شرح تطهير الاعتقاد 18

الدرس في شرح تطهير الاعتقاد 18، ألقاها

حكم النذور والنحائر لصالح أصحاب القبور

يناقش حكم النذور والنحائر لصالح أصحاب القبور ويبين أنها اعتقاد باطل وشرك. يحذر من إضاعة المال في مثل هذه الأعمال غير المشروعة.

أحكام النذر في الإسلام وتحريمه في بعض الحالات

يشرح حكم النذر في الإسلام ويبين أن جمهور أهل العلم يعتبرونه مكروها، بينما بعضهم يحرم النذر المقيد. النذر للمعصية أو الشرك محرم ولا يجوز قبض المال الناذر له.

تحريم النذر على الأموات وتشبيهه بنذر الجاهلية

يبين تحريم النذر على الأموات لأنه تدليس وإيهام للناذر، ويشبهه بنذر الجاهلية للأصنام حيث كانوا يوهمون الناذر بقبول الصنم للنذر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام محمد بن أمير صنعان رحمه الله في كتابه «تطير الاعتقاد»: فإن قلت: هذه النذور والنحائر، فما حكمها؟ قلت: قد علم كل عاقلٍ أن الأموال عزيزةٌ عند أهلها، يسعون في جمعها ولو بارتكاب كل معصية، ويقطعون الفيافي من أدنى الأرض والأقاصي. والفيافي جمع فيفاء، وهي الصحراء الملساء المتباعدات الأطراف. قال: فياء، وهذا على سبيل الإخبار، وليس على سبيل الإقرار؛ كونه يخبر بأن الناس يحرصون على جمع الأموال ولو بارتكاب كل معصية، هذا من باب الإخبار، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك: «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء من أين أخذ المال، أم من حلال أم من حرام». وهذا من حرصهم على المال وعلى جمعه وتحصيله والإكثار منه، يحرص على جمعه ولو كان من طرق محرمة. قال: فلا يبذل أحد من ماله شيئًا إلا معتقدًا لجلب نفع أكثر منه أو دفع ضرر؛ فالناذر للقبر ما أخرج ماله إلا لذلك، يعني ما أخرج ماله إلا لشيء ينتفع به، إلا لشيء ينتفع منه، فيجلب له نفعًا أو يدفع عنه ضررًا، وإلا لما بذر ماله في شيء لا فائدة فيه مع حرصه على المال ومحبته للمال. قال: وهذا اعتقاد باطل؛ يعني في أصحاب القبور، وفي بذل الأموال لهم؛ لما يعتقدونه فيهم من اعتقاد الباطل أنهم يملكون من الأمر شيئًا أو ينفعون أو يضرون. ولهذا ربما إذا مرض على أحدهم مريض، جاء إلى صاحب القبر وقال: إن شفيت مريضي، فلله علي أن أذبح كذا وكذا، أو إن شفيت مريضي ذبحت لك كذا وكذا. وهذا لا شك أنه من نذور الشركية، أو كذلك أيضًا إن سلم مولوده، فإنه ينذر لصاحب القبر بشيء من المال. قال: وهذا اعتقاد باطل، ولو عرف الناذر بطلان ما أراده ما أخرج درهمًا؛ يعني لو عرف أن هذا النذر نذر باطل لا يصح ولا يشرع ولا ينتفع به، لم أخرج شيء من هذا المال الذي بذله في هذا النذر؛ لأجل تحصيل مفصوده. قال: فإن الأموال عزيزة عند أهلها، قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، وقال تعالى: ﴿إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾. قال: فالواجب تعريف من أخرج النذر بأنه إضاعة لماله، وأنه لا ينفعه ما يخرجه ولا يدفع عنه ضررًا. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به مال البخيل». والحديث في الصحيحين من حديث ابن عمر وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم. أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به مال البخيل؛ وذلك أن النذر يلزم نفسه بشيء ما أمره به الشرع، ويكلف نفسه بشيء ما كلفه به الشرع. ولهذا كان قول جمهور أهل العلم أن عقد النذر مكروه؛ عقد النذر مكروه، يعني ابتداء أن يعقد النذر فهو مكروه، هذا إذا كان النذر نذرًا مطلقًا. وإذا كان مقيدًا فكذلك قول أكثر أهل العلم أنه مكروه. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه محرم؛ النذر المقيد كان يقول: يا رب إن شفيت مريضي، فلله علي أن أصوم كذا وكذا يومًا، أو أتصدق بكذا وكذا من المال، أو أن أذبح شاتي الفلانية. هذا النذر المقيد أشد كراهة؛ لما فيه من سوء أدب مع الله جل وعلا، وأنه لا يفعل الطاعة إلا بمقابل. فهذا النوع من النذر بعض أهل العلم ذهب إلى تحريمه، وإن كان قول الجمهور أنه مكروه. هذا مع كونه نذر طاعة، الأصل فيه أنه مكروه، فكيف إذا كان النذر نذر معصية أو نذر شرك؟ فلا شك في تحريم ذلك. قال: ويجب رده إليه. وأما القابض للنذر فإنه حرام عليه قبضه؛ يعني الذي يقبض هذا النذر المحرم، كالنذر للقبور بما يقصده الناذر من مقاصد من طلب شفاء مريض أو نحو ذلك، فهذه النذور محرمة، ولا يجوز قبضها. قال: لأنه أكل لمال الناذر بالباطل لا في مقابلة شيء، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، وهذا منها، هذا من أكل أموال الناس بالباطل. قال: ولأنه تقرير للناذر على شركه وقبح اعتقاده ورضاه بذلك. وهذا الأولى؛ الأولى كان للمؤلف رحمه الله أن يبين أولًا أن هذا النذر شرك وأنه لا يجوز فعله؛ لأنه من الشرك في عبادة الله جل وعلا، ومن صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى. ثم يبين بعد ذلك أن هذا النذر من تضييع المال وإنفاقه بما لا نفع فيه، ولا كذلك أيضًا حصول أجر للناذر. قال: ﴿وَلَا يَخْفَى حُكْمُ الرَّاضِ بِالشِّرْكِ﴾؛ يعني أن من رضي بالشرك فهو كفاعله، فهو كفاعله. قال: فهو مثل حلوان الكاهن ومهر البغي؛ حلوان الكاهن، أي ما يعطاه الكاهن في كهانته عندما يأتي شاص إلى كاهن من الكهان من أجل أن يتكهن له، فيعطيه شيء من المال، هذا يسمى حلوان الكاهن، وهو مال محرم يأخذه هذا الكاهن بغير حق، ولا يحله أخذه، ولا دفع هذا الدافع لهذا الكاهن هذا المال. قال: ومهر البغي، يعني كذلك أيضًا هو محرم؛ كمهر البغي المال الذي يدفع للزانية من أجل الزنا بها، فهو مال محرم، وسمي مهرًا مجازًا كما يقول أهل العلم، وإلا ليس هو بمهر، بل هو مال محرم لا يحل لها. قال: ولأنه تدليس على الناذر وإيهام له أنه ينفعه الولي ويضره؛ يعني في هذا المال الذي يدفعه الناذر لصاحب القبر، فهو مال محرم، وكذلك أيضًا قبض هذا النذر الذي يدفعه لهذا الولي ولصاحب المشهد أو صاحب القبة أو صاحب القبر، في تدليس على هذا الدافع وهذا الناذر بأن هذا ينفعه، وأن الولي يحقق له ما أراد من نذره لهذا النذر، وكل هذا من الخداع والتدليس، وهو أمر محرم. قال: فأي تقرير لمنكر أعظم من قبض النذر على الميت؟ يعني أخذه منه لأجل ما نذره من هذا النذر لهذا الميت. قال: وأي تدليس أعظم، وأي رضى بالمعصية العظمى أبلغ من هذا؟ وأي تصيير للمنكر معروفًا أعجب من هذا؟ وما كانت النذور للأصنام والأوثان إلا على هذا الأسلوب؛ يعني في الجاهلية كانوا ينذرون للأصنام، ويأتي السدنة فيأخذون هذه النذور على أنه قد قبل هذا الصنم هذا النذر. قال: فيعتقد الناذر جلب النفع من الصنم ودفع الضر ودفع الضرر، فينذر له جزءًا من ماله، أو يقاسمه في غلات أطيانه؛ الغلات جمع غلة، وهو الدخل من كراء الدار أو أجر غلام أو فائدة أرض، كما في لسان العرب. يعني أنه يجعل له نصيب من المال الذي يتحصل عليه، سواء كان من كراء بيت، يعني تأجير بيت، أو مما يدخله الغلام من شقاء يده، أو كذلك مما تخرجه الأرض من الزروع أو الثمار أو نحو ذلك، فيجعل لهذا الصنم جزءًا من هذا الدخل. قال: ويأتي به إلى سدنة الأصنام فيقبضونه منه، ويوهمونه حقية عقيدته؛ يعني يأخذونه، فيوهمونه أنه على عقيدة صحيحة، وأن هذا الصنم قد قبل ذلك منه. وهكذا أيضًا يفعل عند أصحاب القبور؛ عندما يأتي إلى صاحب القبة أو صاحب القبر ويدفع المال، فيأتي السدنة فيأخذونه، ويقولون له: قد قبل منك السيد أو الولي ما دفعت وما نذرت، فأنت على عقيدة صحيحة. قال: وكذلك يأتي بنحيرته فينحرها بباب بيت الصنم، وهكذا يفعل أصحاب القبور، ربما يأتي بذبيحته ويذبحها عند باب القبر أو باب المشهد، هو بعينه فعل أهل الجاهلية وفعل المشركين الأولين مع الأصنام. قال: وهذه الأفعال هي التي بعث الله الرسل لإزالتها وإحراقها وإتلافها والنهي عنها، ولا فرق بين فعلها مع الأصنام وبين فعلها مع القبور؛ فالفعل واحد، وإن اختلف من فعل له هذا الفعل، فلا يختلف الحكم. فإلى هنا صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على