احفظ الله يحفظك

الخطبة بعنوان احفظ الله يحفظك، وكانت بمسجد السنة بالمركز الجديد بتبالة ٢ ذو القعدة ١٤٣٧هـ ألقاها

أهمية حفظ حدود الله وأثره على العبد

أمر النبي بحفظ حدود الله وأوامره ونواهيه، وحفظ الله للعبد في نفسه وماله وأهله. هذا الحفظ يكون في جميع أمور حياته.

أمثلة على حفظ الله للعبد الملتزم بأوامره

الله يحفظ العبد في دينه وإيمانه وفي جميع أموره، ويحفظه في الدنيا والآخرة. هناك أمثلة في القرآن على حفظ الله لأنبيائه وأوليائه.

جزاء من يحفظ أوامر الله وحدوده

من يحفظ أوامر الله وحدوده يكرمه الله بالفوز بجنات الخلد والنجاة من النار. ينبغي للمسلم أن يحفظ الله في أفعاله وأقواله.

دعاء وتمني لإصلاح الأمة والتمسك بالطاعة

دعاء لإصلاح الأمة وتعظيم أهل الطاعة وذم المعصية، والثناء على الله والصلاة على النبي محمد. هذا يعبر عن الرغبة في التمسك بالطاعة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، روى الإمام الترمذي في سننه من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «كنت رديف النبي عليه الصلاة والسلام يومًا على حمار، فقال: يا غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الوصية العظيمة بحفظ الله جل وعلا، ورتب على ذلك حفظ الله جل وعلا للعبد. «احفظ الله جل وعلا»؛ أي: احفظ حدوده، وحفظ أوامره ونواهيه. احفظ الله جل وعلا العظيمة في أمره؛ فكن ملازمًا له، وكن مقيمًا له، وكن محافظًا على فعله، والمداومة على إقامته. تحفظ الله جل وعلا باجتناب نواهيه وترك محارمه مما حرم الله، ومما نهى الله سبحانه وتعالى عن فعله. احفظ الله في سمعك؛ فلا تسمع إلا ما يرضي الله، وتجتنب ما حرم الله. احفظ الله في بصرك؛ فلا تبصر إلا ما يحب الله. احفظ الله في لسانك؛ فلا تتكلم إلا بما يرضي الله. احفظ الله في بطنك؛ فلا تدخل إلى جوفك إلا ما أحل الله. احفظ الله جل وعلا بالمحافظة على الصلاة والمداومة على فعلها وإقامتها كما أمر الله، وكما يحب الله جل وعلا. تحفظ الله جل وعلا بفريضة الصيام بأن تصوم رمضان الذي أوجب الله صيامه كما يحب الله جل وعلا. وهكذا قل في سائر الواجبات، وفي سائر الأوامر؛ تحفظ الله جل وعلا بحفظها والمداومة عليها. «احفظ الله يحفظك»؛ يحفظك الله جل وعلا، والله سبحانه وتعالى خير حافظ، فالله خير حافظًا، وهو أرحم الراحمين. يحفظك الله جل وعلا في جنياك، وفي حفظ مصالح حياتك، يحفظك في نفسك، ويحفظك في مالك، ويحفظك في أهلك وولدك. قال الله جل وعلا في قصة اليتيمين: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. قال سعيد بن المسيب رحمه الله لولده: «يا بني، إني لأتق الله حتى يحفظك الله، إني لأتق الله حتى يحفظك الله». وقال رحمه الله: «إن الله عز وجل ليحفظ بالعبد -أي بصلاحه واستقامته- ولده، وولد ولده؛ وهكذا يحفظك الله في دينك، وفي إيمانك؛ فلا تضرك الشبهات المظلة، ولا تفتنك الشهوات المحرمة». ويحفظك الله جل وعلا عند موتك. والنبي صلى الله عليه وسلم كان من هديه أن يقول عند النوم: «باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، فإن قبضت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين». «احفظ الله يحفظك»؛ يحفظك في إقامتك، ويحفظك في سفرك، ويحفظك عند حلول المصائب والمحن. حفظ الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام من كيد المشركين الذين أرادوا الفتك به وقتله. حفظ الله عز وجل يونس حين التقمه الحوت وهو في البحر؛ فلم يكسر له عظمًا، ولم ينهش له لحمًا. ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. حفظ الله عز وجل إسماعيل من الذبح؛ لأنه استجاب لأمر الله، ولم يتردد فيما أمر الله جل وعلا. قال سبحانه: ﴿فَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. وهكذا نجى الله عز وجل موسى عليه السلام وقومه من بطش فرعون وجنوده. قال الله جل وعلا حاكيًا عن قوم موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾؛ حين واجههم البحر، وفرعون وجنوده من خلفهم. قال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، قال موسى عليه السلام: «كلا، إن معي ربي سيهدين». فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر؛ فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، كالجبل الشامخ؛ فنجاه الله سبحانه وتعالى، ومن معه من المؤمنين، وأغرق فرعون وجنوده. حفظ الله جل وعلا الفتية الذين كانوا في الكهف؛ حين خافوا على دينهم، وخافوا على إيمانهم؛ بقوا في الكهف ثلاثمائة وتسع سنين، ولم تأكل الأرض أجسادهم، ولم تتعفن أبدانهم؛ بقوا في حفظ الله جل وعلا. ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾. قال جل وعلا: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ لِئَلَّا تَأْكُلَهُمُ الْأَرْضُ﴾؛ حفظهم الله جل وعلا في هذه الفترة الطويلة؛ لأنهم حفظوا الله جل وعلا. هكذا عباد الله، إذا حفظ المسلم حدود الله جل وعلا، وأوامره ونواهيه؛ فليبشر بحفظ الله جل وعلا له في الدنيا والآخرة؛ فالله خير حافظًا، وهو أرحم الراحمين. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله؛ إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، كان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقول في صباحه ومسائه: «اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي واحفظ روعاتي». ثم يدعو عليه الصلاة والسلام بأن يحفظه الله جل وعلا، وأن يحفظ آله وماله وولده؛ لأن العبد إن لم يلجأ إلى الله، وإن لم يستعن بالله جل وعلا، ويطلب الحفظ من الله؛ فمن الذي يحفظه؟ ومن الذي يكلأه؟ ومن الذي يرعاه؟ ومن الذي يبعد عنه الشرور والمصائب والمحن؟ ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. نعم، عباد الله، ينبغي أن تلجأ إلى الله سبحانه وتعالى، وأن تطلب من الله جل وعلا أن يحفظك في سائر أحوالك، وفي سائر أفعالك، وأن تكون تحت رعاية الله سبحانه وتعالى. ولتعلم أنك إن فعلت ذلك، وحفظت الله جل وعلا؛ فأبشر بالفوز العظيم، وبالكرامة العظيمة التي يرجوها كل مؤمن؛ ألا وهي الفوز بالجنة، والنجاة من النار؛ أن تكون من أهل النعيم، ومن أصحاب اليمين، ومن الذين يدخلون جنات الخلد. قال النبي عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيح- من حديث أبي هريرة: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه؛ أضمن له الجنة». إذا حفظت لسانك، وحفظت فمك عما حرم الله من قول الزور والباطل، ومن أكل الحرام والسحت، وحفظت فرجك عما حرم الله من الزنا واللواط وغيرها من الفواحش؛ فأبشر بالفوز بالجنة. ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. هكذا يخبر الله جل وعلا بأن الجنة تزلف -أي تقرب- إلى أهلها، وإلى سكانها، وإلى من كان من المخلدين فيها؛ وهم من حفظ أوامر الله، ومن حفظ حدود الله سبحانه وتعالى؛ من صبر في هذه الدنيا على طاعة الله، وصبر على ترك المحارم، وترك شهوات النفس. نعم، إنهم كانوا أوابين، كانوا رجاعين لله؛ كثير الذكر لله جل وعلا، كثير الاستغفار إن أذنبوا، وإن أساءوا أو أخطأوا؛ وهم حافظون لأوامر الله، وحافظون لحدود الله جل وعلا. ﴿مِنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾؛ كانت عندهم خشية في قلوبهم لله؛ يخشون الله في الغيب -أي في حال غيبتهم عن الناس-؛ فقلوبهم مليئة خشية من الله، وخوفًا من الله سبحانه وتعالى؛ فلذلك حافظوا على أوامر الله، واجتنبوا ما حرم الله سبحانه وتعالى. حفظوا الله جل وعلا في ظاهرهم، وفي باطنهم؛ حفظوا الله في علانيتهم، وفي سرهم؛ فلذلك حفظهم الله في أعظم موقف، وفي أعظم حال يحتاجون فيه إلى الله؛ ألا وهو يوم القيامة؛ عند حصول تلك الشدائد، وتلك الأمور العظام. فلما حفظوا الله؛ حفظهم الله جل وعلا. وكذلك أبعد عنهم ما يسوءهم، وما يوقع في قلوبهم من الحزن والألم؛ فأنجاهم من عذابه، وسلمهم من عقابه، وأكرمهم بالفوز بجناته. ألا يا معشر المسلمين، احرصوا على أن تحفظوا الله جل وعلا في أوامره؛ فانظروا كيف أنتم مع أوامر الله جل وعلا؟ هل قمتم بما أوجب الله، وبما أمر الله جل وعلا عليكم؟ أم أنكم فرطتم في ذلك؟ ألا فتداركوا، وارجعوا إلى ربكم، وتوبوا إلى خالقكم، والتزموا بما أوجب الله عليكم. وانظروا كيف أنتم مع نواهيه؟ فإن كنتم قد اخترفتم من ذلك شيئًا؛ فاقلعوا عن ذلك، وتوبوا إلى الله؛ والله جل وعلا غفور الرحيم. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يوفقنا جل وعلا لحفظ حدوده، وحفظ أوامره، وحفظ نواهيه. ونسأله جل وعلا أن يكون لنا حافظًا في الدنيا والآخرة، ويوم القيامة. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين وقاعدين وراقدين، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم عز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين. اللهم أصلح لنا هذه الأمة؛ أمر رشيد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذ، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، يا ذا الجلال والإكرام. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على