الخطبة بعنوان واذكروا الله في أيام معدودات، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 10 ذو الحجة 1438هـ ألقاها
أيام التشريق هي أيام عيد للمسلمين، يُشرع فيها الأكل والشرب وذكر الله، مع النهي عن صيامها. يُشدد على أهمية الذكر عقب الصلوات وذبح الأضاحي في هذه الأيام.
يُشدد على أهمية ذكر الله في الأيام المباركة مثل أيام التشريق، ويُحث على الإكثار من الذكر والدعاء الشامل. يُبين أن ذكر الله يجمع بين نعيم الأبدان والقلوب.
يتضمن الدعاء للمسلمين بالأمان والحماية من الأعداء، مع طلب رد كيد من يريد بهم السوء. ينتهي بتمجيد الله والصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، والأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن القرض رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر». أعظم الأيام عند الله يوم النحر، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، هذا اليوم الذي هو عيدٌ من أعياد المسلمين، يتقرب فيه العباد إلى ربهم جل وعلا بأنواع الطاعات والقربات. فحُجَّاج بيت الله الحرام يؤدُّون أكثر أعمال الحج من رميٍ وذبحٍ وطوافٍ وحلقٍ، وهكذا غيرهم من المُقيمين في سائر البلاد يتقربون إلى الله جل وعلا بذبح الأضاحي وإراقة دمائها، ويذكرون الله جل وعلا بالتكبير والتعظيم. ثم يوم القر، وهو يوم الحادي عشر الذي هو أول أيام التشريق، وفي حديث عُقب بن عامر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكلٍ وشرب». وفي حديث نبيشة الهذلي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أيام التشريق أيام أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله» رواه مسلم. وفي بعض السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام بعث مناديًا ينادي في الناس: «أيام منا لا تصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله». فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام أيام التشريق لأنها تُعتبر من أعياد المسلمين التي لا يجوز صيامها. فالعبد والمؤمن في ضيافة الله جل وعلا وكرمه، ولذلك لم يُرخِّص عليه الصلاة والسلام في صيامها إلا لمن لم يجد الهدي ممن كان مُتمتِعًا، كما جاء في الصحيح من حديث ابن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن هذه الأيام أيام أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله جل وعلا، وذكر الله جل وعلا في هذه الأيام، أي أيام التشريق، وهي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، كما صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أيام منا ثلاثة، فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخَّر فلا إثم عليه لمن اتَّقى» رواه الترمذي وغيره. فذكر الله جل وعلا فيها على أنواعٍ متعددة، منها ذكر الله جل وعلا عقب الصلوات وأدبار الصلوات المكتوبات، فإنه يُشرع ذكر الله جل وعلا بعدها، وذلك ابتداءً من فجر يوم عرفة إلى آخر يومٍ من أيام التشريق، في قول جمهور أهل العلم. وهكذا أيضاً ذكر الله جل وعلا في ذبح النسك والأضاحي، فإنه يُشرع ذكر الله جل وعلا بالتسمية والتكبير، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام حين ذبح عليه الصلاة والسلام أضحيته، سمَّى وكبَّر، فالتسمية شرطٌ، والتكبير مُستحب، ويمتد وقت الذبح إلى آخر يومٍ من أيام التشريق، في قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد. وهكذا أيضاً من صور ذكر الله جل وعلا في هذه الأيام المباركة ذكر الله على الأكل والشرب، أن تسمِّي الله جل وعلا عند ابتداء الطعام، وأن تحمد عند الفراغ، فإن ذلك من أسباب نيل رضى الله. وفي الصحيح أن أنسًا رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، وأن يشرب الشربة فيحمده عليها». ومنها كذلك ذكر الله جل وعلا، ذكر الله عند رمي الجمار، وذلك خاصٌ بأهل الموسم. ومنها ذكر الله على جهة الإطلاق في سائر الأحوال وفي سائر الأوقات، في بيتك، وفي سوقك، وفي مركبك. وقد كان عمر رضي الله عنه يكبر بمنى فيسمعه الناس فيكبرون، فترتج منى تكبيرًا. والله جل وعلا حث على ذكره جل وعلا عند الفراغ من العبادات والطاعات، فقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾، فمن الناس من يقول: «ربنا آتنا في الدنيا»، وما له في الآخرة من خلاق، ومنهم من يقول: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، أولئك لهم نصيب مما كسبوا، والله سريع الحساب. فالله جل وعلا أمر بالإكثار من ذكره عند الفراغ من نسك الحج كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا، أي اذكر الله جل وعلا ذكرًا شديدًا كذكر الصبي لأبيه وأمه. هكذا يحث ربنا جل وعلا أن نكثر من ذكره كما يذكر الصبي أباه وأمه. فمن الناس من يقول: «ربنا