شرح تطهير الاعتقاد 9

الدرس في شرح تطهير الاعتقاد 9، ألقاها

مفهوم توحيد الربوبية والإقرار به

توحيد الربوبية هو الإقرار بأن الله هو الخالق والرازق، لكن هذا الإقرار لا يكفي للنجاة من الشرك إذا لم يصاحبه توحيد الألوهية. المشركون كانوا يقرون بربوبية الله لكنهم كانوا يشركون في العبادة.

الشرك في العبادة وأنواع الرياء

الشرك في العبادة يمكن أن يكون أكبر أو أصغر، والرياء نوع من الشرك الأصغر. المشركون كانوا يعبدون الأصنام معتقدين أنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم، وهذا الإشراك يجعل إقرارهم بالربوبية باطلاً.

تفسير آية خلقكم من نفس واحدة

الآية الكريمة تشير إلى خلق البشر من نفس واحدة، والضمير في قوله جعل له شركاء يعود إلى بعض ذرية آدم. السلف ومفسرو القرآن فسروا الآية بأنها تتحدث عن شرك بعض الناس وليس آدم وحواء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام محمد الأمير صلعاني رحمه الله في كتابه "تطهير الاعتقاد": إذا تقرر عندك أن المشركين لم ينفعهم الإقرار بالله تعالى مع إشراكهم في العبادة، ولا يغني عنهم من الله شيئًا، وأن عبادتهم هي اعتقادهم فيهم أنهم يضرون وينفعون، وأنهم يقربونهم إلى الله زلفًا، وأنهم يشفعون لهم عنده تعالى. وقوله: "وأن عبادتهم هي اعتقادهم فيهم أنهم يضرون وينفعون" هذا قليل في المشركين؛ أنهم يعتقدون في آلهتهم التي يعبدونها أنها تنفع وتضر، وإلا فإن غالبهم يعتقدون أن النافع والضار هو الله جل وعلا، وإنما عبدوهم لأجل أن تقربهم إلى الله، وأن تشفع لهم عند الله جل وعلا، كما أخبر الله جل وعلا عنهم في قوله جل وعلا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. وهكذا أيضًا في قوله جل وعلا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. فأخبر الله جل وعلا أنهم يعتقدون في هذه الآلهة التي يعبدونها من دون الله جل وعلا أنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم عند الله جل وعلا. قال: "فنحروا لهم النحائر، وطافوا بهم، ونذروا النذور عليهم، وقاموا متذللين وخاضعين في خدمتهم"؛ يعني في خدمة هذه الآلهة، كما كان معروفًا في مشركي العرب من وجود الخدم والسدنة الذين يقومون على هذه الأصنام بخدمتهم، تقريبًا نذور إليهم ونحو ذلك. قال: "وسجدوا لهم"، ومع هذا كله فهم مقرون لله بالربوبية، وأنه الخالق، ولكنهم لما أشركوا في عبادته جعلهم مشركين، ولم يعتد بإقرارهم هذا؛ يعني بإقرارهم بالربوبية. فما نفعهم إقرارهم بربوبية الله، وأن الله متفرد بالخلق والملك والتدبير والإحياء والإماتة والرزق، وغير ذلك من أمور الربوبية؛ ما نفع هذا مع شركهم في عبادة الله جل وعلا، لأن من أقر بربوبية الله لزمه أن يقر بإلوهية الله جل وعلا، وأن يوحد الله جل وعلا في العبادة. قال: "ولكنهم لما أشركوا في عبادته جعلهم مشركين"؛ ولم يعتد بإقرارهم هذا؛ لأنه نافاه فعلهم، فلم ينفعهم الإقرار بتوحيد الربوبية. فمن شأن من أقر لله تعالى بتوحيد الربوبية أن يفرده بتوحيد العبادة؛ يعني يلزمه ذلك، إذا قر بربوبية الله جل وعلا لزمه أن يقر بتوحيد العبادة وتوحيد الألوهية، وأن يفرد الله جل وعلا بالعبادة. فإذا كان هذا المشرك يقر بأن الله المالك الخالق المحيي المميت الرازق المتصرف بهذا الكون، فمن كانت هذه صفته فهو الذي يستحق أن يعبد وحده دون من سواه من المخلوقات. ولهذا الله عز وجل ألزم المشركين بذلك، قال جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: كيف تقرون بربوبية الله جل وعلا ثم تعبدون غيره وتصرفون العبادة لغيره؟ فإذا أقررتم بربوبية الله جل وعلا لزمكم أن تفردوا الله جل وعلا بالعبادة. قال: "فإذا لم يفعل ذلك فالإقرار الأول باطل"؛ يعني إقراره بالربوبية دون توحيد الله جل وعلا بالعبادة والألوهية، هذا لا ينفعه، فيكون صاحبه مشركًا، وإن أقر بربوبية الله، وإن أقر بربوبية الله، لكنه صرف العبادة لغير الله وأشرك في عبادة الله جل وعلا، فهو مشرك ليس بموحد. قال: "وقد عرفوا وهم في طبقات النار"، وقالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ولو قال: "في دركات النار" فهذا أصوب؛ لأنه تعبير القرآن، كما أخبر الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. فالنار دركات، وكل دركة سفلا أقرب إلى النار، فهي أشد عذابًا وأشد نكالًا على أصحابها. قال: "مع أنهم لم يسووهم به من كل وجه، ولا جعلوهم خالقين ولا رازقين"؛ يعني لم يجعلوا هذه الآلهة مساوية لله في ربوبيته وفي ألوهيته؛ يعني في خلقه وإيجاده وتدبيره، وكونه جل وعلا يحيي ويميت، فلم يعتقدوا في هذه الآلهة التي عبدوها مع الله جل وعلا أنها تساوي الله في ربوبيته. قال: "ولا جعلوهم خالقين ولا رازقين"؛ أي: ما اعتقدوا فيها أنها تخلق وترزق كما يعتقدون ذلك في الله جل وعلا. قال: "لكن علموا في قعر جهنم أن خلطهم الإقرار بذرة من ذرات الإشراك في توحيد العبادة صيّرهم كمن سوى بين الأصنام وبين رب الأنام". وهم ساووهم في المحبة والتعظيم؛ جعلوا محبتهم لهذه الأنداد وهذه الأصنام وهذه الآلهة كمحبتهم لله جل وعلا، فكان ذلك سببًا في كفرهم وفي دخولهم النار عياذًا بالله. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "ومعلوم أنهم لم يسووهم برب العالمين في الخلق والربوبية، وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم"؛ كما في قوله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾؛ أي: يحبون هذه الأنداد كمحبتهم لله، هذا على أحد التفاسير لهذه الآية. فتكون هنا التسوية في المحبة والتعظيم، ليس في اعتقاد اعتقادهم أن هذه الآلهة تساوي الله جل وعلا في ربوبيته وفي الخلق والملك والتصرف. ومع ذلك فقد أشركوا بذلك، وكانوا من أهل النار والجحيم. قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾؛ أي: ما يقر أكثرهم في إقرارهم بالله بأن الله خلقهم وخلق السموات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الأوثان؛ يعني بصرف العبادة لغير الله واتخاذ الأنداد مع الله جل وعلا. فهو يؤمن بربوبية الله وبوجود الله وبتصرف الله جل وعلا وتفرده بالخلق والملك والتدبير، لكنه يشرك في عبادته، ويلجأ إلى غير الله جل وعلا بصرف أنواع العبادة. قال: "بل سمى الله الرياء في الطاعات شركًا، مع أن فاعل الطاعة ما قصد بها إلا الله تعالى، وإنما أراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس". فالمرائي عبد الله تعالى لا غيره، لكنه خلط عبادته لطلب المنزلة في قلوب العباد، فلم يقبل له عبادة، وسماها شركًا؛ كما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه". والله عز وجل تبرأ من عمل المرائي إذا عمل عملًا أشرك فيه معه أي مع الله عز وجل غيره، تركه الله جل وعلا وشركه؛ أي: وعمله. والرياء على قسمين: رياء أكبر، ورياء أصغر. فالرياء الأكبر هو الذي يخرج صاحبه عن دائرة الإسلام، وهو أن يكون عمله كله رياء، وهذا هو حال المنافقين؛ كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ورياء أصغر: وهو أن يقع الرياء من المسلم في بعض أعماله، في عمل من الأعمال يعمله فيقع فيه شيء من الرياء، فإن استرسل في هذا الرياء بطل هذا العمل، وإن دفعه فصح عمله. فهذا الرياء من الشرك الأصغر. وعلى كلٍّ إذا