شرح تطهير الاعتقاد 16

الدرس في شرح تطهير الاعتقاد 16، ألقاها

النذور والأموال المخصصة للقبور وتحريمها

الناس يجعلون أموالهم وأنعامهم نذرا لأصحاب القبور، وهذا شرك بالله ومحرم. زيارة القبور وتقديم النذور والذبائح لها يعتبر شركا.

حكم الحلف بغير الله وتفاصيل الشرك فيه

الحلف بغير الله قد يكون كفرا أكبر إذا كان بتعظيم، أو شركا أصغر إن لم يكن بتعظيم. تحقيق كلمة التوحيد يتطلب ترك الشرك.

شروط ونواقض كلمة التوحيد

كلمة التوحيد لها شروط ونواقض، جعل ند لله أو الغلو في أحد كفر، حتى مع قول كلمة التوحيد، مثلما حدث مع أصحاب عبد الله بن سبأ في علي بن أبي طالب.

ختام الصلاة على النبي وآله

المقطع يحتوي على ختام الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويعبر عن شكر الحاضرين لله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام محمد الأمير صلعاني رحمه الله في كتابه «تطير الاعتقاد»: وهذه النذور بالأموال، وجعلوا قسطا منها للقبر، كما يجعلون شيئا من الزرع يسمونه «تلمًا» في بعض الجهات اليمنية للميت، وقد يسمى أيضا «خراجًا» أو «نصيبًا» يجعل صاحب القبر. قال: وهذا يفعلونه طلبا لسلامة الزرع، وهو من النذور الشركية. وكذلك يجعلون لهم نصيبا من أموالهم وأنعامهم، يجعلون لأصحاب القبور نصيبا من أموالهم وأنعامهم، سواء كانت مثلا من بهيمة الأنعام، فإذا ولدت مثلا باثنين يجعل واحدا لهذا الولي، أو كذلك يخرج شيء من الزروع، يقول: هذا للولي. قال: هو بعينه الذي كان يفعله المشركون الذين حكى الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا﴾ الآية. وجعلوا لله مما ذرأ يعني مما خلق الله سبحانه وتعالى من الحرث، أي الزرع، والأنعام من الإبل أو البقر أو الغنم نصيبا، فقالوا: هذا لله بزعمهم، وهذا لشركائنا، جعلوا لله نصيبا، وجعلوا لشركائهم ومعبوداتهم نصيبا. وقال تعالى: ﴿ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون﴾. فهؤلاء القبوريون والمعتقدون في جهال الأحياء وظلالهم سلكوا مسالك المشركين، حذو القذة بالقذة، «القذة» ريش السهم، «حذو القذة بالقذة» يعني أنهم تابعوهم على ما هم عليه، وسلكوا مسلكهم، ونهجوا طريقهم. قال: فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يعتقد إلا في الله، اعتقدوا في هؤلاء أصحاب القبور ما لا يجوز أن يعتقد إلا في الله جل وعلا، من جلب النفع ودفع الضر وكشف الكربات وقضاء الحاجات، وغير ذلك من الأمور التي لا تكون إلا لله، وأيضا علم الغيب، وغيرها من الأمور. قال: وجعلوا لهم جزءا من المال، وقصدوا قبورهم من ديارهم للزيارة، يعني لزيارة هذه القبور، وربما يرحلون ويسافرون ويحملون الزاد من أجل زيارة القبر الفلاني، وهذا من الأمور المحرمة، «شد الرحل لزيارة القبر» من القبور هذا محرم، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». فإن كان مع هذه الزيارة أمور شركية، من دعاء لهذا الميت، واستغاثة، ونذر، وطلب الحاجات، وكشف الكربات، وسؤاله بأمور لا يستطيعها إلا الله، فهذا من الشرك الأكبر. قال: وطافوا حول قبورهم، وقاموا خاضعين عند قبورهم، «خاضعين» يعني متذللين، في هيئة الذل والخضوع والسكينة، تعظيما لهم وتقربا إليهم. قالوا: هتفوا بهم عند الشدائد، ونحروا تقربا إليهم، وهذه أنواع العبادات التي عرفناك. ولا أدري هل فيهم من يسجد لهم؟ لا يستبعد أن فيهم من يفعل ذلك، بل أخبرني من أثق به أنه رأى من يسجد على عتبة باب مشهد الولي الذي يقصده، تعظيما له وعبادة. بل يوجد أيضا من يسجد لصاحب القبر، يسجد على قبره. وبعض المقابر، مقابر الصوفية في تريم، يجعلون بين القبلة وبين من يريد أن يسجد أو يصلي قبة، فيسجد إليها. قال: ويقسمون بأسمائهم، بل إذا حلف من عليه حق باسم الله تعالى لم يقبل منه، فإذا حلف باسم ولي من أوليائهم قبلوه وصدقوه، وهذا من غلوهم وتعظيمهم لهؤلاء الأولياء كما يزعمون. ومن ذلك أنهم لا يقبلون من الحالف إلا أن يحلف بهم، إذا حلف بالله ما صدقوا، إذا قال: «والله أنا فعلت كذا أو ما فعلت كذا»، قالوا: «لا احلف بالولي الفلاني، احلف بالعيدروس أو احلف بالمحضار أو احلف بالجيلاني أو احلف بفلان»، إذا حلف قالوا: «صدقت». وربما من تعظيمه، من تعظيمه لهؤلاء الأموات، ما يحلف إذا كان كاذب، ربما يحلف بالله وهو كاذب ما يبالي، لكن إذا قيل له: «احلف بالولي الفلاني» ما يحلف. وهذا لا شك أنه من الكفر الأكبر الذي يخرج صاحبه من دائرة الإسلام. فالحلف بغير الله، إن كان من دون تعظيم، فهو شرك أصغر لا يخرج صاحبه من الإسلام، لكن إن كان مع التعظيم، معظما له يحلف به، معظما له كتعظيمه لله، فهذا من الكفر الأكبر. قالوا: هكذا كان عباد الأصنام، ﴿وإذا ذكر الله وحده شمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾. وفي الحديث الصحيح: «من حلف فليحلف بالله أو ليصمت». والحديث في الصحيحين، من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: وسمع صلى الله عليه وسلم رجلا يحلف باللات، فأمره أن يقول: «لا إله إلا الله». والحديث في الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من حلف فقال في حلفه باللات والعزة فليقل لا إله إلا الله». قال: وهذا يدل على أنه ارتد بالحلف بالصنم، فأمره أن يجدد إسلامه، فإنه قد كفر بذلك، كما قررناه في «سبل السلام شرح بلوغ المرام» وفي «منحة الغفار». وليس الأمر كما ذكر رحمه الله على جهة الإطلاق، النبي عليه الصلاة والسلام قال ذلك في حق من وقع الحلف على لسانه بمثل هذه الآلهة من غير قصد، وإنما جرى على اللسان ما كان تعود عليه قبل الإسلام، وكان الناس بالجاهلية يحلفون باللات والعزة لتعظيمهم لها، فربما جرى هذا الحلف على لسان الشاص من غير أن يقصد، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام كفارة ذلك أن يقول: «لا إله إلا الله»، وليس معنى أنه قد وقع في الكفر والردة، لكن من حلف بغير الله معظما له كما مر معنا، كتعظيم الله أو أشد، فهذا يكفر، هذا يقع في الكفر، وعليه أن يتوب، وأن يجدد إسلامه. أما من جرى الحلف بلسانه من غير تعظيم وقصد ذلك، فقد وقع في الشرك الأصغر. قال: فإن قلت: لا سوى، فهؤلاء قد قالوا: «لا إله إلا الله»، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها». وقال لأسامة بن زيد: «أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟». وهؤلاء يصلون ويصومون ويزكون ويحجون، بخلاف المشركين. هذه شبهة من شبهة القبوريين، يقولون: كيف تجعلوننا كالمشركين الذين عبدوا الأصنام؟ ونحن نقول: «لا إله إلا الله»، نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ونقيم الصلاة. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أو يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها». والحديث في الصحيحين. وقال لأسامة بن زيد لما قتل ذاك الرجل المشرك، لما قال: «لا إله إلا الله»، قتلته بعدما قال: «لا إله إلا الله»، أنكر عليه النبي صلى الله وسلم قتله له بعد أن نطق بالشهادتين. وكذلك أيضا نحن نصلي ونصوم، بخلاف المشركين، فكيف تجعلوننا نحن وإياهم سواء؟ قال رحمه الله: قلت: قال صلى الله عليه وسلم: «إلا بحقها»، يعني أمرت أن نقاتل الناس حتى يقولوا: «لا إله إلا الله»، فإذا قالوها عصموا مني دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، يعني بحق هذه الشهادة. قال: وحقها إفراد الإلهية والعبودية لله، والقبوريون لم يفردوا هذه العبادة، فلم تنفعهم كلمة الشهادة، فإنها لا تنفع إلا مع التزام معناها، يعني أن يقولها ويحقق شروطها، ويحقق معناها، وما دلت عليه من إفراد الله جل وعلا بالعبادة، ونبذ الشرك، وترك عبادة من سواه. فكونه قالها ثم نقضها بفعله وقوله، حينئذ لا تنفعه هذه الكلمة، لأن من حقها إفراد الله جل وعلا بالعبادة. قال: ولم ينفع اليهود قولها لإنكارهم بعض الأنبياء، وكذلك من جعل غير من أرسله الله نبيا لم تنفعه كلمة الشهادة، يعني إذا شهد أنه لا إله إلا الله، ثم ادعى أن فلانا من الناس نبي، أن فلانا من الناس بعد النبي عليه الصلاة والسلام أنه نبي وأنه رسول، فهذا كافر، وإن قال: «لا إله إلا الله» مئة مرة، فإنها لا تنفعه، ولا تعصم دمه وماله. قال: ألا ترى أن بني حنيفة كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويصلون ويصومون، ولكن قالوا: إن مسيلمة نبي، فقاتلهم الصحابة وسبوهم. فكيف من جعل للولي خاصة الإلهية، ويناديه للمهمات؟ يعني كيف إذا كان من رفع رجلا إلى منزلة النبوة، وهي دون منزلة الإلهية، فهذا يكفر، فكيف بمن جعل هذا الشخص في منزلة الإلهية والربوبية، جعله في منزلة الله سبحانه وتعالى؟ فإن هذا لا شك أنه يكفر من باب أولى. قالوا: هذا أمير المؤمنين علي من أبي طالب رضي الله عنه، حرق أصحاب عبد الله بن سبأ، وكانوا يقولون: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، ولكنهم غلوا في علي رضي الله عنه، واعتقدوا فيه ما يعتقده القبوريون وأشباههم، يعني في أوليائهم الذين يزعمون، وفي من غلوا فيه من أصحاب القبور، من جعلهم في منزلة الإلهية. فعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أحدا من العصاة، فإنه حفر لهم الحفائر، وأجج لهم نارا، وألقاهم فيها. وقال: «لما رأيت الأمر أمرا منكرا أججت ناري ودعوت قنبرا». قنبرا وغلامه، أمر أن يشعل النار في الحفر، وأمر أن يحرقوا بالنار. والقصة ثابتة، وهي في صحيح البخاري، أنه رضي الله تعالى عنه أمر بتحريق هؤلاء الذين غلوا فيه. وبلغ ذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تعذبوا بعذاب الله». ولقتلتهم، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من بدل دينه فاقتلوه». قال: وقال الشاعر في عصره: لترمي بي لترمي بي المنية حيث شاءت إذا لم ترمي بي في الحفرتين إذا ما أججوا فيهن نارا رأيت الموت نقدا غير دين. وهذا قال في بعض الروايات بعض من أمر علي رضي الله تعالى عنه بتحريقهم. قال: والقصة في «فتح الباري» وغيره من كتب الحديث والسير، يعني قصة تحريق علي رضي الله تعالى عنه لأتباع عبد الله بن سبأ الذين غلوا فيه، وجعلوا علي رضي الله تعالى عنه في منزلة الألوهية، فأمر علي رضي الله عنه بتحريقهم. قال: وقد وقع إجماع، إجماع الأمة، على أن من أنكر البعث كفر وقتل، ولو قال: «لا إله إلا الله»، فكيف بمن يجعل لله ندا؟ يعني كونه قال: «لا إله إلا الله» ليس معنى أنه لا يقع في الكفر، أو أنه لا ينقض هذه الكلمة، أو أنه لا يجوز قتله إذا أتى بما يستحق ذلك. لأن هذه الكلمة كما أن لها شروطا، كذلك لها نواقض، لها نواقض تنقضها وتجعل وجودها كعدمها. ومن ذلك لو أنكر البعث، لو قال: «أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وسأصلي وأصوم، لكن أقول: ما في بعث، ما في بعث بعد الموت»، هذا ليس بصحيح، هذا كافر باتفاق العلماء، مع قوله: «لا إله إلا الله»، وإتيانه ببقية الفرائض، فهو كافر باتفاق. والله عز وجل يقول: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا﴾. ومثله من قال: «لا إله إلا الله»، واتخذ ندا مع الله جل وعلا، يدعوه ويستغيث به، ويتقرب إليه، ويصف له العبادات مع الله سبحانه وتعالى، فهو كافر. وأما ما يتعلق باستدلالهم بقصة إسامة، سيأتي الحديث عنها إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. شكرا لكم.

شاركنا على