آتنا في الدنيا»، وما له في الآخرة من خلاق، أن يسأل الله جل وعلا شيئًا من متاع الدنيا ولا يسأل الله جل وعلا شيئًا من أمر الآخرة، فذم الله من كان هذا حاله، ومن كان هذا سؤاله، ثم مدح الله جل وعلا من جمع بين الأمرين وجمع بين الخيرين، فسأل ربه جل وعلا خير الدنيا وخير الآخرة. ومنهم من يقول: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، وقنا عذاب النار، هذا الدعاء قال كثير من السلف: يستحب أن يدعى الله جل وعلا به في مثل هذه الأيام، «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، وهو من جوامع الكلم، من جوامع دعاء النبي عليه الصلاة والسلام الذي كان يدعو به، كما في البخاري من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. «ربنا آتنا في الدنيا حسنة»، وذلك يشمل كل خيرٍ يرغب به العبد ويحبه ويتمنى من صحةٍ وعافية، ومن رزقٍ حسن، ومن علمٍ نافع وعملٍ صالح، ومركبٍ هنيء، ودارٍ واسعة، وامرأةٍ حسنة، وغير ذلك من متاع الدنيا. وفي الآخرة حسنة، وأعظم ذلك دخول الجنة والنجاة من أهوال الآخرة، فمن دعا الله جل وعلا بهذا الدعاء فقد دعا الله جل وعلا بالخير كله أن يُيسِّرَ له في الدنيا والآخرة. جاء عند ابن أبي حاتم أن أنسًا رضي الله عنه كان عنده جماعة، فقال له ثابت: إن القوم يسألونك أن تدعو لهم، فقال: اللهم آتهم في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقهم عذاب النار، ثم تحدثوا ساعة، فقال له: إن القوم يريدون منك أن تدعو لهم، فقال: أو يريدون أن أشقق لهم الأمور؟! فإن من أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ووقي عذاب النار فقد أوتي الخير كله. فينبغي أن نحرص على مثل هذا الدعاء العام الشامل لكل خير من خير الدنيا والآخرة. وفي قوله جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ﴾ إشارة إلى أن العبادات والطاعات قد يفرغ منها العبد، لكن ذكر الله جل وعلا لا ينتهي ولا يفرغ منه. فإن العبد يحتاج إلى ذكر الله، وأن يذكر الله جل وعلا في الدنيا والآخرة. وقد أمر الله سبحانه بالإكثار من ذكره عند القضاء الصلاة، فقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾، وقال في الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وقال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله الذي أرسى رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليمًا مزيدًا. عباد الله، إن في أيام التشريق يجتمع للمؤمن يجتمع للمؤمنين نعيم أبدانهم بالأكل والشرب، ونعيم قلوبهم بالذكر والشكر، وبذلك تتم النعمة. وإذا أنعم الله جل وعلا عليهم بنعمة فهم يحتاجون إلى شكر لها، وإذا شكر النعمة كان الشكر نعمة تحتاج إلى شكر، وهكذا إلى ما لا نهاية له. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «أيام أكل وشرب وذكر لله» إشارة إلى أن الله جل وعلا أباح ما أباح من الطيبات من مأكل ومشرب ليستعان بها على طاعة الله. ولذلك أمر الله بالأكل من الطيبات والقيام بشكره، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾. فإن شكر النعم أمر مطلوب، والله جل وعلا أباح لعباده ما أباح من النعم إلا للقيام بطاعته وشكره، وخاصة في مثل هذه الأيام التي يأكل فيها الناس الأضاحي والذبائح التي أباح الله جل وعلا ذبحها ونحرها، وهي طائعة لله ومسبحة لله وساجدة لله جل وعلا. قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، وقال جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدُّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾. فهذه البهائم طائعة لله، فأباح الله جل وعلا أكلها وأباح جل وعلا ذبحها حتى يستعين بها العباد على طاعة الله وعلى القيام بشكره جل وعلا. قال سبحانه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ألا فاستعينوا عباد الله، استعينوا على ما أنعم الله عليكم وما أباح لكم من الطيبات على ذكر الله وعلى طاعته وشكره، واحذروا من معصية الله جل وعلا، ومن تبديل نعمة الله كفرًا بأن تجعل هذه النعم وهذه المباحات التي أباحها الله لك سبيلًا إلى معصية الله وإلى اقتراف الذنوب والمعاصي والوقوع فيما يغضب الله وفيما يسخط الله جل وعلا. أسأل الله جل وعلا أن وفقنا وإياكم لطاعته، وأن يجعلنا سبحانه ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم عز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين، اللهم هيّئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. اللهم واجعل بلدنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم واجعلها بلاد أمن وأمان يا ذا الجلال والإكرام، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، اللهم واخذه أخذ عزيز مقتدر. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.