها بسماع، لأنها بسماع. واضح هذا؟ نعم. قال: "أو استفاضة يحصل بها العلم، يحصل بها..." نحن قفزنا على شيء ما نبهتموني عليه: "والعدل هو من رضيه الناس". ما هو عندكم هذا؟ لماذا ما تكلمتم؟ طيب، نشرح هذا ثم نعود إليه. هذه مهمة الفقرة: "والعدل هو من رضيه الناس". هذا فيه شروط الشاهد، سيأتي معنا إن شاء الله ذكر تلك الشروط، تلك الشروط. طيب، ننتهي من هذا. أول شيء: قال: "أو استفاضة يحصل بها، أو استفاضة يحصل بها العلم في الأشياء التي يحتاج فيها إليها كالأنساب ونحوها". الاستفاضة: أي الشيء الذي اشتهر بين الناس، اشتهر بين الناس واستفاض أمره بين الناس، بين الناس. مثل ماذا؟ مثل الأنساب، يعني: انتشر الخبر وشاع أن فلانًا من آل فلان. ما أحد يعني رأى أمه أو أبوه وهو أنه من آل فلان، لكن اشتهر أن هذا من آل فلان، نسبوه من آل فلان. طيب، أو أن فلانًا هذا مثلاً جاء إلى اليمن وجلس عشرين سنة، ثلاثين سنة، وهو من إندونيسيا. طيب، فحصلت قضية وقال لهم: أنا لست من هذا البلد، أنا من إندونيسيا. فقيل له: أين الشهود؟ قال لهم: والله الناس كلهم يعرفون عني من إندونيسيا. شيء هذا مستفيض. لجأ بزيد من الناس: أنت تشهد أن هذا من إندونيسيا، رأيته لما جاء في الطائرة وكذا؟ لا، ما سيسألوه هكذا. صح، سيقول: والله هذا جاء من زمان، والناس معروف عندهم أن هذا من إندونيسيا. إذا هذا شيء مستفيض، صح، شيء مستفيض. طيب، أبو طاهر مثلاً، كم سنين في اليمن؟ هل أحد يعرف أنه مهو من كندا؟ كل الناس يعرفون. ها، شوية من تشكير، يقول: لا لا، لكن الأخوة والناس وكذا يعرفون أنك من هذه البلاد. هذا شيء مستفيض، شيء مشهور، يعني شيء مشهور وواضح. فهذا معنى الاستفاضة. فلا يشترط في الاستفاضة أن تكون برؤية، أنه رآه لما جاء في الطائرة ومطار وكذا، يقول لهم: يشهد أنه جاء في المطار واستقبله الناس. لا، ما يلزم هذا، وإنما شيء اشتهر واستفيض، فهذا يكفي، فهذا يكفي. تسامعون الخبر بعضهم ببعض، أن هذا من نسب كذا، أو أن هذا من بلد كذا، فهذا هنا يكفي. والاستفاضة لا تقبل إلا فيما يتعذر علمه في الغالب بدونها، مثل الأنساب. الأنساب في الغالب أنه يتعذر العلم بها إلا لمن عنده علم، لكن لمن لا عنده علم، يعرفون الناس الآن يعرفون فلانًا من آل فلان، فلانًا ينتسب إلى آل فلان، صح، هذا من قبيلة كذا، وهذا من قبيلة كذا. لكن هل عندهم علم بمعنى أن هذا فعلا وجدنا نسبه مكتوب إلى كذا وكذا، وكل من في النسب من الثقات؟ وهذا صعب، هذا أمر صعب. واضح، لكن هذا يعلم بإيش؟ يعلم بالاستفاضة. ومثله الولادة، مثله الولادة. فالولادة مش كل أحد يشوف المرأة لما تضع ولدها وأن هذا ابنها، لا، هذا شيء يشتهر أن فلانًا ابن فلان. صح، هذا الأصل. أما مسألة: هل هو فعل ابنه أو ليس ابنه؟ ما يستطيع أحد أن يجزم، قد يكون من الزنا، صح، لكنه نسب إليه، والناس ما يعرفون ذلك، فهم يجعلون هذا ابنه. هذا شيء مستفيض واشتهر. كذلك في الموت، وهذا يقع في الموت في مسألة الإرث خصوصًا إذا كان فيه مناسخات، فلا يعلم من السابق ومن اللاحق. لأنكم تعرفون: إذا مات الابن قبل أبيه فليس له من إرث أبيه شيء. صح، ونحو ذلك من المسائل. طيب، فمثلا لو ادعى إنسان أن أباه مات بعد جدّه، وأن أباه يرث من جدّه، فجاء الناس قالوا: أبدا، نحن نعلم أن الجد مات متأخرًا. شيء مستفيض، هذا شيء معروف عند الناس، وأن هذا الابن مات متأخرًا. طيب، لو جاء إنسان وقال: أنت كنت حاضر لما مات هذا الابن؟ هو ما كان حاضر، هو كان ربما في عالم الغيب، لكن الناس تناقلوا أن فلانًا مات قبل فلان، واستفاض هذا الشيء بين الناس. واضح، فهنا يعمل بهذه الاستفاضة، يعمل بهذه الاستفاضة، وإن لم يحضر الحادثة أحد من الناس، وإن لم يحضر الحادثة أحد من الناس. فبمجرد أن الشيء استفاض واشتهر بين الناس، فهذا يعد من الشهادة، فهذا يعد من الشهادة. طيب، ثم قال المؤلف: "والعدل"، ويشترط أن يكون الشاهد عدلًا ظاهرًا وباطنًا، والعدل هو من رضيه الناس، لقوله تعالى: ﴿ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ﴾ [البقرة: 282]. هذا الكلام الآن على شروط الشاهد، على شروط الشاهد. فالشاهد لا بد أن يكون له شروط. أول شرط كما ذكر: أن يكون عدلًا، للآية التي ذكرها، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ﴾. والعدل هو من رضيه الناس، أي: من رضي الناس به شاهدًا لأمانته، لأن الإنسان يشتهر بين الناس بالأمانة، بالصدق، بالخير، بالديانة، فالناس ما يرضون إلا الصادق الأمين، الصح، فهذا هو الذي يكون شاهدًا. وقد قال المؤلف في كتابه "بهجة القلوب" في تعريف العدل هنا: "بمن رضيه الناس"، قال: "وهذا أحسن الحدود، ولا يسع الناس العمل بغيره". أفضل الحدود في معنى العدل: وهو من رضيه الناس، كما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في بناء الكعبة، لما قال قريش: اختلفوا في وضع الحجر الأسود، قالوا: إذن يحكم بيننا أول من يقبل علينا. فمن أقبل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذا الصادق الأمين. رضيوا به لأنه مشهور بين الناس بذلك. صح، فإذن من رضيه الناس في صدقه وأمانته ودينه، فهذا هو الذي يكون شاهدًا، هذا الذي يكون شاهدًا للآية، للآية. وهذا هو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية. وبعضهم ذكر أن العدل هو يعني صاحب الدين، وهو بمعنى من رضيه الناس. فكلمة "رضيه الناس" كلمة عامة، يدخل فيها صاحب الدين، الذي لما عنده دين ما يرضاه الناس أن يكون شاهدًا، لأنه سيكون لا شك عنده شيء من الخيانة أو من الكذب أو من كذلك التلاعب أو نحو ذلك. ثم ذكر العلماء شروطًا أخرى للشاهد، لا بأس أن نستعرضها استعراضًا. فمن تلك الشروط: أن يكون كذلك بالغًا، واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ﴾ [البقرة: 282]. قالوا: والصبي لا يسمى رجلًا. ثم الصبي ربما لا يتحمل الشهادة تحملًا صحيحًا لنقص عقله، فلذلك لا يكون الصبي شاهدًا. والمراد هنا: أن لا يُقبل أداؤه وهو صغير للشهادة. لكن لو تحمل الشهادة وهو صغير، ثم لم يؤدها إلا بعد أن بلغ، فهنا تصح شهادته. واضح؟ التحمل لم يشترط فيه البلوغ. إيش معنى التحمل؟ مثلاً على سبيل المثال، على سبيل المثال: مثلاً ولد سنه عشر سنوات، اسمه زيد، سمع هذا، زيد، رجلًا يقول لآخر: بعت لك هذه السيارة. فقال ذاك: خلاص، قبلت. ومضت السنين، مرت عشر سنوات أخرى، فبلغ زيد عشرين سنة، الآن بالغ، تمام. فحصل خصام بين الرجل، ومن باع للسيارة، فالذي باع أنكر، قال: أنا ما بعت لك السيارة، أنا فقط أعطيتك إياها استعارة. وذلك يقول: أبدا، أنت بعت لي السيارة. فقالوا: هل معك بينة، يا من تدعي أنه باع لك السيارة؟ قال: نعم، كان ولد صغير اسمه زيد. قيل له: وزيد أين زيد هذا؟ قال: هذا الكلام قبل عشر سنوات، الآن قد عشرين سنة. إذن هنا يستدعى زيد، فإذا أدى هذه الشهادة فشهادته صحيحة، مع أنه تحمل الشهادة متى؟ في صغر. لكنه طالما أنه ضابط للشهادة وهو بالغ الآن وأداها، فإذا تقبل حينئذ شهادته، صحت شهادته. واضح. واختلف العلماء في شهادة الصبيان في الأمور التي لا يطلع عليها إلا الصبيان. أحياناً أمور، مثلاً: مضاربة بين الأطفال في مكان لعب، في ملعب كرة، ما يراهم أحد. فأحد الأطفال مثلاً كسر سن طفل آخر. طيب، وكان هناك أطفال يرون، شهود. ها، فقيل: أن محمدًا الولد الصغير كسر سن أحمد. فأهل أحمد يريدون حق. كيف؟ هذا الولد أنكر، قال: أنا ما هو، أنا اللي كسرت سنه. وهذا كثير في الأولاد، الكذب، صح. فجاء طفل آخر وقال: أبدا، محمد هو الذي كسر سن أحمد. جاء زيد من الأولاد وقال: نعم. وجاء آخر من الأولاد قال: نعم، هذا هو الذي كسر سن. هل تقبل شهادتهم أم لا؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء. فمن العلماء من يرى أن شهادته لا تقبل مطلقًا، شهادة الطفل هذا لا تقبل مطلقًا، سواء كانت شهادته على الكبار أو شهادته على الصغار. وهذا قول الجمهور من الحنابلة والشافعية والحنفية. وذهب الإمام مالك وبعض أهل العلم أن شهادتهم تقبل فيما لا يطلع عليه إلا الصبيان، فيما لا يطلع عليه إلا الصبيان، مثل ما ذكرنا: مكان خاص بالأولاد الصغار. طيب، وشهدوا قبل الافتراق، يعني: شهدوا على هذا قبل أن يفترق الأطفال، ما زالوا في هذا المكان، ما زالوا في هذا المكان. فجاء مثلاً إنسان كبير أو ناس كبار، وشهد هؤلاء أن فلانًا هو الذي كسر سن فلان، تضاربوا وكسر سنه. فيرى الإمام مالك أن الصبي في هذه الحالة يؤخذ بشهادته، يؤخذ بشهادته، ويرجح هذا الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله. قالوا: حفاظًا على الدماء والحقوق التي تقع بين الأطفال، فلو لم يقبل قول بعضهم لأهدرت دماؤهم وجراحاتهم، فقالوا بذلك. وهذا القول، والله أعلم، هو أقرب، خصوصًا إذا كان الشاهد ليس طفلًا واحدًا، ثنين أو ثلاثة أو أربعة. فهنا يتعذر