وقع العمل والعبادة وقع فيها شيء من الرياء، فإن هذا العمل مردود لا يقبله الله سبحانه وتعالى. قال: "بل سمى الله تعالى التسمية بعبد الحارث شركًا"؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. فإنه أخرج أحمد وترمذي من حديث سمرة أنه قال صلى الله عليه وسلم: "لما حملت حواء وكان لا يعيش لها ولد، طاف بها إبليس وقال: لا يعيش لك ولد حتى تسميه عبد الحارث، فسمته فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره". قال: "فأنزل الله الآيات"؛ وسمى هذه التسمية شركًا، وكان إبليس يسمى بالحارث؛ يعني أنه أمرها أن تسميه وتنسبه إليه حتى يسلم لها هذا الولد، لكن سيأتي أن القصة لا تصح. قال: "والقصة في الدر المنثور وغيره"؛ هذه القصة كما سمعنا أن حواء كان لا يعيش لها ولد، ولد لها ولد فمات، ثم الثاني فمات، وقال لها إبليس: إذا أردت أن يعيش فسميه عبد الحارث؛ يعني نسبة إليه أن يعبد إليه، فسمته عبد الحارث فعاش، فكان ذلك من وقوع آدم وحواء في الشرك في تسمية هذا المولود بعبد الحارث. هذا الحديث وهذه القصة لا تصح؛ رواها ترمذي وابن جرير والحاكم وغيرهم، وهي من طريق عمر بن إبراهيم عن قتادة عن الحسن عن سمرة، وعمر بن إبراهيم هذا روايته عن قتادة مضطربة؛ روايته عن قتادة فيها اضطراب كما قال ابن عدي رحمه الله. قال: "يروي عن قتادة أشياء لا يوافق عليها". وكذلك أيضًا ذكر غيرهم من أهل العلم أن في روايته عنه اضطراب وضعف. هذا الحديث جماعة من أهل العلم كالإمام الترمذي وابن عدي وابن حزم والذهبي وابن القيم وابن كثير، وكذلك أيضًا العلامة الألباني رحمه الله في "الضعيفة"، وكذلك العلامة ابن عثيمين وشيخنا الوادعي رحمه الله بتعليقي على "المستدرك". فهذه القصة لا تصح؛ لأنها أولًا من رواية عمر بن إبراهيم عن قتادة، وفي روايته عنه اضطراب. وكذلك أيضًا هي من طريق الحسن عن سمرة، والحسن مدلس، وقد عنعن في روايته هذه عن سمرة. كذلك أيضًا أنه روي عن سمرة موقوفًا؛ أي: من قوله، روي عن سمرة موقوفًا، وهو صحيح إلى سمرة، لكنه لا يصح ما ذكره؛ لأن مثل هذا يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة، ولا يوجد حديث مرفوع يدل على صحة هذه القصة. كذلك أيضًا يدل على ضعفها أن الحسن هو البصري رحمه الله له تفسير يخالف هذا التفسير، صح عنه في تفسير هذه الآية؛ كما ذكر ابن كثير رحمه الله أنه له ثلاث روايات له ثلاث تفسيرات في تفسير هذه الآية. التفسير الأول: أن المراد بهذه الآية بعض أهل الملل، أن المراد بها ذرية آدم ممن وقع في الشرك. والتفسير الثالث: أن المراد بها اليهود والنصارى، المراد بها اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهود، ونصروا؛ ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله في تفسيره. ثم قال ابن كثير رحمه الله: "وهذه أسانيده صحيحة عن الحسن رحمه الله أنه فسر الآية بذلك"؛ يعني بأحد هذه التفسيرات الثلاثة؛ إما أن يراد بها بعض أهل الملل، أو يراد بها ذرية آدم ممن وقع في الشرك، أو يراد بها اليهود والنصارى. قال: "وهو من أحسن التفسير، وأولى ما حملت عليه الآية". ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره؛ لا سيما مع تقواه لله وورعه. فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب؛ من آمن منهم مثل كعب أو وهب بن المنبه وغيرهما. ثم قال: "إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع، والله أعلم"؛ يعني أنه لم يرفع إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وروي عن ابن عباس أنه قال بذلك؛ كما ذكر ابن جرير رحمه الله في تفسيره أن ابن عباس قال: "أن آدم سمى عبد الحارث". وهذا كما ذكر ابن كثير رحمه الله لعله أخذه ممن روى عن بني إسرائيل. قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره بعد أن ذكر أثر ابن عباس: "وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة، ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة". وكأنه والله أعلم أصله مأخوذ من أهل الكتاب؛ فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب كما رواه ابن أبي حاتم، ثم ساقه بسنده. قال: "وهذه الآثار يظهر عليها والله أعلم أنها من آثار أهل الكتاب". قال: "وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري رحمه الله في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته". ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ثم قال: ﴿يُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؛ لأن الله عز وجل أخبر بأن في هذه الآية بوقوع من ذكر، وأراد إرجاع الضمير إليهما بأنه وقعا في الشرك. حتى إذا تغشاها فحملت حملًا خفيفًا فمرت به، فلما أثقلت دعوا الله ربهما؛ لأن آتيتنا صالحًا لنكونن من الشاكرين، فلما آتاهما صالحًا جعل له شركاء فيما آتاهما. أول الآية كان في آدم وحواء، ثم ذكر الله عز وجل هذه الآيات وهذه القصة، وليس المراد بها آدم وحواء، وإنما المراد بها كما مر معنى هو بعض ذرية آدم ممن وقع في الشرك بالله جل وعلا. بعد أن أنعم الله عز وجل عليهما بالولد أشرك في عبادة الله سبحانه وتعالى. هنا قول آخر: أن المراد بهذه الآية وأن الضمير يرجع إلى آدم وحواء، ورجحه الإمام ابن جرير رحمه الله في تفسيره، لكن الصحيح القول الأول، وأن آدم وحواء لم يقعا في الشرك، وحاشا آدم يقع في ذلك، وهو نبي من أنبياء الله جل وعلا. ومن قال بالقول الثاني قال: إنما أراد الله عز وجل بقوله "جعل له شركاء" في الإسم لا في العبادة؛ يعني في تسميته بعبد الحارث؛ لأنهما أشركا في عبادة الله جل وعلا. لكن قول الصحيح القول الأول، وأن آدم وأن الضمير لا يرجع إلى آدم وحواء، وإنما إلى ذريته ممن وقع في الشرك. وكذلك الإمام ابن القيم رحمه الله جزم؛ كما ذكر المحقق نقلًا عن ابن القيم في "روضة المحبين" أن الضمير لا يرجع إلى آدم وحواء، وقال: "ولا يلتفت إلى غير ذلك مما قيل". إن آدم وحواء كان لا يعيش لهما ولد ذكر القصة، وهي كما علمنا أنها ضعيفة لا تصح. وقوله: "فأنزل الله الآيات" هذا ليس في هذا الأثر ذكره عن الحسن عن سمرة، وإنما جاء ذكر سبب النزول في أثر ابن عباس الذي رواه ابن جرير رحمه الله في تفسيره. قال ابن عباس: "فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾". وهذا الأثر أثر ابن عباس ضعيف لا يصح؛ فيه ثلاث علل: الأولى أنه من رواية داود بن الحسين عن عكرمة، وهي منكرة. والثانية: فيه رواية ابن إسحاق، وقد عنعن عنه مدلس فلم يصرح بالتحديث. والثالثة: أنه من رواية ابن حميد، رواه ابن جرير عن ابن حميد، وابن حميد محمد بن حميد وهو متهم. إذن أثر ابن عباس لا يصح في سبب نزول هذه الآيات. إذن علمنا من هذا أن هذه القصة لا تصح في أن آدم وحواء سميا ولدهما عبد الحارث وطاعا الشيطان في ذلك، فهذا لا يصح. لكن المراد بهما كما سمعنا ذرية آدم ممن وقع في الشرك في عبادة الله جل وعلا، فأشرك في عبادة الله وأخبر الله سبحانه وتعالى بذلك عنهم. الشاهد من هذا: أن من أقر بالربوبية، ومن أقر بالربوبية وأشرك في عبادة الله لم ينفعه ذلك، لم ينفعه هذا الإقرار، وكان بصرفه العبادة لغير الله مشركًا بالله جل وعلا، غير معصوم الدم والمال. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على