في الغالب أن يتواطؤوا على الكذب، أن يتواطؤوا وهم أطفال على الكذب. فإذا كان، فإذا كان الأمر كذلك بهذه الشروط: أن يكون في مكان أطفال فقط، لم يرَ إلا الأطفال، وأن تكون هذه الشهادة قبل التفرق، لأن بعد التفرق قالوا: ربما يضغط أحد الأطراف على الأطفال، يقولون: اشهدوا معنا، صح، اشهدوا معنا. لكن لما يكون في نفس المكان، ما أحد يملي عليهم، ما أحد يملي عليهم، فالغالب أنهم يأتون بالصواب وبما رأوه. واضح هذا الآن. فبهذه الشروط إذا توفرت، فإن شاء الله لا بأس أن يؤخذ بشهادتهم. وشرط ثالث من شروط الشاهد: العقل، لحديث: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم: المجنون حتى يفيق. ومن الشروط التي ذكروها: الكلام، أن يكون متكلمًا، فلا تصح شهادة الأخرس الذي لا يتكلم. لماذا؟ قالوا: لأن الشهادة يعتبر فيها اليقين، وذلك لا يحصل مع فقد الكلام. ربما إذا لم يتكلم ما يدرون أيش يقول، إلا إذا كان هناك من يتقن إشارة هذا الأخرس، فقالوا: ينظر في القرائن ونحو ذلك. وذهب بعض أهل العلم إلى أن شهادة الأخرس تقبل فيها بطريقة الرؤية، إذا رأى مثلاً، إذا رأى، وإذا فهمت منه الإشارة، وإذا فهمت منه الإشارة. وهذا هو الصحيح. الأخرس الآن مع وجود هذا العلم الحديث، لربما يعني يتخاطب كمخاطبة المتكلم الآن، حتى في الأخبار، في المحاضرات، بعضهم يأتي واحد في الطرف هكذا، لو ترون يعمل حركات، صح، هذا الإش، ليه؟ الصم البكم، ها، يفهمون الكلام، يفهمون هذا الكلام. وأذكر مرة قضية وقعت في المحكمة، في مسجد التقوى، وكان فيها بعض الخرسان الذين ما يتكلمون. هذا غضية وقعت زمن الأخوة الأجانب. أحد من أعداء الدعوة عمل أمر عجيب، أنت لعلك حضرت هذا الشيء، كان في زمن جاءت فيه مرض اسمه الإنفلونزا، ها، مرض معروف، يعني في أوروبا وكذا، يؤدي إلى الوفاة، ها، مرض خطير. ها، نحن نقول: لا لا، إنفلونزا أو إنفلونزيا أو إنفلونزا، إنفلونزا، أيوة، نعم، وإنه سم، هذا كلام مقتصر. فلو، أيوة، هذا مجموعة منهم أربعة صم بكم، علقوا أوراق في التقوى وفي السوق وفي... أن التقوى عندهم أجانب مصابون بهذا المرض، تمام، مصابون بهذا المرض. حضرت هذا، أيوة، وبدأ الناس يتهربون من المسجد، خافوا، يقول لك: هذا فعلا يأتون من أوروبا ويأتون من أمريكا، كان كثير أجانب في التقوى، يكون وصلوا إلى حد الخمسين أو أكثر، نعم، كلهم من أوروبا، من فرنسا، من لوكسمبورغ، من يعني بريطانيا، يعني كان كثير. فبدأ الناس إيش؟ يتهربون من المسجد. صدقوا الإشاعة، هي إشاعة طبعًا، فما ندري من هؤلاء، طبعًا بالسر فعلوا هذا. المهم بلغنا الشرطة، الشرطة بدأت تبحث، تبحث، إلى أن مسكوا هذه العصابة. طيب، جاء القاضي، قال: كيف لأن نتفاهم معهم؟ إذن هل أحد يفهم يعني كلامهم؟ بحثنا، وجدنا فيهم أناس يفهمون كلامهم، فاستدعاهم القاضي، وسمع منهم، سمع منهم كذا بالإشارة، بالإشارة، وحكم عليهم، حكم عليهم بالسجن وكذا. المهم الشاهد: أنهم هم مش شهداء، إنما هم متهمون، يعني، لكن الشاهد أنهم تخاطبوا، يعني حاول يتخاطب معهم القاضي بالإشارة، يعني مترجم، مثل مترجم، واحد يترجم له، يسألهم هذا، وهم إذا يقول لهم: يقولون كذا وكذا وكذا وكذا. فالشاهد أن الأخرس يمكن أن يعني يفهم كلامه، يمكن أن يفهم كلامه. هذا أيضًا من الشروط، من شروط الشهادة، كذلك من شروط الشهادة: الإسلام، فلا تقبل شهادة الكافر، لأن لا تقبل شهادة الفاسق، فالكافر أعظم. وقد قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ [الحجرات: 6]. ومن الشروط أيضًا: الحفظ، فلا تقبل شهادة المغفل بكثرة النسيان والغلط. بعضهم عندها يعني غلط كثير، يغلط ولا يضبط الكلام، ويزيد فيه وينقص، فهذا لا تصح منه الشهادة، لا تصح منه الشهادة. وقوله هنا: "إلا بما يعلمه برؤية"، ذكر الشيخ ابن عثيمين لطيفة طيبة في هذا الباب، وهو: أنه لا يشترط على العلم المشهود عليه وجود الشاهد. إيش معنى هذا الكلام؟ يعني مثلاً: لو إنسان شهد على آخر، لكن هذا المشهود عليه قال: كيف تتشهد وأنا ما رأيتك؟ يعني مثلاً: يأتي إنسان يقول: أنا سمعت زيد يقول كذا وكذا، وزيد هذا المشهود عليه ما هو يعني، ما رأى هذا الشاهد، ما رآه. فهذا لا يشترط. وهذا قد يلجأ إليه صاحب الحق إذا كان المشهود عليه... المشهود عليه إذا وجد أناس ينكر، تمام، وإذا لم يوجد أناس يعترف. مثال ذلك سأعطيكم مثال: زيد وعمر، الله يعينهم، زيد وعمر. طيب، زيد يطالب عمر بمبلغ من المال، دين، ويعلم زيد أنه إذا اشتكى بعمر سينكر عمر، يقول له: ما لك شيء عندي، وهو عنده، عمر، تمام. فيأتي عمر عند زيد، يقول له: يا أخي، هات المال. يقول له: طيب، المال عندي، أنا ما أنكرتك، أمهلني وأنا يعني أبحث وأنا كذا وأنا كذا. طيب، فيخشى زيد أنه إذا ذهب عند القاضي ينكر عمر. فقال لأحمد من الناس: أنت اختبئ، تمام، اختبئ، وأنا سأسأل هذا، أسأله عن الدين، واسمعه أي شيء يقول. فاختبأ أحمد، وجاء زيد عند عمر، قال له: يا أخي، هات الدين. قال له: أنا ما أنكرتك، الدين عندي. قال له: ميتين ألف. قال له: نعم، ميتين ألف، لكن أصبر علي. قال له: يا أخي، إلى متى؟ قال له: خلاص. أحمد يسمع، تمام. فذهب زيد عند القاضي، قال: يا أخي، هذا ما يبغى يعطيني المال، دين عنده. استدعى القاضي عمر، قال له: أعطي فلان دين. قال له: ما عندي شي دين، ما أخذت منه ولا ريال واحد. فقال القاضي لزيد: عندك شاهد؟ قال له: نعم، عندي أحمد. قال له: من أحمد؟ ما أحد شاف، ما شفت أحد، أنا أحمد. هل تصح شهادة أحمد؟ نعم، تصح شهادة أحمد. الشيخ ابن عثيمين هنا يقول: يجوز في مثل هذا استخدام هذه الطريقة، استخدام هذه الحيلة من صاحب الحق حتى يستخرج حقه، حتى يستخرج حقه، فلا بأس بذلك. طيب، طولنا اليوم وأخذنا وقت الدروس كلها، صح، ما شاء الله. إذن اليوم ما في، بس ننتقل مباشرة للتحفة مع وضكم إن شاء الله، وقت آخر يأتي أصحاب التحفة الآن إن شاء الله.